طه حسين قال كلام خلاصته إن الخديوي عباس ألقى خطبة أمام العلماء ترتب عليها خروج الإمام محمد عبده من الازهر، وكان طه حسين متصور إن تلاميذ محمد عبده في الأزهر - وهم كُثر- سيذودون على محمد عبده، و ممكن ييبذلون في سبيل ذلك أوقاتهم بل أرواحهم!! ولكن لم يحدث شىء غير حزن بعض الطلاب.
قال عدد محدود من الطلاب زاروا محمد عبده في بيته بعين شمس، وانتهي الأمر عند هذا الحد، ومنذ ذلك الوقت ساء ظن طه حسين بشيوخ الأزهر وطلابه، رغم أنه لم يكن قد عرف محمد عبده ولا قدم إليه.
بعدها محمد عبده توفى، وأغلب الناس أقبلوا على دراسهم كأن الشيخ لم يمت، طه حسين تعلم من هذا الموقف إن إكبار وإجلال وتملق العظماء، لغو لا طائل تحته، ووفاء الناس مجرد كلام لا يفيد، بل بعض الناس استغل اسم محمد عبده لتحقيق مصالحهم، ولعل تلك النقطة كانت بداية الشقاق بين طه حسين والأزهر.
بعدها طه حسين بيقوا أنه أحس إن من بكوا الشيخ محمد عبده صادقين وحزنوا عليه مخلصين لم يكونوا من أصحاب العمائم، وإنما كانوا من أصحاب الطرابيش، فوجد ميلا في نفسه إلى أصحاب الطرابيش.
بعدها طه حسين قال إن القصر غضب على شيخ كبير من شيوخ الأزهر - لم يذكر اسمه- فمُنع الشيخ من إلقاء الدروس، ورأى الناس أن هذا ظلم لكن لم يصنعوا شيئا !! غير بعض التلاميذ قالوا نذهب للشيخ في بيته ونسمع منه الدرس، ثم نعلن في الصحف أننا لا نقبل الظلم.
المهم طه حسين ذهب مع هذه المجموعة إلي بيت الشيخ لسماع الدرس، لكن ذات ليلة جادل كه حسين الشيخ وطال الجدال، فقال له الشيخ: اسكت يا أعمي، فلم يعد الفتي منذ ذلك اليوم إلى دروس الشيخ، وعاد إليه يأسه من الأزهر.
قلت: أوعى تظن إن الخلاف بين طه حسين والأزهر كان حول كتاب الشعر الجاهلي وغيره من الآراء، الموضوع له جوانب نفسية واجتماعية وسياسية أثرت في طه حسين منذ طفولته.
جانب تاني من الموضوع، خلي بالك من كلامك، كلمة منك في وقت غضب أو حتى في وقت هزار قد تترك أثرا كبيرا في شخصية من تحاوره.
جانب تاني حول الإمام محمد عبده - رحمه الله- وموقفه من أسرة محمد على، العلاقة باستمرار كانت متوترة، حتى إن بعض أحفاد محمد عبده زعموا أنه الخديوي قد يكون تسبب في وفاة محمد عبده، وهذا يدل إلى أن الخلاف لم يكن عابرا.
كنت أشرت قبل ذلك إلى أن أغلب من ينتقد حكم محمد على وأسرته يستدل بكلام محمد عبده، وأغلب من يدافع عن المتمردين ضد أسرة محمد على - مثل أحمد عرابي- يستدل أيضا بكلام محمد عبده، وبعض هؤلاء لا ينتبه إلى الخصومة التي بين محمد عبده وأسرة محمد على، التي تدفعه للطعن فيهم.
جانب تاني يتعلق بمحمد عبده، أنه كان على علاقة طيبة بالمعتمد البريطاني، وترتب على ذلك المؤرخين والغربيين مدحوا محمد عبده، ومعروف أن هناك قطاعات كبيرة من المصريين المثقفين تعلموا على يد/كتب هؤلاء المؤرخين والمفكرين الغربيين، ومن هنا انتشر موضوع استناره الإمام وبعضهم لم يقرأ له حرفا
ملاحظة أخيرة: ليس هدفي الكلام عن طه حسين ولا عن محمد عبده، دي مجرد أمثلة حتى تتعود أن تبحث عن ما وراء الكتاب، وعن دوافع المؤلف، وعن مواقف الكاتب، مهما كان الشخص موضوعي ومحايد وكلامه منطقي، هناك منطقة خلفيةوأحيانا تكون خفية ومظلمة حتى الشخص نفسه يجهلها لكنها تشكل تصرفاته وسلوكياته
طه حسين بيحكي أن نقد وسخرية الشيخ المرصفي كانت تجد لها هوي في نفسه، ثم تطور الأمر حتى إن طه حسين في تلك الفترة كان حين يذهب للأزهر كان هدفه تصيد الأخطاء والسخرية من شيوخ الأزهر، ونقل بعض الأخطاء للشيخ المرصفي الذي كان يعتبر كلامهم مادة جديدة للتشنيع على الأزهر وشيوخه.
