"حب الرجال كسحابة صيف عابرة سرعان ما تذروها الرياح" : قالت السيدة رينتشي بحسرة، وختمت عبارتها بتنهيدة طويلة، ثم أردفت بأسى: "لقد رحل فجأة، وهجرني، تاركا وراءه ابنا وحيدا ليكابد مرارة اليتم وحرمان الأب منذ نعومة أظفاره".
"آسف لذلك سيدتي" : قال المحقق الجالس أمامها، وهو يتأملها مشدوها بجمالها، ولعله حدث نفسه قائلا: "أي أحمق يهجر زوجة حسناء كهذه؟"، ثم ما لبث أن استوى واقفا وأردف وهو يهم بالمغادرة : "رجاء لو عرفتي أي معلومة عن زوجك أعلمينا فورا".
"بدون شك سيدي" : قالت رينتشي وهي تنهض لترافق المحقق إلى باب المنزل وتودعه، ثم وقفت تشيعه بنظرها وهو يبتعد مغادرا حديقة منزلها برفقة شرطيين، وما هي إلا برهة حتى لفه الضباب واختفى في ظلمة تلك الليلة الباردة.
أغلقت السيدة رينتشي الباب وعادت لتأخذ مجلسها أمام النار المستعرة في الموقد، وراحت تتطلع إلى صورة زوجها القابعة فوق رف الموقد وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة مشوبة بشيء من المكر والشماتة.
ومرت السنوات، لم يظهر خلالها الزوج المفقود أبدا، لكن ظهر محله رجال آخرون، فامرأة في حسن وثراء السيدة رينتشي لم تكن لتعدم رجالا لاهثين ورائها للفوز بقلبها.
الغريب في الأمر، أن أيا من أولئك الرجال المولهين لم يكن ليبقى مع السيدة ريتشي
أكثر من أسابيع معدودات ثم يختفي بعدها دون أن يترك وراءه أثرا ولا خبرا.
أكثر من أسابيع معدودات ثم يختفي بعدها دون أن يترك وراءه أثرا ولا خبرا.
وكان ابن السيدة رينتشي، لورنزو، يلح في السؤال عن أبيه، فكانت أمه تخبره بأنه هجرهما مع عشيقة له، وأنه ذهب ليعيش معها في مدينة بعيدة، وهناك صدمته سيارة ومات. هذه الرواية كانت السيدة رينتشي تكررها لكل من يسأل عن زوجها، لكن
العديد من الناس كانوا يشككون في صدق الرواية.
العديد من الناس كانوا يشككون في صدق الرواية.
فالزوج المفقود كان رجل أعمال ناجح وثري، وعلى فرض أنه فعلا كانت له عشيقة، فما الذي يدفعه لأن يترك ثروته وأعماله وراءه ليهرب إلى مدينة أخرى. هذه الشكوك دفعت الشرطة لزيارة السيدة رينتشي أكثر من مرة للتحقيق معها، لكن بما أن الزوج لم يظهر، ولا ظهرت له جثة، فلم يكن بالإمكان فعل شيء.
ولتتخلص من إلحاح ابنها، وكذلك ليصفو لها الجو مع عشاقها، أرسلته بعيدا إلى مدرسة داخلية، فصارت علاقته بأمه مشوبة ببعض البرود والفتور، حتى أنه لم يستشرها عندما قرر أن يتزوج إحدى الفتيات، الأمر الذي أوغر قلب الأم بشدة، فهي لم تكن تطيق أبدا أن يهجرها رجل .. حتى لو كان ابنها.
ماذا حدث عندما طلب الابن من أمه مالاً حتى يكون لنفسه عيشةً مستقلة بعد الزواج؟
يتبع 🤍
يتبع 🤍
وذات يوم سأل لورنزو أمه أن تعطيه المال ليشتري منزلا يتزوج فيه، لكنها رفضت إعطائه أي شيء، وأحتدم النقاش بينهما سريعا، فقال لورنزو بأنه لا يريد صدقة لكنه يطالب بحقه الشرعي في تركة أبيه، وردت عليه أمه بأن ليس لديه أي حق عندها. مما أغضبه وقرر أن يأخذ حقه، مستغلا خروج أمه لزيارة صديقة
فراح يفتش المنزل بحثا عن المال وقاده بحثه
إلى قبو النبيذ ولم يكن قد نزل إلى هناك منذ طفولته لأنه مكان مظلم تنبعث منه رائحة كريهة وهناك خلف براميل النبيذ الكبيرة عثر لورنزو على صناديق معدنية كبيرة مخبأة بعناية وعليها الأقفال فأيقن بأن أمه تخبأ المال في تلك الصناديق.
