Hisham Elmahdi
Hisham Elmahdi

@drhzagalo

38 تغريدة 62 قراءة May 18, 2020
رؤية منهجية متجددة للقرآن الكريم
(ضرب المرأة)
مع تجدد الحديث عن العنف الاسري domestic abuse مؤخرا، لعله من المناسب أن نستغل النفخات الرمضانية في مناقشة مفهوم ضرب المرأة في الإسلام.. والثابت أن هذا الموضوع ،ضمن شبهات اخرى كحد الردة و غيره، من الإمور التي تجافي الفطرة السليمة -(١)
وتجافي كذلك ادعاءنا بأن الاسلام كرم المرأة وعظم احترامها وبالتالي تلكم القضايا ما فتئت ان تكون بوابة واسعة ومعتادة نحو الإلحاد خصوصاً مع شيوع و تحكم العقل النصي في المشهد الفكري في عالمنا.. فهل فعلاً يقر الإسلام ضرب الزوجة وإن كان بمسواك كما يقول جماعة السلفية؟؟ -(٢)
من ابدع ما قرأت لمستنيري النهضة الدينية - اعداء مدرسة النقل- في عملهم لاعادة ترسيم مفاهيم قرآنية واضحة تتسق مع الفطرة الانسانية وتبعد عن انحياز و تقديرات المفسرين قديماً أن اقتراح عدد منهم عدة طرق اكثر عملية في تدبر النص القرآني.. فتدبر القرآن المستمر من الامور -(٣)
التى حث عليها الله تعالى، و يعني ذلك بالضرورة ألا نستكين لإجتهادات القدماء في تفسير النص، فقد قال الله تعالى في الأية ٨٢ من سورة النساء: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه إختلافا كثيراً) -(٤)
المنهجية الاولى ان يرتكز التفسير القراني بصورة اساسية على تفسير القران بعضه بعضاً.. ففي الغالب الاعم، بعض الكلمات أو المفردات تتكرر بأكثر من طريقة وفي اكثر من أية في الكتاب الكريم. وهنا يجب أن ننتبه لأمر مهم وهو أن النص القرآني هو الحاكم على قواميس اللغة العربية الحديثة -(٥)
وليس العكس، وعليه فلا يجب أن نبحث عن معنى المفردة القرانية في قواميس اللغة (في جل الأحوال) لأن كثير من المعاني المشروحة للمفردات القرآنية في معاجم اللغة تعكس تفسيرات و وجهات نظر المفسرين القدامى وبالتالي هذه المنهجية تحرر النص من الوقوع في تحيزية الحكم المسبق.. -(٦)
الطريق المنهجي الثاني يكون بإستصحاب السياق الذي وردت فيه الكلمة، وذلك بقراءة الايات التي تسبق الاية المقصودة و كذلك الايات التي تعقبها. هذا المنهاج يستصحب معه تنظير ثوري لكلمة مفتاحية في القران وهي الترتيل. يقول تعالى (ورتل القرآن ترتيلا) المزمل-٤
-(٧)
وكذلك قال المولى عز و جل: (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا) الفرقان -٣٢.
والترتيل لا يعني التلاوة او القراءة المتمهلة بأي حال كما هو مفهوم اعتياداً بل يعني ترتيب الايات بشكل معين لاستخلاص المقصد او لإكمال الصورة -(٨)
فمثلاً اذا اردنا ان نفهم المقصود بكلمة معينة نقوم باستحضار كل الايات التي وردت فيها الكلمة او مشتقاتها ومن ثم بالتحليل و المقارنة و المقاربة نصل لتدبر اكثر علمية. براهين هذا المفهوم يعضدها ترتيل الايات التي ذكر فيها الترتيل نفسه اضافة لمقارنة بين جذر ( ر ت ب) و جذر (ر ت ل) -(٩) +
وتحول المعنى لمعنى مقارب بتغيير حرب الباء للام، والعرب قديماً تقول ان لكل حرف معنى. ونجد ما يعضد هذا المنحنى قولنا رتل من الجنود فنعني صفوف متراصة من الجند او رتل سيارات فنعني سيارات تسير في صفوف تتبع بعضها بعضها. -(١٠)
اهمية المدخل في شرح منهجية تحليل و تفكيك معاني الايات بطريقة موضوعية (objective) انها ستقر وتعضد القول بصلاحية القران لكل زمان ومكان بصورة علمية، اكثر من الاعتماد العاطفي حصراً على التفسيرات والاجتهادات القديمة التي لا تواكب التطور الحضاري -(١١)
و تظلم الدين باقرارها لمفاهيم مغلوطة لا يسع المجال لذكرها هنا، ولكن كمثال بسيط تفسير كلمة (واضربوهن) الذى اهان الاسلام و جعله ابعد ما يكون عن صيانة حقوق الانسان و المرأة.
