ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

38 تغريدة 233 قراءة May 17, 2020
حديثنا اليوم مختلف ..
النبوغ ..
النجاح ..
التضحية ..
الألم ..
تجربة إنسانية علمية سيخلدها التاريخ ما بقي العلم وبقيت صفوف الدراسة!
مع ماري اخترت ألا أختصر ..
ومع الأسف رغم ذلك لم أحِط بكل جوانبها خُبرا
تحتاج هذه الاستثنائية لكتب ومجلدات
مع ماري نحكي الحكاية
حياكم تحت🌹
بعد أربع سنوات فقط من نجاح الإمبراطورية الروسية في قمع انتفاضة الشباب البولندي عام 1863؛ وإحكام السيطرة تمامًا على البلاد وتعليق الحريات، وسط كل هذه الأجواء المشحونة وغير الاعتيادية ولدت البولندية ماري سكوودوفسكا كابنة صغرى من بين خمسة أبناء لأبوين يشتغلان في التدريس.
في نفس عام ميلاد ماري ترقى الأب فلاديسلاف معلم الرياضيات والفيزياء في درجته الوظيفية إذ أصبح مديرًا لإحدى المدارس الثانوية، أما الأم فقد كانت بالفعل مديرة لإحدى المدارس الداخلية للفتيات، وهي نفس المدرسة التي التحقت بها ماري في سن العاشرة.
بعد عامين من انتظامها في المدرسة، تعرضت ماري لإحدى أقوى الصدمات في حياتها، إذ فارقت والدتها الحياة بعد صراع مع مرض الدرن، وهو الأمر الذي خلّف في نفس الصغيرة تشتتًا وحزنا دفينا رافقها على طول دربها، وحمّلها مبكرًا مسؤوليات جمة.
لم يزل الموت يُحلّق فوق بيت ماري حتى أتى هذه المرة على أختها الكبرى عبر مرض التيفوس بعد عامين فقط من وفاة والدتها، ليزداد الحزن في قلبها عمقًا وأثرًا، نبذت على إثره كاثوليكية أمها ولم تختر إلحاد أبيها، وبقيت فيما يشبه الإضراب الديني، وهو ما يعرف بالاتجاه اللاأدرية.
لم تستسلم ماري أبدًا لظروفها المادية والمعيشية القاتمة بل جعلتها منطلقًا للانتصار في مواضع أخرى، وكانت المدرسة  أقرب شيء لانتصارها وإبداعها، إذ أحرزت مواقع متقدمة بين زميلاتها، واشتهرت بينهم بالتفوق والذكاء وحسن التصرف.
في إحدى الأيام ومع حظر تدريس كل ما يمت لبولندا بصلة، كانت كثير من المدارس تخالف هذا الحظر في الخفاء، لكن فجأة أحد المفتشين الروس في المدرسة، دخل فصل ماري وتشكك فيما يتم تدريسه، فطرح سؤالًا في التاريخ الروسي، اخترقت ماري صمت زميلاتها بإجابة دقيقة أنقذت الموقف.
بعد التخرج من المدرسة 1883 انتقلت ماري مع من تبقى من أسرتها للعيش في الريف لدى أقارب والدها، لكن لم تدم الإقامة طويلا، إذ فقدت عائلة أبيها معظم ممتلكاتها نتيجة انخراطهم في العمل الوطني، وهو ما دفع ماري وأسرتها للعودة مجددًا إلى وارسو تحت ظلال قاسية من الفقر والاحتياج.
بولندا البلد المحتل بل المفكك والمقسم بين جيرانه، لم يكن يسمح للمرأة بالتعليم الجامعي، وجدت ماري وأختها برونيسلافا نفسيهما أمام رغبة عارمة في مواصلة التعلم، لكن لا أفق! لذا انتقلت أحلامهما نحو فرنسا بلد التقدم والحريات حينذاك، لكن دون أموال؛ لا فرصة حقيقية للحاق بركب الأحلام.
كان الوضع المالي المتأزم دافعًا للأختين أن يعقدا اتفاقًا من شأنه إنقاذ الموقف، على إحداهما البقاء من أجل العمل ودعم مسيرة الأخرى التعليمية، على أن يبتادلا الأدوار لاحقاً، اختارت ماري البقاء والعمل كمربية أطفال والإنفاق على تعلم أختها للطب في باريس.
بالفعل سافرت الأخت، بينما ماري في سن الثامنة عشر التحقت بعائلة بولندية تقطعت بهم السبل في الريف، حيث باتت مربية لأبنائهم، أمضت معهم ثلاث سنوات، قبل أن تقع في حب أحد شباب تلك العائلة، لقد عرفت ماري هنا الحب لأول مرة، عرفت معنى أن تشارك أحلامها مع أحدهم.
وسط حياة مليئة بالأمنيات، وصدق خالص من شاب وعدها أن يتقدم لخطبتها، رفضت عائلته ذلك الأمر بشدة نظرًا لما ارتأته من فارق طبقي، لم يجد الشاب بدا من الاستسلام، بينما العائلة أعلمت ماري بالاستغناء عن خدماتها، صدمة جديدة وانفطار قلب جعلها ترفض دعوة أختها في الذهاب إلى باريس.
