حمد بن عارف | Hamad Bin Aref
حمد بن عارف | Hamad Bin Aref

@HamadBinAref

15 تغريدة 16 قراءة May 27, 2020
لا شك في أن ماضِ الإنسان يؤثر في حياته الحاضرة والمستقبلية، فإن كان يمكن للإنسان في القدم أن يرتحل من بلد إلى آخر فيتسنى له بذلك بدء حياة جديدة بعيدا عن ملاحقة العار أو الفضيحة له ، فكيف له ذلك اليوم ؟ خصوصا وإن كان ما يهرب منه قد نشر على شبكة الانتزنت ؟
كيف له أن يُنسى رقمياً ؟
هذا ثريد عن حق من حقوق الإنسان المهمة وهو حقه في ( الدخول في طي النسيان الرقمي )
يقول السياسي الفرنسي جاك ثيرود :
( القدرة على حفظ البيانات بفضل الثورة الرقمية هي النقطة التي من شأنها أن تقوض أهم الحقوق الأساسية للإنسان وهو الحق في أن يُنسى)
كان حكم المحكمة الأوروبية رقم 12/131-سي لعام 2014 ضد محرك البحث الشهير «غوغل» شرارة البداية لمطالبات المستخدم الأوروبي بحقه في الدخول في طي النسيان الرقمي.
ويعرّف هذا الحق على أنه (التزام المحتفظ بالبيانات بالمحافظة عليها وضمان حق أصحابها بالمطالبة بحذفها حمايةً لهم من «ماضيهم» )
وفي قضية اشتهرت باسم (ماريو موستيغا ) ضد محرك البحث «غوغل اسبانيا» و «غوغل الأم» أصدرت المحكمة الأوروبية حكمها الذي
" أكد على حق مستخدمي الانترنت بمطالبة محركات البحث بإزالة النتائج التي تتعلق بهم ... حتى وأن كانت النتائج صحيحة طالما رغب أصحابها في نسيانها "
بل وقد أكدت التشريعات الأوروبية أن ما كان قد نُشر في الماضي بحسبانه بيانات عامة ، فإن من حق أصحابها المطالبة بدخولها في طي النسيان ، إذ أن ما كان عاماً في السابق سيكون ضمن الحياة الخاصة مستقبلا أو من الأسرار ، وبالتالي من حق أصحابها المطالبة بحذفها ودخولها في طي النسيان الرقمي.
ومن أهم الأحكام القضائية التي جاءت تأكيداً لهذا الحق ما قضت به محكمة باريس في فبراير 2015 ، لإمرأة في القضية التي تتلخص وقائعها في وجود مقطع إباحي قديم لها ، نُشر على الانترنت مما ألحق ضررا بها في حياتها وعملها ، فطلبت من محرك غوغل حذف نتائج البحث ، وبعد رفض الأخير للحذف
قالت المحكمة : ( أن «غوغل» قد شارك في هذا الضرر بانتهاكه لخصوصية الشاكية ، وأمرت محرك البحث بحذف نتائج البحث وذلك أن من حق الشاكية أن تنسى ما مضى من حياتها حتى وإن كان صحيحاً )
ويأتي حق الدخول في طي النسيان من فكرة مفادها أن للإنسان طبيعة متغيرة عبر مراحل حياته المختلفة ، فمرحلة الشباب أو المراهقة تختلف أحيانا اختلافاً كلياً عن حياة الفرد بعد دخوله في العمر ، وليس من العدالة أن يبقى المرء أسيراً لماضيه ، وبالتالي من حقه الدخول في طي النسيان .
إلا أن حق الدخول في طي النسيان ليس على إطلاقه ، بل يجب أن يوازن بينه وبين الحقوق الأخرى ، كحق الناس في المعلومة ، ولذلك رفضت المحكمة الابتدائية في باريس في مارس 2015 طلباً من أحد الرياضيين الذي اتهم بالاغتصاب ، معللة ذلك بأن من حق الجمهور معرفة الأشخاص الذين قد يشكل اتصالهم مع
الأطفال خطراً على هؤلاء الأخيرين ، وبالتالي لم ترى المحكمة أن الموقع الإلكتروني الذي رفض إزالة نتائج البحث الخاصة بهذا الرياضي قد تجاوز حرية التعبير أو تعدى على الغير .
وحتى يمكن القول بأحقية الفرد في دخول معلوماته في طي النسيان أن تكون هذه المعلومات قد مضى عليها فترة من الزمن ، وبالتالي لا ينطبق ذلك على المعلومات التي تمثل الواقع الحاضر أو الحالي لمستخدم الانترنت .
وقد جرّم المشرع الفرنسي عدم امتثال محركات البحث لطلب الجمهور بحقهم في الدخول في طي النسيان وقرر عقوبة السجن 5 سنوات وغرامة 300 يورو ( أكثر من مليون ومائتين ألف درهم ) ، وهي عقوبات مشددة أتت لتقوية جانب المستخدم الضعيف في مواجهة القوة التي يتمتع بها محرك البحث .
كما وتضمنت العقوبات عقوبات تأخر محرك البحث في حذف المحتوى ، ومن ذلك ما قضت به محكمة باريس بشأن طلب سيدة بحذف مقال قديم تناول قضيتها بالاحتيال وقالت المحكمة : أن من حق السيدة أن تنسى ماضيها ، فحكمت بإزالة نتيجة بحث المقال وقررت غرامة 1000 يورو على محرك «غوغل»عن كل يوم تأخير.
وقد تقرر أيضا بحق ورثة المتوفى بمطالبتهم بدخول مورثهم في طي النسيان الرقمي ، إلا أن ذلك مشروط بأن لا يكون مورثهم شخصيةً عامة أو تاريخية وأن لا يتعارض مع الحقوق الأخرى المشروعة ، كحق حرية التعبير أو حق الجمهور في المعلومة .
لم تأتي الدول العربية - للأسف - بذكر هذه الحقوق المهمة واللصيقة بحقوق الإنسان الأساسية في الزمن الرقمي ، فوجود محتوى مسيء لشخص على شبكة الانترنت قد يعني في كثير من الأحيان نهاية هذا الشخص خصوصاً في الجانب الاجتماعي .
انتهى .

جاري تحميل الاقتراحات...