إلى قبو النبيذ ولم يكن قد نزل إلى هناك منذ طفولته لأنه مكان مظلم تنبعث منه رائحة كريهة وهناك خلف براميل النبيذ الكبيرة عثر لورنزو على صناديق معدنية كبيرة مخبأة بعناية وعليها الأقفال فأيقن بأن أمه تخبأ المال في تلك الصناديق.
فأسرع محضرا فأسا كبيرة عالج بها القفل على أحد تلك الصناديق ثم نزع الغطاء متلهفا، وما أن فعل ذلك حتى كاد أن يسقط أرضا من هول المفاجأة، فالصندوق لم يكن يحتوي ذهبا ولا فضة، بل جثة بشرية متحللة!
.. لم يصدق ما رأته عيناه، وسارع إلى فتح صندوق آخر .. وآخر ..
.. لم يصدق ما رأته عيناه، وسارع إلى فتح صندوق آخر .. وآخر ..
وكلها كانت تحتوي على جثث بشرية، فعرف الشاب أخيرا أين أختفى أباه! وأين كان يذهب
أولئك العشاق الذين كانوا يدخلون منزل أمه فلا يخرجون منه أبدا.
أولئك العشاق الذين كانوا يدخلون منزل أمه فلا يخرجون منه أبدا.
حين عادت السيدة رينتشي إلى المنزل، قرر الابن مواجهتها، أخبرها بأنه اكتشف سرها المخبوء في قبو النبيذ، وقال بأنه لن يبلغ الشرطة على شرط أن تعطيه حصته من تركة أبيه، فنظرت إليه أمه بمرارة، ساءها أن يساومها ابنها ويبتزها، لكنها تصنعت الضحك.
وقالت بأنها كانت تمزح معه حينما قالت بأنها لن تعطيه المال الذي طلبه ، فمن لديها أعز منه وأنها ستذهب للمصرف صباح الغد وتجلب له المال، فانفجرت أسارير الشاب واحتضن أمه فرحًا ومعتذرًا عن كلامه.
في تلك الليلة، أعدت السيدة رينتشي عشاءا لذيذا لابنها، ثم سقته نبيذا معتقا كانت بضعة رشفات منه كفيلة بجعله يسقط عن كرسيه وهو يصرخ ويتلوى من شدة الألم، ثم أزرق وجهه وأزبد فمه وجحضت عيناه وهما تنظران بذهول إلى أمه .. أحقا سقته السم! كيف طاوعها قلبها!
أما هي فهرعت إليه تحتضنه وتضمه إلى صدرها وتمسح وجهه بيدها، ثم همست في أذنه قائلة : "لا بأس عليك يا مهجة فؤادي، لن
يطول الأمر، لا تخف يا حبيبي أمك معك .. ولن
تتركك أبدا".
يطول الأمر، لا تخف يا حبيبي أمك معك .. ولن
تتركك أبدا".
وما هي إلا دقائق حتى لفظ الشاب أنفاسه في أحضان أمه التي سحبته إلى القبو وأودعته أحد صناديقها المعدنية ثم عادت لتكمل عشائها وكأن شيئا لم يكن!
ما السر وراء فيرا رينتشي وقتلها للرجال؟
يتبع 🤍
يتبع 🤍
لكن لماذا قتلت كل أولئك الرجال ؟ .. هل فعلت ذلك من أجل المال ؟
کلا، فهي لم تكن معدمة ولا فقيرة، فقد كان السبب في طفولتها المضطربة
ولدت فيرا رينتشي في بوخارست عام 1903، وماتت أمها وهي تلدها، فعاشت مع والدها، وحين بلغت سن الدراسة أرسلها إلى مدرسة داخلية، ومن هنا نشأت أزمتها...
کلا، فهي لم تكن معدمة ولا فقيرة، فقد كان السبب في طفولتها المضطربة
ولدت فيرا رينتشي في بوخارست عام 1903، وماتت أمها وهي تلدها، فعاشت مع والدها، وحين بلغت سن الدراسة أرسلها إلى مدرسة داخلية، ومن هنا نشأت أزمتها...
