مختار جامل
مختار جامل

@almukhtar24

22 تغريدة 21 قراءة May 23, 2020
*ثقافة الكم وثقافة الكيف*
الجنس البشري بطبيعته ميّال للنظر إلى الكم، وهي جبلة معجونة في طينتنا، عبر عنها النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بقوله: (لو أن لابن آدم ودايًا من ذهب أحب أن يكون له واديان!).
ولكن واجبنا تجاه بعض الصفات التي تولد معنا التعديل والتقويم والتهذيب
والتشذيب، ولا يعني أنها ولدت معنا أنها لا بد أن تبقى وأن نرضخ لها، فقد ولدنا لا نستطيع تناول سوى الحليب، فهل يعني هذا أن نبقي الرضاعات في فمنا حتى المشيب؟!.
وتعديل الرؤية المكثقة للكم تكون بلفت النظر إلى أهمية الكيف، وإشاعة هذا الأمر؛ ليساعد الناس على التوازن،
والانفلات من جاذبية الكم.
فقد يمتلك الإنسان مكتبة ضخمة، وشرهًا لاقتناء الكتب إلى حد الهوس، وهو ما يسمى *(Bibliomania)* ومع ذلك لا تجده مستفيدًا منها، ولا يحسن استثمارها، وليست لديه المعرفة الجيدة بها.
وتجد إنسانًا يمتلك بيتًا كبيرًا، ويقع على مساحة واسعة، ولكنه يعيش ضيقًا في
بيته، وفوضى مستمرة، وعدم مقدرة على كفاية حاجته.
ونصادف أشخاصًا يتقاضون رواتب مجزية، وربما فوقها مكافئات كبيرة، ومع ذلك يخرج الشهر وهو مستدين من محلات على طول الشارع المؤدي إلى بيته!
ولعلنا نعرف بعضهم ممن يمتلك معرضًا مصغرًا من الملابس في بيته، ولكن لا تجده أنيقًا إلا ربما في
الأعياد، إن استطاع أن يكون أنيقًا في يوم العيد أصلًا.
ولن أطيل الكلام في تعداد صور لحالات يتجه أصحابها للاعتناء بالكم، مع إغفال الكيف، ثم لا يجنون من وراء التراكم الكمي شيئًا مما كان يصبو إليه!
وربما يتبسم القارئ وهو يقرأ هذا المقال إما من وقوعه في بعض الحالات في شرك شره الكم،
أو لمعرفته بأناس هم ضحايا هذه الحالة.
لكن بالمقابل نجد نجاحات باهرة، حققها أفراد فهموا قضية الكيف، وتمكنوا من التعامل معه، فأنجزوا ما لم ينجزه الواقعون في فخاخ الكم.
وها هو التاريخ يمدنا بصور مختلفة لنجاح المعتنين بالكيف، ولو أعوزهم الكم في كثير من الحالات.
فمن هؤلاء الإمام البيهقي أحمد بن الحسين بن علي الإمام الذي بلغت تصانيفُه نحو الألف! حتى قال الإمام التاج السبكي: ولم يتفق ذلك لأحد، ومع ذلك كان سبب تميز الإمام البيهقي ثقافة الكيف لديه، قال الإمام الذهبي في تاريخ الإسلام (٤٤٠/٣٠): (لم يقع له جامع الترمذي، ولا سنن النسائي،
ولا سنن ابن ماجه، ودائرته في الحديث ليست كبيرة، بل بورك له في مروياته، وحَسُن تصرفه فيها؛ لحذقه وخبرته بالأبواب والرجال.) هل كنت تعلم أن الكتب التي يرويها طلبة العلم اليوم كالسنن الثلاث لم تكن لدى الإمام البيهقي وهو هو، ولكن إن فاته الكم فلم يفته الكيف.
وحكى لنا مشايخنا عن فقيه
تريم العلامة المحقق الشيخ فضل بن عبدالرحمن بافضل (تـ ١٤٢١هـ)، والذي انعقدت الخناصر عليه، وكل من حمل كتابَ فقه فيها فهو عالة عليه - كما قال شيخنا العلامة الفقيه الصالح الشيخ سالم باحريش -=أنه كان يمتلك مكتبة متواضعة جدًا، بل وجدوا بعض الكتب المهمة التي كانت لديه عاريةً!
وهذا أحمد فارس الشدياق (تـ ١٨٨٧م)، صاحب أول رواية عربية - كما حققت ذلك الأديبة الناقدة المصرية رضوى عاشور - وصاحب مجلة الجوائب، وصاحب كتاب الجاسوس على القاموس، وسر الليال في القلب والإبدال، والذي جاء فيهما بالعجب العجاب في اللغة العربية، لم يكن يمتلك مكتبةً ضخمة مترامية الأطراف