لم يمر خذلان ماري من قبل حبيبها بسهولة بل احتاجت لأكثر من عامين حتى تتعافى وتتلاقى مجددًا مع طموحها العلمي، وفي أكتوبر 1891 رضخت ماري أخيرًا لإلحاح أختها وانضمت إليها في باريس المتقدة حينذاك بالفكر والعلم والحرية لتبدأ بذلك صفحة جديدة من حياتها.
في البداية أقامت ماري في بيت أختها المتزوجة، قبل أن تختار الانتقال لإحدى الغرف البسيطة على سطح إحدى البنايات، غرفة ذات أساس منعدم، وحياة مكفهرة محاطة بجوع واحتياج مادي صارخ، ورغم كل هذا انهمكت ماري في دراستها للرياضيات والفيزياء والكيمياء في جامعة السوربون.
تقول ماري عن تلك الفترة، "لم تكن الحياة سهلة، يحتاج المرء للمثابرة وأن يؤمن بما لديه من موهبة حتى يحقق هدفه مهما كلفه الأمر من ثمن"، بالفعل أظهرت الشابة العبقرية تفوقًا حاسمًا في الرياضيات والفيزياء، وضعها في مركز أول بين زملائها.
أخيرًا تبلورت اهتمامات ماري العلمية، حيث جذبتها بشدة الخصائص الكهرومغناطيسية لبعض المعادن، وهو الطريق الذي قادها للانجذاب أو بالأحرى التلاقى مع عالم فيزيائي آخر مهتم بنفس مجالها وهو الفرنسي بيير كوري، والتي حملت اسمه لاحقًا!
بعد أن نالت شهادتين في الفيزياء والرياضيات، وبسبب تعلقها بأسرتها وبحلم التحرر الوطني، عادت ماري إلى وارسو مجددًا وقررت العمل في مجال التدريس، قبل أن يكتب لها بيير طالبًا أن يجمعهما الدرب زوجين متشاركين في حلم إنساني وعلمي ملهم، وهو ما قد كان.
لحظة فارقة ابتسمت فيها الحياة أخيرًا لماري، حيث ودعت العزلة، وانضمت إلى حياة أسرية ملهمة، شاركها فيها بيير المنزل والتخصص والأبحاث والأحلام، وازدادت خطى الأخير نحو الإجادة فحصل على الدكتوراة عن أبحاثه في المغناطيسية عام 1895.
وجدت ماري في اكتشاف هنري بيكريل عام 1896 حول اليورانيوم والإشعاعات الصادرة عنه الشبيهة بالأشعة السينية في قدرتها على اختراق الأجسام، أمرًا ملهمًا للدراسة، فقررت اتخاذ اليورانيوم وإشعاعاته موضوعا لأطروحاتها للدكتوراه.
قبل 15 عاما من قرارها كان زوجها قد توصل مع أخيه لابتكار جهاز معقد لقياس الشحنة الكهربية يسمى الإلكترومتر، لإجادة استخدامه استغرقت وقتًا طويلًا من التدريب وجهدًا شاقًا، وقد استفادت منه في إثبات أن الهواء المحيط باليورانيوم قابل لتوصيل الكهربية.
كما استفادت من هذا الجهاز في تحطيم فرضية علمية سائدة تقول بأن الذرة غير قابلة للانقسام، حيث توصلت إلى أن الإشعاع الصادر عن اليورانيوم مصدره الذرة ذاتها وليس ناتجًا عن تفاعل الجزئيات فيما بينها كما كان يعتقد، كما قادتها الدراسة لمفاجآت أخرى عديدة.
للحصول على اليورانيوم من أجل الدراسة كانت مدام كوري تقوم باستخلاصه من خام البتشبلند المستعمل حينذاك في تلوين الأواني الزجاجية، لكن قياساتها قادتها إلى اكتشاف آخر مثير وهو أن نسبة الإشعاع في هذا الخام تفوق اليورانيوم ذاته بتسعمائة ضعف!
عبر هذه المفاجأة تأكدت ماري أن البتشبلند يحتوي في تركيبه على كميات ضئيلة من مواد أخرى غير معروفة أكثر إشعاعًا من اليورانيوم ذاته، وفي يوليو 1898 نشر الزوجين ورقة علمية تشير إلى اكتشافهما عنصرا جديدا أسمياه البولونيوم نسبة لبولندا، ثم بعد شهور اكتشفا عنصرًا آخرا هو الراديوم.
نتيجة للتركيب المعقد لخام البتشبلند، استطاع الزوجان فصل 10 جرامات فقد من كلوريد الراديوم، حيث احتاج الأمر منهم ثلاث سنوات سنوات وأطنان من الخام المذكور، وقد كان الأمر بمثابة اختراق علمي هائل، استحقا لأجله الحصول على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1903.
