ورغم وجود نظريات أخرى لتفسير بنية الكون كنظرية الأوتار، إلا أن روفيللي يحتج بصحة نظرية الجاذبية الكمية والتي تمثل أحد النظريات المفسرة للعلاقة بين فيزياء الكم وبين النظرية النسبية لآينشتاين،مستنداً في ذلك إلى النموذج الرياضي الذي يشرحه في الجزء الثالث من الكتاب.
إضافة إلى ما يعتبره تفوقاً للنظرية في جانب الأدلة ذات الطابع التطبيقي العملي على النظرية المنافسة لها في تفسير بنية الكون وهي نظرية الأوتار، وذلك في الفصل التاسع من الجزء الرابع في الكتاب.
يقدم الكتاب شرحا سلساً لغير المتخصصين، يتجلى ذلك في قلة عدد المعادلات الفيزيائية في الكتاب، ورغم أن موضوع الكتاب هو الفيزياء النظرية والتي من الصعب تناولها دون معادلات، إلا أن الكتاب يتضمن الحد الأدنى من المعادلات، ما يعني أن القارئ المتخصص قد لا يرى الكتاب مفيداً.
وينقسم الكتاب بأجزائه الأربعة إلى قسمين أساسيين، يتضمن القسم الأول منه تتبعاً لأهم الأفكار التي صاغت بارادايمات الإنسان الحديث حول الطبيعة وما تتكون منه، أما القسم الثاني فيشرح نظرية الجاذبية الكمية من خلال لغة مبسطة تبتعد قدر الإمكان عن لغة المعادلات وتحاول تسهيل الفهم.
يتناول القسم الأول من الكتاب نشوء وتطور الأفكار الفلسفية والعلمية من خلال استعانته بالأفكار الفلسفية القديمة، راسماً مساراً يبدأ من الأفكار المحورية لفلاسفة الطبيعة وخاصة لأنكسامندر ونظريته حول الأبيرون إضافة إلى ليوكيبوس وديمقريطس والذين كانوا روّاد ما عرف بالمذهب الذري.
يحيل إليهم الكاتب فضل "استخدام الملاحظة والعقل بحذاقة، بدل البحث عن الإجابات في الخيال والأساطير الغابرة"، ويطرح الجدلية الكبرى بين مفهومي المطلق اللامتناهي والمتناهي وبين الاتصال والانفصال في فهمنا للكون ليخلص إلا أن بنية الكون تفرض التناهي وأن هناك حداً أدنى من إمكانية الانقسام
ثم يتدرج تاريخياً ليتحدث في الجزء٢ عن إسهامات الفيزياء الكلاسيكية لنيوتن ومن ثم نظرية آينشتاين في النسبية وظهور فيزياء الكم والخلاف المشهور بين آينشتاين وبين مؤسسي فيزياء الكم حول فهم الطبيعة بالجمع بين النظريتين الأنيقتين والصحيحتين تجريبياً إنما غيرالمتسقتين معاًكما بدتا حينها.
لا يقتصر مضمون الكتاب على النظريات والأفكار العلمية الفيزيائية وحسب،إذ أن المؤلف يطرح عدة أفكار جدلية تتعلق بالتاريخ وأثر السلطة على الأفكار، ويرى أن ضياع أعمال ديمقريطس وغيره من الفلاسفة الذريين إنما حدث نتيجة إهمال متعمد وتدمير مع سابق الإصرار من قبل الإمبراطوريات لدوافع سياسية
مبقية على ما يخدم أهدافها من مثل أفكار أرسطو في العلّة الأولى ومثالية أفلاطون وهي الأفكار التي أعيد بناء الفكر على أساسها لقرون.
والكتاب ثري ببعض النصوص الشعرية، تضمين المؤلف للشعر في كتابه يتجلى على سبيل المثال في الاحتفاء بقصيدة للشاعر اللاتيني لوكريتيوس وهي قصيدة " De rerum natura " أو "في الطبيعة"، معتبرا أنها أنقذت جزءا من أفكار الفلاسفة الذريين الذين لم ترق أفكارهم لسلطة الإمبراطوريات المتلاحقة.
