شهدت البشرية في الـ ٥٠٠ سنة الماضية سلسلة من الثورات التي تحبس الأنفاس، نما الاقتصاد بشكل مذهل، وتطورت العلوم بكافة مجالاتها تطور كبير وملحوظ، وقدّمت الثورة الصناعية قوى خارقة للبشر وطاقة لا حدود لها، وأصبح البشر يعيشون في واقع كانوا يحكون عنه أو يكتبونه في رواياتهم الخياليّة.
تغيّر النظام الاجتماعي بالكامل، وتغيّرت السياسة والحياة اليوميّة وعلم النفس. لكن السؤال الذي يطرحه يوفال نوح، هل نحن أسعد؟ هل تجسدت الثروة التي راكمها البشر على مدى القرون الخمسة الماضية في رضى اُكتشف حديثاً؟ هل فتح اكتشافُ مصادر طاقة لا تنضب أمامنا مستودعات غبطة لا تنضب أيضاً؟
بمعنى آخر، هل كان الراحل نيل أرمسترونغ مثلاً، والذي لا يزال أثرُ خطوته سليماً على القمر عديم الرياح، أسعد من صياد نكرة ترك بصماته قبل ٣٠٠٠٠ سنة على جدار في كهف جنوب فرنسا؟ وإن لم يكن أسعد، فما المغزى من استحداث الزراعة والمدن والكتابة والعملات والإمبراطوريات والعلم والصناعة؟
للأسف نادراً ما يسأل المؤرخون مثل هذه الأسئلة، فهم لم يبحثوا مثلاً عما إذا كان مواطنو بابل قديماً أسعد من أسلافهم الصيادين البدائيين في بدايات البشرية.
وهذا النوع هو من أهم الأسئلة التي يمكن للمرء أن يسألها التاريخ ويبحث فيها.
وهذا النوع هو من أهم الأسئلة التي يمكن للمرء أن يسألها التاريخ ويبحث فيها.
تروج معظم الإيديولوجيات الحالية والبرامج السياسية للسعادة، القومي يجزم أن تقرير المصير السياسي ضروري لسعادتنا، والشيوعي يفترض أن الجميع سيكون سعيداً تحت ديكتاتورية الطبقة العاملة، أما الرأسماليون فيؤكدون على أن السوق الحرة هي التي يمكنها ضمان أكبر قدر من السعادة لكثير من الناس.
ماذا سيحدث إذا دحض بحث جاد كل هذه الفرضيات؟ إذا لم يجعلنا النمو الاقتصادي واعتمادنا على ذواتنا أسعد فما فائدة الرأسمالية إذاً؟ وماذا لو تبيّن أن الجزائريين على سبيل المثال كانوا أسعد تحت الحكم الفرنسي من حكمهم على أنفسهم؟ ما فائدة الشعارات القومية إذاً؟
بحث المؤرخون في تاريخ كل شيء تقريباً، في السياسة والمجتمع والاقتصاد والأمراض والغذاء والنشاط الجنسي للبشر، غير أنهم وللأسف لم يتوقفوا ليتساءلوا عن كيفية تأثير كل هذا على مشاعر البشر وسعادتهم، وهذا هو السؤال الجوهري في تاريخ البشر بحسب يوفال نوح.
على الرغم من أن قلة درست تاريخ السعادة إلا أن كل باحث وكل فرد أيضاً لديه فرضية يقولها، يشير رأي سائد إلى زيادة القدرات البشرية على مر التاريخ، وبما أن البشر يستخدمون قدراتهم بشكل عام للتخفيف من بؤسهم وتحقيق الطموحات، فيترتب على ذلك أن نكون أسعد من أسلافنا في العصور الوسطى مثلاً.
ويُفترض أيضاً أنّ مواطنو العصور الوسطى كانوا أسعد بلا شك من أسلافهم في العصر الحجري، مزيد من التقدّم يعني مزيد من السعادة.
هذا افتراض مطروح لكنه غير مقنع.
هذا افتراض مطروح لكنه غير مقنع.
الفلاسفة ورجال الدين والشعراء أمعنوا التفكير أيضاً في طبيعة السعادة لآلاف السنين، وخلص كثير منهم إلى أن العوامل الاجتماعيّة والروحيّة والأخلاقيّة لها تأثير كبير على سعادتنا لا يقل عن أثر الظروف المادية، ربما يعاني الناس في مجتمعاتنا الحديثة الوفيرة من الاغتراب وانعدام المعنى.
وربما يعاني البعض من الاكتئاب بالرغم من ازدهارهم، وربما وجد أسلافنا الأفقر الكثير من الرضا في المجتمع والدين وعلاقتهم مع الطبيعة.