وتفاقمت عقدتها، إذ شعرت بأنها منبوذة
وشخص غير مرغوب فيه جراء إبعاد والدها لها
وتجلت هذه العقدة في ميلها المبكر منذ مراهقتها لمواعدة الرجال الأكبر سنا، ربما كانت تجد فيهم صورة الأب الذي لم يردها وأرسلها بعيدا.
وشخص غير مرغوب فيه جراء إبعاد والدها لها
وتجلت هذه العقدة في ميلها المبكر منذ مراهقتها لمواعدة الرجال الأكبر سنا، ربما كانت تجد فيهم صورة الأب الذي لم يردها وأرسلها بعيدا.
وكانت معروفة بين زميلات المدرسة بشدة غيرتها وشكها فأجتمعت هذه العوامل معا لترسم شخصية هذه الإنسانة المأزومة المذعورة من أن تتعرض للهجران والنبذ مجددا ولكي لا يحدث ذلك قررت أن تبقي أحبائها إلى جانبها رغما عن أنفهم حتى ولو على هيئة جثث هامدة محشورة في صندوق معدنية في قبو النبيذ!
كانت فيرا جميلة الوجه لكنها تنطوي على نفس في غاية القباحة لا عجب في أن يتعب الرجال من صحبتها سريعا ويفكرون في تركها بعد أسابيع قليلة على ارتباطهم بها وكانت هي إذا أحست بأن حبيبها يفكر في هجرها أسرعت إلى قناني نبيذها المعتق لتمزجها سما زعافا ترسل شاربها إلى القبو مباشرة.
كان أول ضحاياها هو زوجها ومن بعده تزوجت رجلا آخر لم تلبث أن قتلته بعد بضعة أشهر ثم قررت ألا تتزوج أبدا بل اتخذت عشاقا كثيرين انتهوا جميعا إلى قبو النبيذ وكان يطيب لها في بعض الليالي أن تنزل إلى القبو وتجلس بهدوء وسط تلك الصناديق المعدنية المحشوة بأجساد أحبائها وتناجيهم.
المفارقة في قصة السيدة رينتشي هو أن وقوعها في يد العدالة لم يحدث على يد رجل بل على يد امرأة مصابة بنفس الداء الذي تعاني هي منه أي داء الشك والغيرة الشديدة، هذه المرأة كانت تشك في زوجها فكانت تراقبه وذات ليلة تبعته خلسة ورأته يدخل إلى منزل السيدة رينتشي ولم يخرج أبدا.
فتوجهت إلى الشرطة بعد عدة أيام وأبلغتهم عن اختفاءه فقامت الشرطة بمداهمة منزل السيدة رينتشي وبتفتيش قبو النبيذ عثروا على الصناديق المعدنية وأكتشفوا الجثث داخلها. بالمجموع كان هناك 32 جثة لرجال من مختلف الأعمار وكانت جثتهم على درجات مختلفة من التحلل حسب المدة التي مرت على موتها.
تم القبض على السيدة رينتشي أخيرا واعترفت بكل شيء، وتمت محاكمتها، ونالت حكما بالسجن المؤبد، وماتت في زنزانتها بعد سنوات قلائل.
يجب التنويه أخيرا إلى أنه يوجد هناك من يشكك في حقيقة قصة السيدة رينتشي ويعتبرها من الأساطير الشعبية، فيما يرى آخرون بأنها قصة واقعية حدثت فعلا في رومانيا. وبغض النظر عن الحقيقة فقد نالت
القصة شهرة واسعة، خصوصا وأنها ليست بعيدة عن الواقع...
القصة شهرة واسعة، خصوصا وأنها ليست بعيدة عن الواقع...
فعلى مر التاريخ كانت النساء معروفات بميلهن للأسلوب الناعم في اقتراف الجرائم، ومعظم القاتلات المتسلسلات المشهورات استعملن السم، خصوصا الزرنيخ، لاقتراف جرائمهن.
المصادر:
بتصرف لمقال كتبه (إياد عطار. ٢٠١٨. فيرا رينتشي)
+
jhmoncrieff.com
+
unknownmisandry.blogspot.com
+
en.m.wikipedia.org
بتصرف لمقال كتبه (إياد عطار. ٢٠١٨. فيرا رينتشي)
+
jhmoncrieff.com
+
unknownmisandry.blogspot.com
+
en.m.wikipedia.org
بالنسبة لكم، القصة:
جاري تحميل الاقتراحات...