كان المناخ الأوروبي نمطيًا ولا يتقبل فكرة أن تكون أنثى صاحبة إنجاز، يكفي أن نعلم أن ماري هي المرأة الأولى التي حصلت على الدكتوراه في فرنسا، لذلك لم يكن مستغربا أن تغيّب عن المشهد، فلولا إصرار زوجها وتدخله لدى لجنة نوبل لما شاركته في نيل الجائزة!
في ذروة النجاح الذي حققه الزوجان وبعد إنجابهما لابنتين، وعلى حين غرة وبينما بيير يعبر شارع دوفين وسط هطول حاد للأمطار، صدمته إحدى العربات التي تجرها الخيول، فسقط أرضا لتمر عجلاتها على رأسه مفضية بحياته عام 1906.
كان حدثًا جللا، عادت به ماري إلى أحزانها مجددًا، لكنها هذه المرة لم تكن مثقلة فقط بوفاة أمها وأختها بل أضافت إلى ذلك فقدان رفيق دربها وصديقها وشريكها العلمي، بعد أشهر من المأساة قررت ماري ألا تستسلم لأحزانها وأن تنهمك مجددًا في أبحاثها باحثة عن إنجاز جديد تضيفه للإنسانية.
وسط معارضات جمة من الاتجاهات المُهمّشة للمرأة حلت ماري محل زوجها بيير في التدريس في قسم الفيزياء في جامعة السوربون، لتكون أول امرأة تحصل على كرسي الأستاذية في تلك الجامعة، وبالتعاون مع الجامعة أنشأت معهد الراديوم المعروف حاليًا باسم كوري.
في عام 1910 تمكنت أخيرًا ماري كوري من فصل عنصر الراديوم النقي، ليبدأ بذلك الفصل؛ فصلًا جديدًا في حياة البشرية، مأساويًا في كثير من أوجهه التي قادت لأسلحة نووية مدمرة، وجيدًا في أوجه أخرى واستخدامات مختلفة تتضمن علاج السرطان وتوفير الطاقة وغير ذلك.
"رومانسية في المختبر، قلب المرأة لا ترضيه العلوم وحده" كان هذا هو عنوان صحيفة فرنسية يمينية متشددة مناهضة للمرأة عن ماري كوري، حيث انتشرت أنباء عن علاقتها مع الفيزيائي المتزوج بول لانجفان، وهو الأمر الذي أثار هجمة شرسة ضد كوري وصلت لمحاصرة منزلها.
في ذات الأثناء تواصل التقدير العالمي لكوري، حيث رشحتها لجنة نوبل الملكية لنيل الجائزة للمرة الثانية عام 1911 في مجال الكيمياء، تقديرًا منها لدورها المهم في نهضة الكيمياء الحديثة عبر اكتشافها لعنصرين جديدين هما البولونيوم والراديوم.
لم يقتصر دور ماري الريادي على العلوم، إذ كان لها دورًا بارزًا في إنقاذ المصابين الفرنسيين في الحرب العالمية الأولى عبر توظيفها لأشعة إكس في تحديد مواضع الرصاص والكسور، عبر عربات متنقلة ومتطوعين، وبالتالي تمكنت حسب تقارير من إنقاذ حياة أكثر من مليون شخص.
كان العالم في حالة انبهار شديد بالعنصر الجديد السحري الذي يضيء تلقائيا دون تدخل، فتم استخدام الراديوم في صناعة الساعات المضيئة، والدهانات المضيئة، ومعجون الأسنان وكريمات الشعر والسجائر، ومياه الشرب قبل أن يتم حظره عام 1937 بعد أن تبين خطره الشديد والمدمر على الصحة.
منذ عام 1920 بدأت ماري كوري تعاني أمراضًا شتى بسبب تعرضها للإشعاع المستمر على مدى سنوات، حيث ضعف بصرها وسمعها، وأخذت تزداد وتيرة الأمراض لديها حتى وفاتها في يوليو 1934 بسبب فقر الدم الناجم عن تعرضها الزائد عن الحد للعناصر المشعة.
بعد اكتشاف خطر الراديوم والإشعاع عمومًا، تم التحقق من متعلقات كوري والتي لم تسلم جميعها من الإشعاع بما في ذلك كتاب الطبخ وأوراقها، والتي يفترض أن تظل مشعة حتى 1500 عامًا قادمة، لذلك تم حفظها في صناديق مبطنة بالرصاص.
توفت كوري بعد أن تركت إرثا علميا مؤثرا، ليس هذا فحسب بل كانت من النبل بمكان بحيث ترد منحة صغيرة أخذتها عام 1883 مع أول فرصة استطاعت فيها الكسب، أما جائزتي نوبل فقد وزعت قيمتيهما المادية على زملائها وطلابها، إنها الشخص الوحيد الذي لم تفسده شهرته كما قال عنها أينشتاين.
دفنت ماري كوري بداية جوار زوجها بيير ضمن مقبرة Sceaux، لكن في عام 1995 قامت السلطات الفرنسية بنقل رفاتها هي وزوجها إلى مقبرة العظماء، تقديرًا لما قدماه للبحث العلمي وللبشرية من علم ومعرفة.

جاري تحميل الاقتراحات...