كنت كتبت في تغريدة سابقة عن نظرية المؤامرة والتشبع الميتافيزيقي .. وبعد قراءة لمقال للدكتور أحمد العمر استشاري أمراض معدية أحببت أن أورد بعضا مما قاله في تلخيص لما كتب حيال هذا الموضوع .
في عام 2009 انتشر انفلونزا A/H1N1 (انفلونزا الخنازير) وتداول الناس مقابلة مع أحد الباحثين الأمريكيين مفادها أن الوباء مؤامرة مدبرة والفيروس مصنع، كماانتشر تحذير وزيرة الصحة الفنلندية بأن الوباء مدبر واللقاح الذي تم إنتاجه يراد به تقليل عدد سكان الأرض بنسبة الثلثين .
زعموا أن تأثيره على الجينات البشرية، وحذرت تلك الرسائل من أن المقصود بتلك المؤامرة بالدرجة الأولى هم دول العالم الثالث . حالة الخوف والهلع التي انتشرت من الوباء انتهت بفضل الله حين هدأت موجة الوباء ولم تظهر مشكلات صحية على الذين أخذوا اللقاح ومازال اللقاح يستعمل إلى الآن .
تشير بعض البحوث الغربية التي درست تنامي فكرة المؤامرة عندهم إلى وجود أسباب نفسية ومعرفية وشخصية لهذا الميل: بعض الأشخاص يعتنقون فكرة المؤامرة عند شعورهم بالقلق أو قلة الحيلة أو بسبب شعورهم بالتهميش وبعدهم عن مواقع التأثير. لذلك تظهر دعوى أن الوباء واللقاحات مؤامرة .
الاعتقاد بفكرة المؤامرة يستخدم كوسيلة دفاعية نفسية عند شعور الفرد بالعجز فيتهم القوى المسيطرة بالمؤامرة ليمنح نفسه شعورا بالرضا والتنفيس، لكن الدراسات بينت أن الأثر عكسي؛ فبدلًا من شعوره بالرضا، يصبح أكثر قلقًا وأقل تفاعلًا لأنه يراها مدبرة ولا يملك تغييرها أو مقاومتها.
الحكم على الوباء بأنه مؤامرة فور ظهوره هو اختيار نفسي مسبق لإشباع مشاعر الحنق ، أو حيلة نفسية ليظهر المرء أمام نفسه والآخرين بمظهر إيجابي فالمصائب التي تقع عليه سببها كيد الأعداء والخصوم، وعدم قدرته على مقاومتها ليس دليلا على نقصه وإنما بسبب شدة مكر ونفوذ قوى الشر !
السبب المعرفي لاعتناق فكرة المؤامرة هو العادة العقلية لدى البعض بضرورة الربط بين الأشياء وإيجاد المعاني لكل ما يحدث وبالتالي عدم قبول التفسيرات التلقائية والعفوية للأحداث وخصوصا الكبيرة، وعدم الارتياح لبقاء أسئلة عالقة غير معروفة الإجابة .
تفسيرها بالمؤامرة يجيب على كل الأسئلة التي لا يجيب عليها المتخصصون لأنهم يحتاجون الكثير من الوقت لدراسة الجائحة الوبائية قبل الإجابة.
يصعب إقناع أصحاب فكرة المؤامرة بخلاف فكرتهم حتى لو ظهرت تفاصيل تثبت أن الوباء كان أمرا طبيعيا وغير مدبر لأنهم يفسرون النتائج تبعا لفكرة المؤامرة، فإذا حدث ما يعتبرونه دليلا كوفاة عالم مهتم بالوباء أو تم عقد صفقات دوائية، قالوا: هذا يثبت المؤامرة .
إذا ظهر ما يثبت العكس كالدراسات المتخصصة التي تؤكد مصدر الميكروب وكونه غير مصنع واتفاق كافة دول العالم الغربية والشرقية والحيادية (والتي لا يعقل تواطؤها على الكذب) على مواجهة الأزمة كوباء طبيعي، قالوا: المتآمرون يزيفون الأدلة لإخفاء المؤامرة .
في العالم الإسلامي توجد نفس المبررات النفسية والمعرفية والشخصية لدى البعض لتصديق فكرة المؤامرة وقد نكون أكثر عرضة لانتشارها نظرا للظروف السلبية التي يعيشها العالم الإسلامي عقديا وسياسيا واقتصاديا وأمنيا منذ أن تسلط عليه الاستعمار الروسي والغربي فنحى الشريعة وزرع اللادينية .
الاستعمار الذي زرع الفرق الباطنية المنحرفة ونزع الحشمة ونشر الفواحش وقسم الشعوب وسلب الخيرات وأثار النعرات والخلافات، وما خرج من العالم الإسلامي بجسده إلا وقد ترك فيه نظرياته وثقافته وتلاميذه وصفحات من الذكريات المؤلمة دونها الغيورون على دينهم وبلادهم لتقرأها الأجيال من بعدهم .
تلك الأجيال ترى الكثير من تلك الآثار مازالت تنهش جسد الأمة، فالمسلم المعاصر مازال موجوعا من غدرة الاستعمار ولا غرابة أن ينظر للأحداث العالمية الكبرى بعين التوجس والقلق والريبة، إلا أن البعض بالغ في معايشة الألم والسلبيات واستغرقته المأساة ووجد لدى منظري المؤامرة ما يشفي غليله .
من الناحية الشرعية لدينا تنبيه واضح بأن الأوبئة موجودة من القدم فأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الطاعون رجز (أي عذاب) وقع على قوم من قبلهم وأنه لن يزال موجودا رحمة للمؤمنين، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتغطية الآنية وقال: فإن في السنة يوما ينزل فيه وباء.
من الناحية التاريخية تخبرنا كتب التاريخ عن العديد والعديد من الأوبئة في الماضي القريب والبعيد.
من الناحية الطبية فالمتخصصون في الوبائيات والأمراض المعدية أعرف الناس بحجم وتكرار الأوبئة المعاصرة. في دراسة نشرت عام 2014 رصدت الأوبئة التي ظهرت بين عامي 1980 و 2013 (أي خلال 33 سنة) فكانت أكثر من 12 الف متفشية وبائية ل 215 مرض وبائي مختلف أصاب 44 مليون فرد في 219 دولة .
حجم المتفشيات متفاوت (وباء في مدينة واحدة أو عدة مدن في دولة واحدة أو عدة دول أو جائحة عالمية) ولوحظ أن المتفشيات الوبائية تتزايد عبر السنوات. لذلك زادت المجلات الطبية الدورية المتخصصة في الأمراض المعدية والأوبئة ومكافحتها كما زاد عدد المؤتمرات الطبية في ذات المجال .
الأوبئة المتكررة متشابهة، وإذا تشابهت بعض أحداث الوباء مع مشهد في فيلم أو رواية أو تكهن من عراف أو توقع من عالم .. فليس من المقبول علميا أن يكون هذا التشابه دليلا على المؤامرة ، والأسوأ أن يصدق البعض أن تجارب المحاكاة دليل على المؤامرة في حين أنها كانت مساهمة إيجابية .
ثبت أن الفيروس لا يمكن أن يكون مصنعا ، فالذي بادر إلى الاعتقاد بأن وباء كورونا الحالي أول ظهوره كان مؤامرة أمريكية لضرب اقتصاد الصين أو كان صنعة صينية لبيع اللقاح والأدوية، يحتاج إلى معرفة المزيد عن الحرب البيولوجية من كتابات المتخصصين لا من مقالات أنصار المؤامرة .
جاري تحميل الاقتراحات...