سلامة في خير
سلامة في خير

@m_ve80l

11 تغريدة 59 قراءة May 23, 2020
إن تم قبولي في بهذه الوظيفة فسأترك هذا البيت الكئيب إلى غير رجعة وسأرتاح من أبي وتوبيخه الدائم لي.
استيقظت في الصباح الباكر واستحممت ولبست أجمل الثياب وتعطرت وهممت بالخروج فإذا بيدٍ تربت على كتفي عند الباب.
التفت فوجدت أبي متبسما رغم ذبول عينيه وظهور أعراض المرض جلية على وجهه.
وناولني بعض النقود وقال لي أريدك أن تكون إيجابيا واثقا من نفسك ولا تهتز أمام أي سؤال.
تقبلت النصيحة على مضض وابتسمت وأنا أتأفف من داخلي، حتى في هذه اللحظات لا يكف عن النصائح وكأنه يتعمد تعكير مزاجي في أسعد لحظات حياتي.
خرجت من البيت مسرعا واستأجرت سيارة أجرة وتوجهت إلى الشركة.
وما أن وصلت لم يكن هناك حراس عند الباب ولا موظفو استقبال سوى لوحات إرشادية تقود إلى مكان المقابلة.
ولاحظت أن مقبض الباب قد خرج من مكانه وأصبح عرضة للكسر إن اصطدم به أحد.
فتذكرت نصيحة أبي لي عند خروجي من المنزل بأن أكون إيجابيا فقمت على الفور برد مقبض الباب إلى مكانه وأحكمته جيدا.
ثم تتبعت اللوحات الإرشادية ومررت بحديقة الشركة فوجدت الممرات غارقة بالمياه التي كانت تطفو من الأحواض يبدو أن البستاني قد انشغل فتذكرت تعنيف أبي لي على هدر المياه فقمت بسحب خرطوم المياه من الحوض الممتلئ ووضعته في حوض آخر مع تقليل ضخ الصنبور حتى لا يمتلئ بسرعة إلى حين عودة البستاني
ثم تابعت اللوحات وخلال صعودي لاحظت الكم الهائل من مصابيح الإنارة المضاءة ونحن في وضح النهار فقمت لا إراديا بإطفائها خوفا من صراخ أبي الذي كان يصدح في أذني أينما ذهبت.
إلى أن وصلت إلى الدور العلوي ففوجئت بالعدد الكبير من المتقدمين لهذه الوظيفة
قمت بتسجيل اسمي في قائمة المتقدمين
وجلست أنتظر دوري وأنا أتمعن في وجوه الحاضرين وملابسهم لدرجة جعلتني أشعر بالدونية من ملابسي وهيئتي أمام ما رأيته.
ثم لاحظت أن كل من يدخل المقابلة لا يلبث إلا أن يخرج في أقل من دقيقة.
فقلت في نفسي إن كان هؤلاء بأناقتهم وشهاداتهم قد تم رفضهم فهل سأقبل أنا ؟؟؟!!!
فهممت بالانسحاب من هذه المنافسة الخاسرة بكرامتي.
فتذكرت نصيحة أبي أريدك أن تكون إيجابيا واثقا من نفسك وكأن كلامه قد أعطاني شحنات ثقة بالنفس غير عادية
فإذا بالموظف ينادي اسمي
دخلت وجلست في مقابل ثلاثة أشخاص نظروا إلي وابتسموا ابتسامة عريضة ثم قال أحدهم متى تحب أن تستلم الوظيفة ؟؟
فذهلت وظننت أنهم يسخرون مني أو أنه أحد أسئلة المقابلة
فتذكرت نصيحة أبي لي عند خروجي من المنزل بألا أهتز وأن أكون واثقا من نفسي.
فأجبتهم بكل ثقة: بعد أن أجتاز الاختبار بنجاح ان شاء الله.
فقال آخر لقد نجحت في الامتحان وانتهى الأمر.
فقلت ولكن أحدا منكم لم يسألني سؤالا واحدا !!!
فقال الثالث نحن ندرك لن يتم تقييم المتقدمين من خلال طرح الأسئلة فقط
ولذا قررنا أن يكون تقييمنا للشخص عمليا
فصممنا مجموعة اختبارات عملية تكشف لنا سلوك المتقدم ومدى الإيجابية التي يتمتع بها ومدى حرصه على مقدرات الشركة، فكنت الشخص الوحيد الذي سعى لإصلاح كل عيب تعمدنا وضعه في طريقه
وقد تم التوثيق بكاميرات وضعت في كل الشركة
حينها اختفت كل الوجوه أمام عيني ونسيت الوظيفة والمقابلة
ولم أعد أرى إلا صورة أبي !
ذلك الباب الكبير الذي ظاهره القسوة ولكن باطنه الرحمة والمودة والحب والحنان والطمأنينة.
شعرت برغبة جامحة في العودة إلى البيت والإنكفاء لتقبيل يديه وقدميه.
لماذا لم أر أبي من قبل؟
كيف عميت عيناي عن العطاء بلا مقابل و الحنان بلا حدود والإجابة بلا سؤال
لا تتأففوا من كثرة نصائح أبآئكم فإن من ورائها حبا كبيرا ستدركونه يوما ما وعندما تكونوا في وضعهم
ربي إرحمهما كما ربياني صغيرا
قسوة الآباء على الأبناء خوفأ عليهم
برو اباءكم تبركم ابناءكم

جاري تحميل الاقتراحات...