يغبطُ بعض الشباب الصغير المجتهد والمشتغل بالأدب والمعرفة على همتهم وعبقريتهم كذلك؛ مدهشون في اختياراتهم وقراءاتهم وفي آرائهم كذلك. ولكن الحقيقة أن البعض منهم ينقصه الكثير من حسن التأدب والخلق عند حماسهم لنقاش مسألة أو فكرة ما، خاصة حين يكون طرف هذا النقاش ممن يكبرهم سنًا.
إن دافع الغيرة على الحق والجمال والفكر لا يأذن بسوء الأدب والـ "فهلوة" السمجة تجاه الآخرين. وهذا لا يعني بأي شكل التوقف عن الطرح أو النقاش في أي باب، ولكن سوء الأدب حجاب عظيم ودافع للرد والصد والقطيعة ليس عن هذا الشباب ولا عن وداده (الذ لم يطلبه أحد ابتداء) بل عن الفكرة نفسها.
ومن أعظم ما تغلّف فيه هذه الممارسات غير المؤدبة هي الفكرة الساخرة ومحاولة طرق باب النكتة وخفة الدم، وهذا الباب من الفنون لا يتقنه إلا القليل من الناس وكثير مما يطرح متذرعا بافن الرد الساخر إنما هو من قلة الأدب وسوء الخلق خاصة حين يكون في حق الكبار سنًا وفضلًا وقدرًا.
وأنا هنا لا أدعو إلى أن يكون السن والسبق عاملا في ميزان الحق والجمال والفكر، ولا أن يكون ذلك رادعا لمن أراد طرح فكرة ليعترض على قول أو لينتصر لرأي، ولكن هذه النوايا لا تبرر للشباب أن يحملوا قناة سوء الأدب والسخف والاستهتار على أحد فضلا عن أن يحملوها على من هو أكبر منهم.
وإن من أعظم المآسي حين تحسب بعض هذه الممارسات الدنيئة نصرةً للقيم الجميلة خاصة قيم الدين الإسلامي. فهذا الدين العظيم قد أعلى من شأن حسن الخلق الذي كان صفة رسوله العظيم صلى الله عليه وسلم، وخير الهدي هدي محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم.
أنا لست ممن يؤمن بشرط الود في حال الخلاف، أبدا! ولكن عدم الود ليس إذنًا مفتوحا بالتعدي والأذية وقلة الذوق والأدب. لكن صورة بعض الردود دون مبالغة تعرض مشهدا أمامي: وكأن شيخا على عكازه ماض في شأنه وشاب يهمّ عليه بعصا وسباب وشتم!
ختاما: أقول هذا الكلام والله دون نظرة سلبية تجاه أحد معين أو محاكمة لمجموعة من الناس، فنفسي أولى بالتفاتي وأحكامي. وأنا والله يشهد أُكبر في الشباب همتهم وعنايتهم بالعلوم والمعرفة والآداب والفنون وأغبطهم كثيرا. لكنها ملاحظة أحببت مشاركتها لعلها تكون نافعة لنفسي ولغيري. والسلام
جاري تحميل الاقتراحات...