طه حسين بيقول مع انتهاء تلك المرحلة بيعترف أنه أحيانا كان يتجنى على الأزهر لكن وصل لمرحلة يتكلم فيها عن كلال العقل الأزهري، وبيقول حطمت القيود الأزهرية جملة.
طه حسين: أستاذنا الجليل سيد المرصفي، أصح من عرفت بمصر فقهاً في اللغة، وأسلمهم ذوقاً في النقد، وأصدقهم رأياً في الأدب، وأكثرهم رواية للشعر، ولا سيما شعر الجاهلية وصدر الإسلام.
( كتاب تجديد ذكرى أبي العلاء)
( كتاب تجديد ذكرى أبي العلاء)
أهم تلاميذ الشيخ سيد المرصفي: طه حسين، أحمد شاكر، على عبد الرازق، على الجارم، محمود شاكر، أحمد حسن الزيات...
الغريب إن تلاميذ الشيخ سيد المرصفي كل واحد فيهم كان له منهج مختلف، وكان هناك بين بعضهم خلافات كبيرة كالتي كانت بين طه حسين ومحمود شاكر.
نواصل بحثنا عن جذور الخلاف بين طه حسين والأزهر، بعد ارتباط طه حسين بالشيخ المرصفي كان طه حسين يلاحظ أن المرصفي طوال الوقت حوله عشرات الكتب، يبحث ويحقق ويدرس، وكان يقارن بين الشيخ المرصفي وبين بعض شيوخ الأزهر الذين كانوا يمشون بالنميمة والكيد والتقرب للسلطان.
مرة طه حسين ذهب مع زميله لزيارة الشيخ المرصفي في بيته، فوجد الشيخ يجلس على فراش متواضع، يطعم امرأه محطمة قد انحنت حتى كاد رأسها يبلغ الأرض، فلما رأى المرصفي طه حسين وزميله هش لهما، وأمرهما أن ينتظرا، ثم أقبل عليهما راضي النفس وهو يقول: كنت أعشى أمي.
طه حسين بيقول الشيخ المرصفي كان من أشد الناس فقرا، وكان ممكن يستمر أسابيع يأكل خبر وملح فقط، ومع ذلك كان يعلّم ابنه تعليما ممتازا، وكان رغم ضيق يده يظهر عليه الغنى، لأنه كان يعيش عيشة أمن وهدوء، فكان من الطبيعي والمنطقي أن يتأثر طه حسين بالمرصفي ومذهبه وفيه ازدراء للأزهر.
تخيل لو أن أستاذ النحو الأزهري كان تعامل مع طه حسين بطريقة مهذبة، وكان أستاذ الأدب هو من وبخه، أكيد كان منهج طه حسين سيختلف، أو إن الشيخ المرصفي كان مدح الأزهر ورغب طه حسين في مناهج الازهر، أيضا كانت الأوضاع ستختلف تماما، يعني البيئة الحاضنة للعلم لها دور أساسي في تكوين الشخصية
لو عايز تشوف تأثير البئية الحاضنة، شوف لو باحث حصل على دكتوراه في العلوم أو الهندسة من جامعة غربية، هو لا يتعلم في الجامعة العلوم والهندسة فقط، لكن تجد شخصيته وثقافته بل حتى مظهره وغيرها من الأمور تأثيرت، بل أحيانا سُحقت.
بعد ذلك بدأ طه حسين يحضر الجامعة ويزهد في دروس الأزهر بما فيها درس شيخه المرصفي، لأن المرصفي توقف عن ذكر شيوخ الأزهر بسوء، ويبرر طه حسين موقف المرصفي بأنه يخاف من وجود بعض الجواسيس، وحين حاول طه حسين أن يخوض في أحاديث الأزهر، رد المرصفي قائلا:دعنا نأكل عيش، فامتنع طه حسين عن درسه
ثم قويت الصلة بين طه حسين لطفي السيد وعبد العزيز جاويش، ويعرف طه حسين أنه في تلك الفترة كان طويل اللسان، لكن عند لطفي السيد كان نقده مهذب، لكن عند عبد العزيز جاويش كان يغلو في العبث بالشيوخ، ويخرج عن طور الاعتدال، بتشجيع وحث وإغراء من عبد العزيز جاويش.
