يستدل بعض من يدّعون قصور "العقل العربي" بأصل الجذر اللغوي( ع ق ل) وأن هذا اللفظ مأخوذ من "عقل البعير" أي تقييد قدميه، وبالتالي فالعقل العربي غارق في القيود منذ القدم، وهناك من يطرح هذه الفكرة بسطحية صاعقة، وهناك من يحاول صبغها بعمق أكثر، ومن النوع الثاني ما كتبه المرحوم الدكتور =
الجابري في كتابه الأشهر (تكوين العقل العربي) من إشارات في نفس الفكرة، وقبل نقد هذا الاستدلال فمن الجدير بالقول إن الأستاذ الجابري رحمه الله كان يرى أن هذه المعني للعقل( القيد والربط) يعطي للعقل معنى عمليًا أخلاقيًا، لكنه يراه لا يعطيه بعدًا نظريًا عِلميًا، وهذا وجه القصور عنده،=
وكان قد سجل عبارةً بديعة في هذا السياق هي مما يقال عنه(الدليل خطأ، والمدلول صحيح)، هذه العبارة هي قوله(العقل العربي ينطلق من الاخلاق الى العلم)، (وأن العقل عند العربي يرتبط أساسا بالسلوك الأخلاقي)، ساقها رحمه الله في مقام النقد والذم، وبغض النظر عن أن موقفه هذا ينطلق من اعتقاده=
بإمكانية "فصل القيمة عن الواقع" (= فصل الذات عن الموضوع) وهو المبدأ الذي بات محل شكوك ومراجعة لا تخفى، لكن مالتغريدة بصدده الان هو نقد الاستدلال بجذر (عقل) على هذه النتائج، فالمصادر اللغوية التي نقل عنها الجابري تقول ما نصه ( عقل فهو عاقل وعَقُول من قوم عقلاء،=
قال ابن الانباري: رجل عاقل، وهو "الجامع" لأمره ورأيه، مأخوذٌ من عَقَلتُ البعيرَ إذا "جمعت قوائمه"، والعاقل: الذي يحبس نفسه ويردها عن هواها، أخذ من قولهم قد اعتُقل لسانه، إذا حبس ومُنع من الكلام، والمعقول: ما تعقِله بقلبك) (والعقل التثبت في الامور، والعقل: القلب، والقلبُ العقل)=
(ويقال: لفلان قلب عقوب، وعقَلَ الشيء يعقله:فهمه)(والعقال: الرباط الذي يعقل به)
لسان العرب.
هذا التحليل اللغوي لا يُشكك في وظيفة العقل الأخلاقية، لكنه- أيضا- لا يفوّت دلالة "الربط" التي تتجاوز مجرد القيد أو الكف، وإنما (الربط) هو ضمّ أمرين، وهذا الربط هو مقارنة ينتج عنها نتيجة،=
لسان العرب.
هذا التحليل اللغوي لا يُشكك في وظيفة العقل الأخلاقية، لكنه- أيضا- لا يفوّت دلالة "الربط" التي تتجاوز مجرد القيد أو الكف، وإنما (الربط) هو ضمّ أمرين، وهذا الربط هو مقارنة ينتج عنها نتيجة،=
ولطالما ردد مفكرونا بأن(الفكر هو إحضار معرفتين ليستثمر منهما معرفة ثالثة) كما يردد الغزالي، وهو الذي جمع مفاهيم(التذكَر والتفكر الاعتبار والنظر والتدبر)، وحاول الغزالي رفع مستوى هذه الألفاظ لتصبح في منزلة المفاهيم المعرفية، وحدد وظيفتها التحليلية والانتاجية، وهي مكونات الشبكة=
الدلالية لكلمة(عقل)في لسان العرب وكلها مفردات قرانية، (أو ما يسميه اللسانيون المعاصرون "الحقل الدلالي" وهو عبارة عن مجموع الألفاظ التي تتقاسم مع اللفظ المعين مجالًا بعينه من التجربة الانسانية، وخير مثال لها هو ما نحن فيه الان وهو لفظ"العقل" والمفردات المشاركة له المذكورة أعلاه)=
فـ"التذكر" هو إحضار معرفتين، و"النظر " هو الربط بينهما لطلب نتيجة( والتأمّل هو النظر والفكر في شي مبعثه "الأمل" في الظفر بشيء وانتظاره)، و"الاعتبار " هو العبور من هاتين المعرفتين إلى النتيجة،
ورغم أن الجابري رحمه الله قد أشار إلى بعض هذه الشبكة الدلالية لمفاهيم التعقل والتفكر،=
ورغم أن الجابري رحمه الله قد أشار إلى بعض هذه الشبكة الدلالية لمفاهيم التعقل والتفكر،=
لكنه تجاوز دلالتها المعرفية وقصر تحليله على بعدها الأخلاقي، وقد علمتَ أن هذا الفصل ببن القيمة والواقعة لم يعد مسلَّمًا عند فلاسفة المعرفة، أما في منظور الحكمة القرانية فالتقويم الأخلاقي لا ينفصل عن عمل الإنسان كله، فهو الجدير بوصف(الان وهنا).