درس علماء النفس والأحياء في العقود الأخيرة بمنهج علمي متزن ما يجعل الناس سعداء حقاً، أهو المال أم العائلة أم الجينات؟
درس علماء النفس والأحياء في العقود الأخيرة بمنهج علمي متزن ما يجعل الناس سعداء حقاً، أهو المال أم العائلة أم الجينات؟
لكن الخطوة الأولى في الفهم تكمن في تحديد ما الذي يجب قياسه فعلاً؟
إن التعريف المقبول للسعادة حالياً هو: الرفاهية الذاتية، ووفقاً لهذا التعريف فالسعادة أمر نشعر به في دواخلنا، إما أن يكون إحساساً فورياً بالمتعة أو قبول طويل الأمد للطريقة التي تسير بها حياتنا.
إن التعريف المقبول للسعادة حالياً هو: الرفاهية الذاتية، ووفقاً لهذا التعريف فالسعادة أمر نشعر به في دواخلنا، إما أن يكون إحساساً فورياً بالمتعة أو قبول طويل الأمد للطريقة التي تسير بها حياتنا.
وهنا يأتي سؤال، إذا كانت السعادة أمر يتعلق بشعور داخلي فكيف يمكن قياسه من الخارج؟
يُفترض أنه يمكننا القيام بذلك بأن نطلب من الناس إخبارنا كيف يشعرون، وهكذا فإن علماء النفس أو الأحياء يستطيعون تقييم مدى شعور الناس بالسعادة من خلال تقديم استبانات لملئها ومن ثم يستخلصون النتائج.
يُفترض أنه يمكننا القيام بذلك بأن نطلب من الناس إخبارنا كيف يشعرون، وهكذا فإن علماء النفس أو الأحياء يستطيعون تقييم مدى شعور الناس بالسعادة من خلال تقديم استبانات لملئها ومن ثم يستخلصون النتائج.
تستخدم الاستبانات لربط السعادة بعدد من العوامل الموضوعيّة، تقارن دراسة مثلاً بين ألف شخص من الذين يكسبون ١٠٠ ألف دولار في السنة مع ألف شخص يكسبون ٥٠ ألف دولار في السنة.
فإذا اكتشفت الدراسة أن المجموعة الأولى عندها متوسط رفاهية يبلغ ٨ من ١٠ والمجموعة الثانية عندها متوسط ٧ فيمكن للباحث حينها القول على نحو منطقي أن هناك علاقة إيجابية بين الثروة والسعادة الشخصيّة، بعبارة أخرى شائعة جداً: المال يجلب السعادة.
وهكذا يمكن استخدام نفس الطريقة لدراسة ما إذا كان من يعيشون في الديموقراطيات أسعد ممن يعيشون في الديكتاتوريات، أو ما إذا كان المتزوجون أسعد من العزاب، والمتعلمين أسعد من الجهلاء، وغيرها من العوامل الموضوعيّة.
طريقة التفكير هذه، والاستنتاجات المصاحبة لهذه الدراسات ليست خالية من العيوب، لكن قبل الإشارة لها والاستناد عليها يلزمنا النظر عن كثب للنتائج.
فمثلاً، تشير دراسة مثيرة وشائعة إلى أن المال يجلب السعادة فعلاً، لكن (إلى حد معين وحسب) وبعد ذلك الحد يصبح الأمر قليل الأهمية وعادي.
فمثلاً، تشير دراسة مثيرة وشائعة إلى أن المال يجلب السعادة فعلاً، لكن (إلى حد معين وحسب) وبعد ذلك الحد يصبح الأمر قليل الأهمية وعادي.
فبالنسبة للعالقين أسفل السلم الاقتصادي، فقطعاً الزيادة في المال تعني المزيد من السعادة، فإذا كان هناك أم أمريكية عزباء تجني ١٢ ألف دولار سنوياً من تنظيف المنازل وكسبت فجأة نصف مليون دولار في اليانصيب، فالأرجح أنه سيكون هناك زيادة في مستويات رفاهيتها الذاتية لفترة طويلة.
لأنها ستكون قادرة على إطعام وتعليم أطفالها دون المزيد من الغرق في الدَّين، أما لو كان هناك مسؤول تنفيذي يجني ٢٥٠ ألف دولار سنوياً وربح مليون دولار في اليانصيب أو مكافأة من مجلس إدارة الشركة فمن المرجّح أن زيادة الرفاهية لديه ستستمر لأسابيع قليلة وحسب.
سيسافر هذا المسؤول لجزيرة عدة أيام، أو ينتقل لمنزل أكبر، أو ربما يحصل على سيارة آنق، لكن سرعان ما يتحول ذلك لروتين عادي.
ثمة نتيجة أخرى مثيرة للاهتمام، وهي أن المرض يقلل من السعادة على المدى القصير، لكنه لا يكون مصدراً للتعاسة طويلة الأجل إلا إذا كانت حالة الشخص تتدهور باستمرار.
