15 تغريدة 22 قراءة May 19, 2020
أحلا مِنِّك قايلة بلقى!
نجوم الأرياف
ثمّت مغنون حالفهم الحظ في القفز بزانةِ الشهرةِ على حدودِ مناطقهم الضيقة وهم كُثُر، وثمّت من حاولوا ولم يُفلِحوا، وثمّت مَن اكتفوا بجماهيرِ القرى القنوعة بحظها من دنيا الفنون، ومن ينتمون إلى الصنفين الأخيرين هم الأغلب والأعم.
في خواتيم العقد الأول من الألفية الجديدة لعله كان العام ‹٢٠١٠› كنتُ كسائرِ شبابِ القريةِ في انتظار زفاف برير أحمراني ود النعمة، فآل أحمراني قومٌ ممتلئون بالحياة،
يحبون الغناء الطاعم والفرفشة سيما الطبيب البيطري برير، وكنا نتساءل هل تراه سيغني في زفافه أم سيتعاقد مع فنان؟ ترى من سيكون؟ محمد كمال الدين أم عكار أم صبري الكوع أم مّن يا تراه؟!
في منطقتنا ريف الحصاحيصا يحتفي الجميع بأبناء المنطقة من أهل الفن الذين ذاع صيتهم "بادي محمد الطيب، عوض الكريم موسى، عبد الله محمد، صديق سرحان، مصطفى سيد أحمد"، ولكنهم يتبارون في الإعتداد بالمغمورين أكثر،
فهم من يقاسمونهم بساطة الحال، وجمال العوارة في الغنا السوداني بحسب نجلاء التوم، ويتبادلون معهم كاسات النغم الذي ينفشُ عِهْن الأرض ويستنفرُ غبارها من تحت الأقدام الولهى.
هجم عُرْس برير البنوت وهُنّ نِيامٌ في عسل الإنتظار، فهو القسيم الوسيم المرح، ولطالما أنشدنه "برير أحمراني .. حبو رماني .. جم دكان يماني" فرماهم بدعوة أذيعت من مايكرفون الجامعين الكبير والعتيق على حين شهقة.
بدأ الصبيان يتوافدون من فريق ورا وفريق الرزقالة ومن القرى المجاورة شرفت والتكلة منذ الثامنة الأعمى شايل المكسر، الرواعية، والعمال، والعطال، مهذبون، وسكارى، وحيارى، الأرملي، والسعوب، وكشاف الكروب، لاختلاس نظراتٍ يسرقونها من صبايا الحلة الجديدة،
فالحفلة الليلة صباحي، صبيان الحلة الجديدة يتربصون بمسترقي النظرات، ويلهج لسان حال أولئك بأعلى الجمال تغار منا!
الكيبورد، الدنب، الإيقاع، عدة مكتملة، وليد البويضا يخرج على الجميع، فينفجرون صياحا من هول المفاجأة، وليد شخصيا! يا حولتن ياخ، إنه لا يغني إلا الأغاني الثقيلة، ومع ذلك فهو عند سكان المنطقة صاحب مقامٍ عالٍ بين فنانيها، قاسي بالحيل وبتربط بالشي الفلاني.
تراصت النساء والرجال في الكراسي، من خلفهم تمتشق أعناق المراهقات وأرواحهن الطليقة، وفي الجانب الآخر الشباب والمراهقون والمعذبون وترى القوم سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الغناء شديد،
ففي تلك الآثناء كان وليد يضغط على جراحهم بغيرةِ أدريس محمد جماع التي أقلق بها أفئدة السودانيين على حافة صوت سيد خليفة المتهدج المبحوح في خواتيم السبعينيات،
غنى وليد كل شيء، غنى كأنه لم يغني بصوته الأجش، الحاد كمبضع الجراح لا كمدية الجزار من قبل، وليد البويضا أو الجنيد من أشهر فناني محلية الحصاحيصا، غنى برأس رمح إحساسه شديد الحلاوة حتى مطلع الفجر، فكان تماما كسكر الجنيد الأحمر ود العنكوليب الطاعم والبقاس الناعم.
توقفت على هذا المقطع الساحر قبل أعوام، وأسرني وامتلك روحي، تأملت فيه ذلك الإحساس المكثف الذي سكبه وليد إذ يغني لصِنْوِ نفسِهِ وإنبثاقِها خارجَه في ليلة قدرهما، أحلى منك قايلة بلقى! كان صادقاً فصادرها من سيّدها ومن كل من أحسن استدعاءها في الأفراح وقعدات الأنس والليالي الملاح.
حقنا ومستحقنا
من حفل زواج وليد البويضا ‹٢٠١٠›
انتهى

جاري تحميل الاقتراحات...