ناس كتير فكره لأن الحزب الوطني القديم ( مصطفى كامل ومحمد فريد وعبد العزيز جاويش...) مؤيدون للخلافة أنهم كانوا في صف الأزهر، كما هو الحال الآن، لكن الحقيقة من أبرز أسباب خلاف طه حسين مع الأزهر ورغبة طه حسين في السفر لفرنسا كان الحزب الوطني، ومعروف العلاقة الوثيقة بين الحزب وفرنسا
قام رشيد رضا وهو أبرز تلاميذ محمد عبده بإنشاء "مدرسة الدعوة"، وقام الخديوي بدعم المدرسة، وهنا بدأ أغلب تلاميذ محمد عبده يرتابون في رشيد رضا بسبب خلافهم القديم مع الخديوي، فنفروا من رشيد رضا ومدرسته الجديدة، وعابوا على رشيد رضا علاقته بالخديوي، وقاموا بحملة شرسة ضد رشيد رضا.
ثم حدثت مشكلة كبيرة بسبب حفلة أقامها رشيد رضا في فندق، وحضرها لفيف من شيوخ الأزهر يتقدمهم شيخ الازهر، فقال بعض الناس الحفلة كان فيها خمر، وقال بعضهم لم تكن خمرا، والزجاجات كانت كازوزة !!
طه حسين بيقول أنه اعتبر الزجاجات كانت خمر، وبدأ في الهجوم على الأزهر وشيخه، بل يعترف طه حسين أنه قلمه كان جريئا وجارحا.
قلت: يحسب لطه حسين صراحته، وعدم محاولة تبرير تصرفاته.
قلت: يحسب لطه حسين صراحته، وعدم محاولة تبرير تصرفاته.
يواصل طه حسين ( اعترافاته) ويقول أنه كان يذهب مع زملائه بعد ذلك للأزهر ليلهوا ويلعبوا لا ليعملوا ويجدوا، فضلا على أنهم كان يتندرون على الشيوخ والطلاب، وكانوا يسخرون من طعام الأزهر رغم أنه مجاني مثل الدراسة الأزهرية، لكن كان يدفع للدراسة في الجامعة.
أخو طه حسين كان في مدرسة القضاء وابن خالته في دار العلوم، كلامها يصيب طعاما في المدرسة التي يختلف إليها، وكان طه حسين يشاركهم الطعام أحيانا، لأنه أفضل من طعام الأزهر.
قلت: واضح إن الأكل كان عامل مشكلة كبيرة لطه حسين لأنه تكلم عليه في سياقات مختلفة وكلها ذات دلالات سلبية.
قلت: واضح إن الأكل كان عامل مشكلة كبيرة لطه حسين لأنه تكلم عليه في سياقات مختلفة وكلها ذات دلالات سلبية.
طه حسين بيقول كان له أستاذان، الأول الشيخ سيد المرصفي يذكره بأئمة البصرة والكوفة، والثاني لطفي السيد يذكره بفلاسفة اليونان الذين سمع أسماءهم في الأزهر.
يواصل طه حسين ويقول أنه كان يذهب إلى الشيخ عبد العزيز جاويش ( جريدة اللواء الناطقة باسم الحزب الوطني: مصطفى كامل ومحمد فريد) فكان يسمع لجاويش صوتا عذبا وحديثا لينا رقيقا، لكن وراء هذا اللين عنفا إذا ذُكرت السياسة أو ذُكر الأزهر وشيوخه أو ذُكر بعض الكتّاب الذين لا يكتبون في اللواء
يقول طه حسين إن عبد العزيز جاويش حبب إليه العنف، ورغبه فيه، وزين في قلبه الجهر بخصومة الشيوخ والنعي عليهم في غير تحفظ ولا احتياط، فهو يرى أنهم آفه الوطن ويحولون بينه وبين التقدم، ويعينون الظالم، بممالأتهم للخديو، ومصانعتهم للإنجليز، وكان يبغض أيضا سعد زغلول، يهجوه هجاء منكرا
وعبد العزيز جاويش مستمر في التحريض ويفرح أشد الفرج بكتابات طه حسين، ويحثه على الاستزادة، وكان طه حسين يفرح بمدح جاويش له فكان لا يترك فصلا للمنفلوطي إلا اختصه بفصل من النقد، يقول طه حسين أنه انزلق إلى طول اللسان والشتم، لكنه كان يبتهج بإعجاب جاويش، ويظن أنه -طه- أصبح كاتبا ممتازا
يقول طه حسين أنه بعد ذلك كان يسأل الله أن يتيح له التكفير عن ذنبه ذاك العظيم، ويضيف طه حسين أن جاويش هو الذي ألقى في روعه فكرة السفر إلى فرنسا، ويشير إلى لطفي السيد لم يكن راضيا عما يكتب، يؤكد طه حسين أنه ظل عشر سنوات يكتب حبا في الكتابة ولم يكسب مليما.