في اللغة، بل يحكي عن نفسه ويقول في سر الليال (ص١٤٦) عن الصَّحاح والقاموس: (وليس عندي من كتب اللغة المطولة غيرهما)! كل هذا ولا يمتلك في مكتبته سوى هذين السفرين؟! والواحد منا في مكتبته تاج العروس وما دونه، وليس لديه من هذا العلم إلا ما يظهره على استحياء!
هذا ما كان يرمي إليه المؤرخ الروماني بليني بقوله: (علينا أن نقرأ كثيرا ولكن في كتب قليلة) أي نتجه إلى تكثيف ثقافة الكيف، والتخلص من ربقة الكم غير المنتجة ولا المثمرة.
وهو ما كان يحث عليه الشيوخ طلبتهم من الانكباب على المتون العلمية، وتحقيقها، وقالوا في هذا السياق كلمتهم
التي سارت مسار الشمس: (من حقق المتون حاز الفنون)، ومحذرين من الالتفات إلى نهم وشره الكم قائلين: (من قرأ الحواشي ما حوى شي).
وهذا الأمر لا يقف لدى قضية الكتب، وحشد المصنفات بل نجده في كل أمور الحياة، ومن أبرز هذه الأمور الوقت، فتجد الجميع يعيش ٢٤ ساعة، وبين إنتاج هذا وذلك مسافات
فلكية، وقد تتقارب المقدرات والمواهب، ولكن يتفاوت الإنتاج بحسب النظرة الكيفية.
سأل الصحفي المصري البار بأستاذه سامح كريم أستاذَه الفيلسوفَ المصري عبدالرحمن بدوي متعجبًا عن وفرة إنتاجه العلمي مع أصالته؟ فقال له: (الذي أشكو منه أحيانًا هو الفراغ -لا تتعجب- يكفي الإنسان أن يعمل لمدة
أربع ساعات قراءة وكتابة -إلى جانب أعماله اليومية- لينتج أضعاف ما أنتجتُ).
مع العلم أن بعض مؤلفات عبدالرحمن بدوي كانت تقرر على طلبة الدراسات العليا في جامعة السوربون في فرنسا، ولولا خصوماته الكثيرة؛ لحدة في طبعه، لكان كلمة إجماع، وما تخلف أحد عن مدحه والثناء عليه.
وكذلك الحال في العبادة، فليس الشأن في إكثارها، وإنما في إتقانها وإحسانها، فقد سئل الإمام العارف الكبير سيدي أحمد البدوي -قدس الله سره-: بم نلت ما نلت، وكيف وصلت لما وصلت؟ فقال: ذكرت "لا إله إلا الله" ستا وثلاثين ألف مرة، وفي أحدها حضر قلبي!
تلك الواحدة جعلته واحد عصره،
وتلك المرة جعلته صاحب الإمرة، وكم في السنة من حكايا وقصص لعمل صالح كانت على كيفية حسنة رفع صاحبها المنازل العالية الرفيعة.
وما يقال عن العلم والكتب والوقت يقال حتى عن أصغر تفاصيل حياتنا، وعلى سبيل المثال الطعام، فنجد أنفسنا - إلا من رحم ربك وقليل ما هم - نهتم اهتمامًا بالغة في
قضية الكم في الطعام، مع أنه لا علاقة لكثرة ما نأكل بالصحة والنشاط، بل العكس هو الصحيح، وقليل من يلتفت لقضية الكيف: نوعية الطعام، وقت تناول الطعام، كيفية تناول الطعام الخ، وإلا فاحتياج الإنسان من العناصر الغذائية والسعرات محدود، وما زاد إما أن يخزنه الكبد على شكل كرش تجده في وطننا
في كل مكان يتقدم أمام كل رجل وامرأة، وإما أن يخرجه الجسد مستغنيًا عنه.
ولا يظنَّ القارئ الكريم أنني أزهد في الكم المفيد، كاقتناء الكتب، وكثرة المحفوظات، وكثرة العبادات، وإطالة ساعات القراءة والذكر والعمل، لا أظن عاقلًا يحوم ذهنه حول التحذير من هذا.
وإنما قصدي من هذا المقال لفت الانتباه إلى ثقافة الكيف التي نراها شبه مغيبة في واقعنا، ومهمشة جدًا في حياتنا، وتركيزنا المستمر على الكم، وثقافة التكديس كما يسميها مالك بن نبي.
وهي إشكالية نعاني منها على مستوى الأفراد والجماعات، وربما فوق ذلك للأسف، بينما النجاح الحقيقي
يكمن في إذكاء حس الكيف لدى الإنسان، وتطويره مع الأيام.
ولعلي أعود في منشور لاحق للحديث عن آليات تفعيل ثقافة الكيف، وخطوات الالتزام بها، وسبل إشاعتها في مجتمعاتنا الإسلامية التي تحتاج أن تتجه للبناء العمودي الكيفي، وإعادة النظر في الشتات الكمي الذي نعاني منه.
كتبه / مختار بن هاشم جامل
أصلح الله له كل حال
صبيحة السبت
٣٠ رمضان ١٤٤١

جاري تحميل الاقتراحات...