سماء
سماء

@sama60m

21 تغريدة 5 قراءة May 19, 2020
كان يا مكان وفي مدينة تتساقط فيها الثلوج، شيخ كبير قضى نحبه منذ زمن بعيد ..ليس له ولد يرثه .. ولم يعهد أهل القرية أن أوصى أحدهم بشيء قبل أن يصبح عليلًا ..
لهذا لما أرادوا بيع بيته، وجدوا صندوقًا، ولأنه معروفًا بين أهلها أنه قارئًا نهمًا، توقعوا أن ذلك الصندوق كبقية الصناديق التي تحتضن الكتب ..
جمعوها قبل أن يتأكدوا من محتواها، وفي سوق خارج قريتهم باعوها بثمن زهيد، وحين قبضوا ثمنها، وزعوه على الفقراء بنية الصدقة له ..
انتقل الصندوق لخارج القرية وهذه المرة الأولى التي يخرج فيها مذ اشتره الشيخ، رجل بعمر الأربعين ينادي على صبي الذي يعمل لديه:
- إياك أن يبلل الماء أي صندوق، فمن باع تلك الصناديق بهذا الثمن، جاهل لا يعرف قيمة الكتب ..
- حسنًا سيدي.
- حين نصل للمدينة، سنقوم بفرز الكتب ثم نبيع كل كتاب
على حده. حينها سنظفر بأموال طائلة.
- صدقت . لكن قبل ذلك، أريد شراء صندوقًا بما يحتويه منك، وقبل أن أطلع على مافيه ..
- وما السر في الصندوق الذي اخترته ..؟!
- شعور في داخلي حين رأيته في الوهلة الأولى .
- وهل ستدفع مالًا بما تجهله ..؟!
- نعم .. وما المانع من بذل المال من أجل قرار جريئ ..؟!
- قد يكون المحتوى لا يستحق الثمن الذي بذلته لأجله ..؟!
- لا بأس، سأكون حينها قد اشتريت حدسي بثمن ..
- حسنًا، لك الصندوق..ومد لي مائة وخمسون دينارًا ..
-فتش في جيوبه وأخرج المال . ودفعها لسيده.
ابتسم وهو يحتضن الصندوق السماوي .. هزه برفق وحين سمع الصوت اتسعت ابتسامته أكثر.
كان سيده يرمقه، فشاركه التبسم وأكملا الطريق معًا ببضاعتهم المشتراه ..
أسدل الليل ستاره ..
سكنت الأصوات ..
لا وجود لأي ضوء يوحي لهم أن ثمة بشر ..
توقفوا حين بلغ فيهم التعب مبلغه ..
والكتب التي بحوزتهم كافية لرفع الجهل عن مئة قرية لو قرأ من أهلها عشرة أشخاص ..
غير أن الجهلاء يتفوقون عددًا على من يحبون القراءة ..
أشعلوا النار ..
التفوا بالقرب منها يبحثون عن الدفء ..
فليال الشتاء قارسة ..
والأوشحة حول أعناقهم كأطفال يتعلقون بأمهاتهم ..
- هل ستفتح الصندوق الأن ..؟!
- بقدر رغبتي في اكتشاف ما فيه؛ إلا أني أود قراءة مافيه في حجرتي حين نصل مساء الغد .
- لك ذلك ..
أعد الطعام له ولسيده، والبدر يتوسط السماء كما لو أنه ثقب النور في كهف ..
وفي غمرة أحاديثهم غشاهم النعاس، وطفق الثلج يتساقط على مهل ..
مضت الساعات الطويلة وهم غارقون في سباتهم بعد مشقة الطريق ..
وحين أطلقت الطيور لأجنحتها الحرية، وبدأت تعلو تغاريدها، انتبهوا لبزوغ الفجر .. وخيوطها التي توشك على وداعهم حتى الغد ..
وبعد أن تناولوا طعامهم، أكملوا رحلتهم متجهين نحو الشرق ..
وقبل أن يبسط الليل رداءه وتغيب الشمس وصلوا لمدينتهم، وألقوا التحايا على من عرفوا، وكم غلبهم الحنين لهذه الطرقات بعد غيابهم الممتد لثمانية أشهر.
وحين وضعوا الصناديق في إحدى زوايا المكتبة، استأذن الصبي سيده فأذن له..
حمل صندوقه وحقيبته..
وخطاه تترك الأثر كلما تقدم الخطوة بعد الخطوة
وصل لغرفته التي استأجرها بمبلغ زهيد نظرًا لتهالكها ..
رمى حقيبته جانبًا، نفض فراشه، تمدد عليه ..
يرى السماء من نافذته التي أزاح عنها الستار ..
تتلألئ النجوم ..
والغيم يجري حولها بخفة ..
آية من آيات الله يخفق لها فؤاده كلما أطرق في تأملها لدقائق معدودة ..
مضت ساعة وهو ساكن بلا حراك ..
عيناه المبحرة في الملكوت بصمت وهدوء ..
حينها تذكر الصندوق، فنهض على عجالة وأحضر الشموع وحين اضاءت جنبات حجرته،
أمسك بالصندوق وفتحه ..
فوجد فيه الكثير من الأوراق التي يكسوها الحبر ..
وبعض القصاصات الملونة ..
ومحبرة ..
وأوراق لقيت حتفها بتمزقها
وأخرى لم تتمزق؛ إنما أصبحت ككرة ثلج تتدحرج من الأعلى للأسفل
أخرجها جميعها ووضعها في حضنه، فسحب إحدى الأوراق فوجد مكتوبًا فيها:
هذه الليلة السابعة من شهر رجب لعام تدوينه مفيدًا لمن سيكون مهتمًا، وغير مهم لمن لا يكترث
أصوات الغربان السوداء تفوق صوت عقارب الساعة، وهذا كاف لتعلموا عن الضجيج؛ إذا أخذنا على سبيل الاعتبار أن ثمة من سيقرأها ذات يوم ..
السواد الأعظم يحيط في القرية من كل جانب ..
وصداع تشتد وطأته في رأسي، ولا تسألوا عن أي دواء قد يخرسه، فالصداع اتخذ رأسي مرتعًا ..
-ثم أكملها في ساعة قادمة بمشيئة الله .🌿
ظلام في القرية وفي رأسي وفي المحبرة، ومع كل ذلك فقد بقي النور في فؤادي كمنارة ترشد المبحر في سفينته أن الساحل قريب، وعليه النضال قليلًا ..
الجهل في هذا المكان متفشي كما لو كان مرض معدي، مهما حاولت تمزيق عاد لتشكله جماعات جماعات ..
وهذا يوحي لي عن قوة الجماعة أمام الفرد الذي يستسلم سريعا ..
أما الفرد المناضل حتى الرمق فسيجني ثمرته ذات يوم، وهذا مما رأيت أثره حين يتسابق إليّ بعض الصبية لاستعارة بعض الكتب..
ثم إن أكثر ما يمكن أن يمنحه المرء للأمي الجاهل أن يعلمه المفاتيح ثم يفتح له الأبواب ويدخل هو حيث شاء ..
وكما قيل: لا تعطه سمكة؛ إنما علمه كيف يصطاد .
الشمعة تتراقص والصداع بدأت تشتد هجماته، لهذا يتوجب عليّ التوقف عن التركيز اثناء النظر للأوراق . تم التدوين : 7-7- 1086 هـ .
- قال لنفسه بعد قراءته للورقة:
إذًا كل ما في الصندوق مذكرات شيخ شاخ في قريته ينتظر النور أن يضيئ عتمتها .

جاري تحميل الاقتراحات...