قبل الدخول في جدلية (ضرب المرأة) من منظور إسلامي ربما من نافلة القول التعريج على (تاريخية النص) -(١٢)
ولو انه ليس من المنهجيات المتبعة في هذا الموضوع، كمفهوم طرحه بعض الاساتذه كنصر حامد ابوزيد -تم تكفيره- بقوله ان اجزاء من القرآن الكريم سقطت بحكم التاريخ وأصبحت شاهداً تاريخياً. كمثال يطرح "تحوّل آيات الرق والأحكام المتعلقة بها إلى آيات للعبرة بعد زوال نظام الرق من حياتنا".. -(١٣)
جزئية اخرى مهم تثبيتها وهو أن لا ناسخ و منسوخ في الرسالة المحمدية.. والنسخ المقصود به أن بعض الاحكام الشرعية في الكتاب الكريم تلغي ما قبلها وبالتالي يسود حكم المتأخر و يكون الملغي موجود في الكتاب للتعبد فقط. وبعضهم يستغل المفهوم في فقه درء المفاسد والشبهات -(١٤)
ويستدلون بالأية ١٠٦ في سورة البقرة و التي تقول: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير).
ونجد أنه قد تم التعاطي مع الأية التي ذكر فيها النسخ بصورة مبتسرة تجافي السياق التي ذكرت فيه.. -(١٥)
وبالتالي عندما نطبق المنهجية الثانية (أعلاه) فسيختلف المعنى بصورة قطعية و شاملة. دعنا نقرأ الايات ١٠٥-١٠٩ من سورة البقرة:
(ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن يُنزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم * +
ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير * ألم تعلم أن الله له ملك السماوات و الأرض ومالكم من دون الله من ولي ولا نصير * أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالايمان فقد ضل سواء السبيل * +
ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند انفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فأعفوا و أصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شئ قدير) -(١٨)
فالقرآن بأحكامه ناسخ لأحكام الديانات السماوية القديمة كما كانت المسيحية ناسخة لليهودية. فالأحكام السماوية تتبدل من رسالة لأخرى، ويلاحظ فيها بصورة عامة التخفيف المستمر من المولى عز وجل في الاحكام من رسالة لأخرى كأنما الرسالات الجديدة تخاطب وعي و فكر اكثر تقدماً من الذي سبقه -(١٩)+
كتطور بشري حضاري طبيعي.. والايات تشرح ان اهل الكتاب لا يحبون ان يروا الاحكام الشرعية لدى المسلمين اكثر تخفيفاً من التي عندهم.. مثلا الزنا عقوبته في اليهودية الإعدام (سفر اللاويين) بينما هو الجلد في الاسلام على لسان الله في كتابه الكريم.. -(٢٠)
نأتي لموضوع ضرب الزوجة في القران، فقبل الدخول في الايات ينبغي ان نقر أن القرآن يدعو للمساواة بين البشر و الا فرق بين جنس وآخر الا بالتقوى، وان من اتساق الادعاء ان القرآن يكرم المرأة الا نجد في كتاب الله ماهو مقلل لشأنها فما بالك بالاعتداء جسدياً عليها.. -(٢١)
فلنقرأ الاية مثار الشبهة: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض و بما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن وأهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهم سبيلاً إن الله كان علياً كبيراً) النساء-٣٤
-(٢٢)
فالقران رتب التعامل السلوكي في حالة نشوز الزوجة بتراتبية: اولاً العظة، ومن ثم الهجر في المضاجع وإن فشلت الطريقتين فنتحول ل (اضربوهن)... فما المقصود بالكلمة مثار الجدل.. -(٢٣)
سنعتمد في الجزئية القادمة على تفسير كلمة (ضرب) حسب المنهجية الاولى (أعلاه) وبالتالي بحث ورود مشتقات الكلمة،
لنخرج بمعنى أكثر وضوحاً للمفردة.. فلنستعرض بعض الأيات التي وردت فيها الكلمة و مشتقاتها: -(٢٤)
١- الضرب في الأرض: بمعنى السفر:
* (يا أيها الذين آمنوا اذا ضربتم في الأرض فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى اليكم السلام لست مؤمناً ...) النساء-٩٤
* (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة...) النساء-١٠١
-(٢٥)..
