يكشف التاريخ أن نشأة فكرة (العيد) لم تكن نشأةً تَرَفِيّة، نشأةَ حضارةٍ مَلّت تكرّر الأيّام المتشابهات؛ فأرادت تمييز بعضها بشيءٍ يقطع عنها السأَم، ويزجّي لها الوقت.
لو رجعنا إلى بعيد التأريخ، قبل أربعة آلاف سنة، هناك في العراق، في بابلَ؛ لوجدنا أهلَها في بهجةٍ تتجدّد سنةً بعد سنةٍ، في عيدٍ بهيج، اسمه: "عيد البذور"
ثم يقوم عنه، متّجهًا إلى وسط المدينة، يمشي بين البيوت، ويصيح بترنيمة: "الرجاء":
"يا أيّها الإله
اليوم يوم عيدْ،
فأنبت البذور،
وأذهب الشرور،
وأعطنا المَزِيدْ"
اليوم يوم عيدْ،
فأنبت البذور،
وأذهب الشرور،
وأعطنا المَزِيدْ"
فيخرج إليه أهلُ بابل زرافاتٍ ووحدانا، يتّبعون خطوَه، وينضمّون في مسيرته، ويردّدون وراءه ترنيمة: "الرجاء" حتّى يضجّ بصيحاتهم المدى، متّجهين نحو مزارعهم وحقولهم
فإذا وصلوها، تفرّقوا خلالها؛ ليبذروا فيها نباتَ السنة القادمة، وهم يردّدون بحماسٍ وبهجة: "فأنبت البذور، فأنبت البذور".
يبدو أنّ احتفالات البابليين كانت صاخبةً؛ إذ تمتد لأحد عشر يومًا، وبعد أن ينتهوا من بذر البذور، يجتمعون في ساحة المدينة، ويولمون ممّا جادت به محاصيل سنتهم الفائتة، وترتفع الصيحات، ويحضر الصخب، ويتمايل الناس رقصًا وغناءَ.
لم يشأ أهل ذلك البيت المنبوذ أن يكونوا في صفٍّ مع "هؤلاء الناس" همَلِهم وضعيفِهم، ولم تسمح لهم غطرستُهم أن يخرجوا مخرجَ من يرونه من السوقة والضعفاء؛ لَقَدْ حُرموا بهجة العيد، إذ تسلّلت إليهم نزعة الاستكبار.
كان لعيد البابليّين معنًى، إذ هو ينقّي النفوس، ويحشد الناس، ويعزّز فيهم المسئوليّة الاجتماعيّة، ويقوّي علائقهم، ويعلّم أطفالهم حِرفة الفِلاحة وحسن التصرّف.
ألَا تَرَوْن أن تتناقص تلك المعاني من أهل ذلك البيت المنبوذ، شيئًا فشيئًا حتّى يكونوا نسيجًا نَكِدًا على أهل بابل، منبتَّ الصلة عنهم؟
لا بدّ في كلّ مجتمع أن تنفلق من بِذْراته: أفرُعٌ مائلة، تحتشد -وقتَ الأعياد- في ذلك "البيت المنبوذ"، فلا تشارك الناس بهجة العيد، ولا تتزوّد من قِيَمه ومعانيه.
إنّ البيت المنبوذ: نفْسُ المرء النكدة، المتكبّرة على ذاتها الإنسانية، التي ترى إظهارَ البهجة ومشاركةَ السرور: خدشًا في صفحتها المتسامية عن الخلائق.
إنّ للأعياد معنًى، لا سيّما إن كانت من عند الله، وليس يختزلُها في تجديد الثياب وتنقيح الأوجه؛ إلّا مغيَّبٌ قد غَمَرت ذوقَه المادّة؛ حتّى ما عاد يقدر على تذوّق الجمال واستشعار المعاني
ناهيك عمّن يعتبر الفرَح بعيد المسلمين تعثّرًا يَزْلِق بصاحبه عن سلّم الحضارة، فينحطّ به إلى دركات التخلّف والرجعيّة.
إنّ عيد المسلمين يتجدّد كلَّ سنةٍ ليخلع على الناس ثيابًا من روحٍ جديدةً، وينقّحَ قرائحَهم من أدران الحزن والكآبة، ويصلّبَ انتماءهم للإسلام، ويعمّقَ شعورَهم بالاعتزاز؛
عبرَ توحيد البهجة، وتعمّد إظهارها وإشهارها.
عبرَ توحيد البهجة، وتعمّد إظهارها وإشهارها.
وليس من يتكلّف كبت البهجة بمتزوّدٍ من هذه المعاني، يتناقص منه المعنى شيئًا فشيئًا؛ حتّى يخلو فؤادُه منه؛ فيكون أسيرَ النكد، موفورَ البؤس، مُتْرَعَ الشقاء.
-تمّت-
جاري تحميل الاقتراحات...