أحمد ..
أحمد ..

@E90E93

12 تغريدة 28 قراءة May 18, 2020
"اناقة تهامية جنوبية"
مذ الازمنة الغابرة والجنوب هي الفن
بل ومعقله ، ولطالما كانت الملابس العهيدة
للجنسين مقرونة بألوان براقة تحاكي طبيعة
وعوالم الكون في زمنهم المنحدر إلينا ، استوحوها من بياض الغيم وزرقة السماء ،
وخضرة الزرع وسواد الجبال ..
حتّى في نقاء طواياهم عندما ينطقون تجد
صفاء العشيّ الذي سبقه مطر انهمر بغزارة
فتردّد صداه في الجبال وسال صخبه
الوقور في الوديان ، وتلك الصبايا وهن
يرتدين هذا اللباس ويرعين الماعز في
في سهول الأوطاد في تهامة وفي قممها ،
نسوة لهن روح ملاك .. وبأس مارد ..
احداهن تلد في هاوية الجبال ، وأخرى
في المنحنى ثم تعيش المخاض قليلاً
ثم تستقيم رائِحَة لبيتها المتهالك المكعّب ملتقطة وليدها كاشفةً رأسها الشقيّ معلنةً الأفراح والكدّ لها ولكل المعنى الذي جائت لأجله ، في غوغاء بسيطة
فتُخرج حناجرهم غناءً استوطن شرايينهم
يغازلون البدر ..
وحتى في القَيظ يلعبون في حلّة باهرة
قد لبسوها دون تصنّع أو تميّع ، والغيم
يستجيب لصلواتهم في مزارعهم يرش
في جنباتها فتفوح انصياعا لهم قاطبة
أريج الطين والسدر والعشب والريحان ، صباحاتهم تغسل نقاوتهم حتى تصير عذبة
حين تلج النسمة على ارضهم فتستقرّ
في شفاه الراعية
التي نضب سقاها من الماء فأخذت تلثم
حبات البرد وترتشف زخات المطر ميمنة
الصبايا والشبان وانفسهم تواقة للمراقي
والتراقي لجمالهم الخالد في
كل الأفراح وكل نائبة ، صباحهم
يشقق اذيال الحنادس وهم في حالة
استنفار في بيوتهم المترابطة كعقد منتظم ، النسوة يصبحن على بعض "اصبحتوا اليوم؟"
فشمل السؤال كل الافياء والعوائل فيردون
" نحمد الله بالرضا والعافية" باسمون
رغم العتب المصاحب لهم ، ورغم التعب
الذي يتولّه لهم من الغداة والعشي والجبال
لا تنام بل تنتظر العهد بكامل نسيمها
وخيالها وعشبها وغيومها التائقة للشواهق
والصخور الملساء والحارة ..
ظلوا يتذوقون وجدانهم من خرير الماء
وعذوبة العزف بين تغاريد الطير والتعب
يلاحقهم من رعي وحرث وسقاية واحتطاب
وهلم جرا ، كن النساء العمود الفقري
للحياة فما افتقر المنزل من شيءٍ حتّى
أهلوه من الرغيف المشترك إلى وقت يفت
الابنالحليب ويشربه متقاسماً مع اخوته
ومنازله ..
ثم يأتي الماء الذي هو منبعه من فم الطبيعة
لاغير ، لم ينحدر بآلة أو قنينه وحاوية
الماء من جلد شاه وربما الاناء من طين
تلك قيمهم وصباحاتهم أكانت فرحاً
كال"امسواه" أو ذهاباً لتلك " امسقيفه"
لبيوت النحل بعد العناء ..
من لا ماضي له لا حاضر له وهذا هو
الفصل مهما أخذنا التقدم بالبُعد عن
موروثنا ، فلنكن ذوي اصالة من اللحاف
والازار كمظلة صيف وزمهرير شتاء ،
مهما غمرتنا الحداثة ، "بالعكره" للنسوة
اللائي هاجرن "وبالجنبية" التي هرب منها
رجالها ، منذ أن جائت هجرة التمدن الطارئة
حاولت أن استجمع قواي وذاكرتي مع اجدادي
وفيما اراه في قريتي الصغيرة وتلك
الخرافات ، والاداب الرفيعة وتلك الدروب
التي ألهمتني في جمالها وطربها القديم في جنبات الروض والجبال الشامخة ، ستبقى
الجنوب طافحة بقيمها وباغنامها وبناسها
التي لم تنصاع يوما لوجيه أو امير ..
بل رقصوا مع البروق وصنعوا طرقهم
جراء عملهم ؛ لم تعيقهم اعاصير الزمن
أبداً وستظل خالدةً إلى المنفى ❤
- أحمد

جاري تحميل الاقتراحات...