لوكريتوس هو شاعر أبيقوري تأثر بما نقله أبيقور من الأفكار الذرية لديمقريطس، أعيد اكتشاف تلك القصيدة في القرن الخامس عشر، وهي لم تسلم كذلك من محاولة منعها على يد الكنيسة الكاثوليكية.
إلا أن المؤلف ذهب بعيدا وبالغ في أثر هذه القصيدة في إعادة إحياء الفكرة الذرية، لدرجة أنه رأى أن جاليليو وكبلر تأثرا بها ومن ثم تأثر بها -بشكل غير مباشر - نيوتن ودالتون وصولا إلى آينشتاين الذي أثبت وجود الذرة، وتلك أفكار متعددة زمنياً تختلف من حيث البارادايمات العلمية المحيطة بها
أسبقية الفكرة قد تعود فعلا إلى ديمقريطس إلا أنه من المبالغة اعتبار أن قصيدة لوكريتيوس كانت هي الملهمة الأساسية لكل فكر ذري جاء بعد إعادة اكتشافها.
إضافة إلى أنه ليس صحيحاً أن الأفكار التي تدور حول الفلسفة الذرية قد انقطعت منذ اضمحلالها قديماً وحتى عصر النهضة وإعادة اكتشاف القصيدة، فالأفكار الذرية تسللت إلى اللاهوت وظلت من الأفكار المتداولة لعدة قرون.
ربما اجتزأت من كونها تصور عام للكون إلى اعتبارها مجرد مسألة تأتي في سياق الحديث عن الخلق في علم اللاهوت اليهودي والمسيحي ومن ثم في علم الكلام عند المسلمين، إلا أنها كانت حاضرة في الفكر.
يقدم الكتاب تسلسلاً تاريخياً لنشأة وتطور نظرية الجاذبية الكمومية، والأفكار الأساسية لها، بداية من المعادلة التي قدمها ماتفي برونستين إذ وجد أن معادلات آينشتاين في الجاذبية لا تتسم بالدقة عند حسابها على المستوى الكمومي، ليتمكن بعدها من حساب الحد الأدنى من طول المكان....
في معادلته التي تعتمد على مبدأ وجود حد لقابلية المكان للانقسام وهو أمر تتفق فيه النظرية النسبية مع فيزياء الكم، ومن ثم يواصل الكتاب إعطاء لمحات عن أهم من ساهم في صياغة النظرية ما بعد برونستين، وموجز عن أهم إضافاتهم للنظرية، محاولا نقل أفكار النظرية بكثير من الأمثلة والمقارنات.
يؤكد روفيللي على أهمية قابلية القياس لأية فرضيات، وذلك في معرض استعراضه للتطبيقات التي تدعم نظرية جاذبية الكم في علم الكونيات،وبما أنه يعتبر أن النظرية التي تنقصها التأكيدات الامبريقيةهي نظرية لم تجتز امتحان العلم،فأنه يسوق في الفصول الأخيرة من الكتاب عدة أدلة لتأكيد صحة النظرية.
تدور تلك الأدلة حول نتائج تجارب المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية "سيرن" لدراسة الجسيمات، إضافة إلى الصور التي قدمتها الأقمار الصناعية العلمية والتي تعطي فكرة عن تاريخ الكون يمكن الاستناد إليها في ترجيح حدوث الوثبة الكونية التي تطرحها النظرية كطريقة لتشكل الأكوان،
كذلك فإنه يرى في النظرية إمكانية لحل إشكاليات انبعاثات الثقب الأسود.
وأخيرا يؤكد على أهمية إدراك حدود معرفتنا دون تعصب للنظرية، قائلا :" لا نعلم ما إذا كانت النظرية الجميلة التي نعمل عليها صحيحة"، وأختتم هذه اللمحات عن الكتاب بالإشارة إلى أن الوثوق في العلم لا يحدث لأنه يقدم اليقين، وإنما لأنه يعطينا أفضل الإجابات الممكنة للحاضر.
جاري تحميل الاقتراحات...