ثمة نتيجة أخرى مثيرة للاهتمام، وهي أن المرض يقلل من السعادة على المدى القصير، لكنه لا يكون مصدراً للتعاسة طويلة الأجل إلا إذا كانت حالة الشخص تتدهور باستمرار.
أي إذا كان المرض هذا ينطوي على ألم مزمن ومنهك، فعادة يعاني الناس الذين يُشخّصون بمرض مزمن مثل السكري من الاكتئاب لبعض الوقت، لكن إذا كان المرض لا يتفاقم فإنهم بالتالي يتأقلمون مع وضعهم الجديد ويقوّمون سعادتهم بتساوٍ مع الأشخاص الأصحاء.
تخيّل أن لوسي ولوك توأم من الطبقة المتوسطة، يوافقان على المشاركة في دراسة ذاتيّة للرفاهية، بعد انتهاء الدراسة وفي طريق عودتها من مختبر علم النفس، صَدمت حافلة سيارة لوسي مسببةً لها عدداً من الكسور، وإعاقة دائمة.
وفي اللحظة التي باشرت فيها سيارة الإسعاف حادثة لوسي تلقى لوك اتصالاً يخبره بأنه فاز باليانصيب الكبرى وجائزتها البالغة ١٠ مليون دولار.
بعد سنتين لوسي لم تتمكن من المشي، ولوك من الأثرياء.
بعد سنتين لوسي لم تتمكن من المشي، ولوك من الأثرياء.
ولكن عندما يأتي عالم النفس لمتابعة الدراسة فمن المرجّح أن يعطي كلاهما نفس الإجابة التي قدمها في صباح ذلك اليوم المصيري، وهنا يكمن الخلل الكبير في مثل هذه الدراسات.
يبدو أن للأسرة والمجتمع تأثير أكبر على سعادتنا من المال والصحة، إذ يكون الناس في العائلات ذات الروابط القوية والذين يعيشون في المجتمعات المتماسكة والداعمة أسعد بكثير من الأشخاص الذي تعاني أسرهم من التفكك.
أيضاً وجدت الدراسات أن هناك علاقة ترابط وثيق بين الزواج الجيّد والرفاهية الذاتية، وبين الزواج السيء والبؤس، وينطبق هذا بغض النظر عن الظروف الاقتصادية والمادية.
فقد يشعر معاق معوز محاط بشريك حياة محب وعائلة مخلصة ومجتمع مريح بسعادة أكبر من ملياردير مغترب لا ينتمي لأحد، طالما أن فقر ذلك المعاق ليس بتلك القسوة الشديدة وأن مرضه ليس مؤلماً ولا انتكاسياً.
يخلص الكاتب أخيراً لنتيجة مفادها أن السعادة لا تعتمد حقاً على الظروف الموضوعيّة، سواء كانت الثروة أو الصحة أو المجتمع، وإنما تعتمد بالأحرى على العلاقة بين الظروف الموضوعيّة والتوقعات الذاتيّة.
فإذا كنت تريد عربة ثور وحصلت عليها ستكون راضي، أما إن كنت تريد سيارة فيراري جديدة وحصلت على سيارة هيونداي مستعملة فستشعر بالحرمان، وهذا هو السبب وراء أن أثر الفوز باليناصيب على سعادة الناس يصبح مع مرور الوقت عادياً، فعندما تتحسن الأوضاع تكبر التوقعات.
بالتالي فحتى التحسينات الدراماتيكية في الظروف الموضوعية يمكن أن تتركنا غير راضين، بالمقابل حين تتردى الأوضاع تتقلص التوقعات، وبالتالي فحتى المرض الشديد قد يتركك سعيداً بالقدر الذي كنت عليه من قبل.
ختاماً، أدرك الأنبياء والشعراء والفلاسفة هذا الأمر منذ آلاف السنين، أنّ كونك راضياً عما لديك أهم بكثير من حصولك على المزيد من الأشياء التي تريدها، لكن مع ذلك من الجيّد أن يصل البحث المعاصر مدعوماً بالكثير من الأرقام والرسومات إلى نفس الاستنتاجات التي خلُص إليها القدماء.
تجدر الإشارة هنا بأن الكتاب يعتبر ثورة في عالم الكتب، حقق نجاح مُلفت وبيع منه ملايين النسخ، وتجب الإشادة أيضاً بمعظم محتواه وترجمة الأساتذة حسين العبري وصالح الفلاحي البديعة والسلسلة.
وبصرف النظر عن ما قيل في الكاتب، ديانته، جنسيته أو نظامه الغذائي، الحكمة ضالة المؤمن.
وبصرف النظر عن ما قيل في الكاتب، ديانته، جنسيته أو نظامه الغذائي، الحكمة ضالة المؤمن.
جاري تحميل الاقتراحات...