وغيرها من الأيات التي تأتي فيها عبارة (الضرب في الأرض) بمعنى السفر، و معلوم أن السفر من ناحية جغرافية و فيزيائية هو التحرك او الابتعاد من نقطة بإتجاه نقطة اخرى.. أي انه عملية مباعدة.. -(٢٦)
٢- الضرب على: بمعنى الالتصاق والالتحام:
* (... و ليضربن بخمرهن على جيوبهن...) النور-٣١
* (... إهبطوا مصراً فإن لكم فيها ما سألتن وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ...) البقرة-٦١
فإذن الضرب على الشئ عكس الضرب فيه، فيدل على الالتحام و التعلق والالتصاق والتغطية. -(٢٧)
٣- ضرب الأمثال:
* (وأضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من اعناب و حففناهما بنخل و جعلنا بينهما زرعاً) الكهف-٣٢
* (وضرب لنا مثلاً و نسي خلقه قال من يحي العظام وهو رميم) يس-٧٨
-)٢٨)..
وفي الغالب هنا يكون ضرب المثال للمقارنة بين حالتين متقابلتين او متباعدتين، ففي المثال الأول قارن حل رجل يملك جنتين وحاله عندما اهلك الله جنتيه، و في المثال الثاني قارن بين حالتين متقابلتين وهي احياء العظام و رميم العظام.. -(٢٩)
٤- الضرب بالشئ - بمعنى الفصل بإستخدام أداة
* (فأوحينا الى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم) الشعراء -٦٣
* (وإذا استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً...) البقرة-٦٠
* (فضرب بينهم بسور له باب ...) الحديد -١٣
-)٣٠)..
فالواضح ان دخول حرف الباء جعل المعنى يستدعي وجود اداة للفصل كالعصا في المثالين الاولين والسور في المثال الثاني..
٥- ضرب بدون حرف جر - وتعني الفصل و المباعدة
* (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى اذا اثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما مناً بعد و إما فداء...) محمد-٤
-)٣١)..
في المثال أعلاه الرقاب تعني الرقيق أو الأسرى، فنجد في كثير من الايات توضح ذلك مثل قوله تعالى (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً الا خطأً ومن قتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة الى اهله..) النساء-٩٢ او في (فلا اقتحم العقبة * وما ادراك ما العقبة * فك رقبة).. البلد ١١-١٣ -(٣٢)
اذن ضرب الرقاب هنا ليس المقصود بها جز الرقاب، فمن الغرابة اذا افترضنا انه ضرب الرقاب هنا تعني جز الرؤوس فكيف يطلب منا الله بعدها ان نشد وثاقهم، بما أنهم قتلى ورؤوسهم مقطوعة وكيف نفديهم او نطلق سراحهم وهم جثث ميتة.. فالشاهد اذن ان ضرب الرقاب هنا لا تعني جز الرؤوس.. -(٣٣)
وفي القرآن نجد ان الضرب (المعروف حالياً) باليد يستخدم الفعل (وكز) كما في قوله تعالى: (... فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه...) القصص-١٥.. -(٣٤)
اما في حالة الضرب بأداة (كالخيرزانة) فنجد ان القران يستخدم الفعل (جلد) كما في قوله تعالى: (الزانية و الزاني فأجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة...) النور - ٢ -(٣٥)
العرب تسمي المنازل و الخيم بالمضارب، وأحياناً تطلق الكلمة على الاطلال والثابت ان المضارب كمفردة ارتباطها مكاني اكثر.. وفي زماننا هذا نستخدم كلمة اضراب مثلا الاضراب عن الطعام، ونعني به الابتعاد عن الطعام، و الاضراب عن العمل وهو الابتعاد عن مزاولته..-(٣٦)
اذن الاية الكريمة تقرر ٣ سلوكيات متدرجة في حالة نشوز الزوجة (المقصود بنشوز الزوجة هو استعلاءها على زوجها وذلك اذا تدبرنا ورود الجذر نشز في كتاب الله) وهي بالترتيب:
١- ان تتناقش معاه و تعظها،
٢- الهجر في المضجع، وهو أن تتوقف عن اقامة العلاقة الجنسية معها.. -(٣٧)
٣- ان لم تنجح ا او ٢ ، ينصح بالابتعاد عن الزوجة (اضربوهن) وهي بمفارقة المكان، مثلاً ان تنام في غرفة منفصلة او ما نحوه..
(ادناه رابط للشيخ صلاح الدين التيجاني في ذات المغذى) -(٣٨)
-انتهى-
youtu.be

جاري تحميل الاقتراحات...