Nader Halawa
Nader Halawa

@nhalawa1

15 تغريدة 11 قراءة May 26, 2020
ثالوث الموت .. والدين و..كرة القدم
#إعادة
وقف الضابط التركي الذي يجيد العربية محدقا بصرامة في وجه المتدرب الجديد ثم جلس خلف مكتبه متشاغلا بأوراق أمامه وهو يسأله دون أن ينظر إليه :
- ما الذي يجمع بين (الموت) و(الدين) و(كرة القدم) في بلادك ؟
رد المتدرب بسرعة : المشاعر المتأججة1
إبتسم الضابط التركي للمرة الأولى وهو يدون بعض الملاحظات ثم سأل:
- كيف يمكن الاستفادة إذن من هذه المشاعر المتأججة؟
فكر المتدرب قليلا ثم قال:
تأجج المشاعر حزنا أو غضبا هو أنسب توقيت لاختراق وعي الإنسان والتأثير فيه فأي معلومة حتى لو كانت غير معقولة ستمر إلى وعيه فورا 2
- لماذا ؟ وكيف؟
- لأنك علمتنا أن اشتعال المشاعر يصاحبه تعطل العقل، وإذا تعطل العقل لن يتمكن من اكتشاف خطأ أو صواب أي معلومة ، وفي نفس الوقت ستنحاز المشاعر إلى ما يعزز غضبها أوحزنها أكثر فأكثر ، وسيميل الإنسان إلى تحميل مسؤولية هذاالشعور لأي جهة أو شخص يُراد إستهدافه. 3
هز الضابط رأسه مستحسنا كلام المتدرب الذي واصل حديثه:
-أما كيفية التنفيذ فهي من أسهل ما يمكن المهم أن نكون على استعداد دائما لاستغلال أي حدث يثير المشاعر ، مثل وقوع ضحايا في حادث مروع يسبب حزنا عاما ،أو واقعة طائفية تشعل الغضب الديني أو حتى فشل كروي يسبب الحزن والاحباط بين الناس4
كل هذه الأحداث مناسبة جدا ، وعندها يتم إطلاق حملات مكثفة ومركزة في كل وسائل الإعلام وأبرزها "السوشيال ميديا" ، لكن الشرط الأساسي لنجاح هذه الحملات هو التركيز وعدم التشتت ، فلا بد من الالحاح على فكرة محددة يتفق عليها الجميع ، والفكرة طبعا ستكون موجهة نحو الهدف الذي نسعى له .5
في هذه اللحظة نهض الضابط التركي من مقعده مبتسما ،وصفق للمتدرب وهنأه مؤكدا له أنه اجتاز الدورة التدريبية بنجاح
وحين خرج المتدرب من المكتب وهو يقفز فرحا ،ارتمى الضابط على كرسيه وشرد بنظره بعيدا خارج نافذة مكتبه ثم تنهد محدثا نفسه: بعد كل هذا الجهد والمال لماذا لم ننجح حتى الآن؟)6
رغم أن هذا الحوار المتخيل لم يحدث في الواقع لكن مضمونه واقعي جدا ، وتستطيع بنفسك أن تتأمل تفاصيل هذه الحملات المنظمة في حالات اشتعال مشاعر الحزن أو الغضب .7
الحالة الأخيرة تمثلت في خروج المنتخب الوطني من بطولة الأمم الافريقية بالطبع ساد الحزن والغضب بين الجماهير حتى بين أولئك الذين لا يهتمون عادة بكرة القدم ، وهنا بدأت الحملات بفكرة غير منطقية لكنها بالطبع قادرة على المرور الى الوعي وسط المشاعر الملتهبة ،8
الفكرة هي ربط مستوى كرة القدم بالمستوى السياسي ، و تقييم أداء دولة على أساس أداء لاعبي كرة القدم !!
هذه الفكرة لا تحتاج أصلا الا للقليل من المنطق لهدمها من الأساس ، لكن من أين لنا بالمنطق حين تنهمر الدموع وتحترق الصدور حزنا وغضبا 9
هذه الحملات التي تحرص دائما على الانتشار بطريقة تبدو عفوية ، تكمن مهارتها في ركوب موجة المشاعر العامة ، لتبدو كما لو كانت نتيجة طبيعية لواقعة محددة ، لكن أحيانا تخفق هذه الحملات في التخفي فتظهر بوضوح أمام الجميع10
في مارس الماضي وقعت المذبحة الشهيرة في "نيوزيلندا" ، فتأججت المشاعر الغاضبة بين المسلمين بسبب هذه الجريمة العنصرية البشعة ، بدت الفرصة سانحة فهذا الحدث يجمع بين الدين و الموت معا ، وهنا انطلقت الحملات الممنهجة على عجل ،وبسبب الاستعجال لم يحسن صناع الحملات تنفيذها باحترافية 11
فبدلا من التوقف أمام جلال الموت ولو للحظات ،ظهرت منشورات السوشيال ميديا في الدقائق الأولى بعد الإعلان عن الحادث لتحمل مسؤولية ما جرى لأنظمة السعودية ومصر والإمارات !!
كانت الفكرة مبالغا فيها بشكل كبير ، فكشفت عن أسلوب هذه الحملات بكل وضوح ،12
وقد كان النجاح في استغلال حادث محطة مصر قبل أسابيع قليلة من حادث نيوزيلندا مغريا لتكرار هذه الحملات التي فشلت فشلا ذريعا ، تماما كما فشلت بعد ذلك في استغلال وفاة عضو الجماعة الارهابية داخل المحكمة.13
ورغم أن أسباب تأجج مشاعر المصريين ترتبط عادة بوقائع الموت و المشاعر الدينية و عشق كرة القدم ، إلا أن ثمة عقبة كبيرة تقف أمام صناع هذه الحملات ، وهي قوة الشعور الوطني للمصريين ، وهو الشعورالذي يستطيع التغلب على أي محنة أو شعور سلبي بمجرد إدراك أن الوطن نفسه مستهدف .

جاري تحميل الاقتراحات...