إذن فالعقل مأخوذ من الربط والقيد،=
إذن فالعقل مأخوذ من الربط والقيد،=
ولكن هذا الربط أيضا هو جمع بين معرفتين، العبور منهنا إلى معرفةٍ ثالثة، ومن اللافت أن الشيخ محيي الدين بن عربي في الفتوحات المكية قد قلب هذاالاستدلال المتداول رأسًا على عقب، وجعل العقل سابقًا للعقال، فقال ( على الحقيقة عقال الدابة مأخوذ من العقل، فإن العقل متقدم على عقل الدابة،=
فإنه لولا أن هذا الحبل إذا شُدّت به الدابة قيّدها عن السراح ما سمّاه عقالا)، ورغم إن تحديد السبق بين المفردات اللغوية أمر صعب بدون دليل، إلا أن ابن عربي يعلل رأيه البديع هذا- إشارةً- بأن السبق ثابت ذهنيا وواقعيًا، فلولا جمع قوائم الدابة وشدّها بحبل لما أمكن منعها من الذهاب،=
وبغض النظر عن فكرة السبق التأثيلي؛ فإن المهم إن هذا الربط هو ما ادى إلى نتيجة، وهو مفهوم ذهني ظاهر،
وكما نلاحظ في الاقتباسات عن لسان العرب ربط العقل بالقلب، وهو ربط بين الأداة وفعلها، فالفعل القلبي هو التعقّل، والقلب مأخوذ من شدة التقلب، =
وكما نلاحظ في الاقتباسات عن لسان العرب ربط العقل بالقلب، وهو ربط بين الأداة وفعلها، فالفعل القلبي هو التعقّل، والقلب مأخوذ من شدة التقلب، =
ومعنى التقلّب هذا لا يتلائم مع معنى التقييد الذي يُزعم أنه السمة الأساسية للعقل عند العرب، وإنما هو تقييد بمعنى ربط وجمع، لا مجرد المنع،
يمكن أن نخلص إلى ثلاث وظائف لفعل العقل يوحي بها معنى التقييد وهي:١- الكفّ من حيث هو منع عن الوقوع فيما يضر ٢- الضبط والحفظ ٣- الجمع بين أمرين،=
يمكن أن نخلص إلى ثلاث وظائف لفعل العقل يوحي بها معنى التقييد وهي:١- الكفّ من حيث هو منع عن الوقوع فيما يضر ٢- الضبط والحفظ ٣- الجمع بين أمرين،=
والمفهوم الجامع بين هذه المعاني هو (الربط)، فالكف والضبط والجمع كلها ربط،
العقل إذن هو إدراك هذا الارتباط بين الاشياء، أو قل هو إدراك للعلاقات بين الأشياء وما ينتج عن هذا الجمع من معرفة وما موقفنا الأخلاقي منه، وهذا هو معنى الجمع بين البعد النظري والعملي للعقل في الحكمة القرانية.
العقل إذن هو إدراك هذا الارتباط بين الاشياء، أو قل هو إدراك للعلاقات بين الأشياء وما ينتج عن هذا الجمع من معرفة وما موقفنا الأخلاقي منه، وهذا هو معنى الجمع بين البعد النظري والعملي للعقل في الحكمة القرانية.
جاري تحميل الاقتراحات...