يضيف طه حسين إن فضل عبد العزيز جاويش عليه لم يقف عن حد السماح له بالكتابة، لكن جاويش هو من عرّف طه حسين إلى الجماهير، وكان ذلك في مدرسة مصطفى كامل في حفل أقامة الحزب الوطني بمناسبة رأس السنة الهجرية، دفع الشيخ عبد العزيز جاويش بطه حسين دفعا أمام حشود ضخمة ليلقي قصيدة.
طه حسين بيقول أنه كان بيرتعد لكنه ألقى القصيدة في صوت ثابت، واستقبلت القصيدة أحسن استقبال، حتى إن طه حسين بيقول: ظنت إني حافظ إبراهيم، لكن بيقول بعد كدة أنه أعرض عن الشعر بعد ما تبين له أن ما يقوله ليس شعرا، لكن سخفا.
قلت: مرة أخرى أقول يُحسب لطه حسين صراحته، وعدم محاولته التبرير
قلت: مرة أخرى أقول يُحسب لطه حسين صراحته، وعدم محاولته التبرير
يواصل طه حسين ويقول عبد العزيز جاويش هو من علمني الكتابة في المجلات، حين جعله يشارك فى تحرير مجلة الهداية، وترك له الإشراف على التحرير، يقول طه حسين: الشيخ جاويش له الفضل إني تعلمت إعداد الصحف وتنسيق ما ينشر فيها.
يقول طه حسين أنه في تلك الفترة أسرف على نفسه وكتب أحاديث استحى منها بعد ذلك ضد محمد رشيد رضا، وكالعادة الشيخ جاويش راض وسعيد، بل يقوم بتشجيع طه حسين وتحريضه على الاستمرار، بحجة أن رشيد رضا يملئ الخديو، وكان طه حسين سعيدا أن له تلاميذ واتباع بعد أن حرم من أداء ذلك الدور في الأزهر
يقول طه حسين أنه في تلك الأثناء كان يذهب لأحمد لطفي السيد، وهو من عرّفه على محمد حسين هيكل، ومحمود عزمي والسيد كامل وكامل البندراي، ثم نبوية موسى، وبعد ذلك أخذه إلى صالون مي زيادة.
وفي تلك الفترة أنشاء الشيخ جاويش مدرسة ثانوية للحزب الوطني وكلف طه حسين بالتدريس فيها، ويقول طه حسين أنه كان يعمل دون مقابل، ورغم ذلك كان سعيدا لأنه يفعل الخير، وشفاء لغيظه من الأزهر.
يصف طه حسين طلاب الجامعة بأن منهم الفقير والغني، على اختلاف حظوظهم من الثقافة والأزياء، والطلاب كان منهم القاضي والطبيب والموظف والمجاور في الأزهر، والأعداد كانت ضخمة، فقرر بعض الأساتذة إلقاء بعض المحاضرات مرتين.
بالمناسبة طه حسين كان مترددا في ضم حلقات آخر ساعة للأيام، إلى أن قام الأديب اللبناني سهيل أدريس بطبعتها تحت عنوان مذكرات طه حسين، فوافق طه حسين قبل موته بسنة على ضم فصول آخر ساعة جزءا ثالثا للأيام، فأصبحت الأيام منذ ذلك الحين ثلاثة أجزاء.
أشادت أكثر من مرة بصراحة طه حسين واعترافاته وندمه دون محاولة لتبرير أخطائه، ولعل الذي ساعد طه حسين على ذلك أنه مؤرخ، وحتي يزيل أى حاجز نفسي، سمى نفسه الصبي، وكأنه متجرد عنه. ( كأن هناك فارق بيني "أنا" الكاتب، والصبي "هو" بطل الأيام)
سؤال -خارج السياق- لتنشيط الذاكرة: هناك كتاب للسيرة الذاتية استخدم الكاتب ضمير الغائب للتحدث عن نفسه، من هو ؟؟
جاري تحميل الاقتراحات...