بندر الغميز
بندر الغميز

@BAlghmaiz

24 تغريدة 1,945 قراءة May 14, 2020
في مثل هذا اليوم 14 مايو وفي مثل هذه الساعة تحديدًا قبل عشر سنوات وصلت واشنطن قادمًا من حارة العنوز الشعبية بجنوب الرياض، وبدأت يومي الأول في رحلة الابتعاث في تخصص اللغويات التطبيقية وكل شيء أمامي كان مجهولًا، لغتي صفر، ثقافتي في السفر صفر، معارفي في المكان صفر، إلا الحماس ألف.
أتذكر جيدا ترددي باتخاذ القرار، الخوف من الفشل، ماذا سأقول لأبي وأنا ابنه الأكبر بين ست خوات وقد تحمل عبء غيابي لو فشلت، أتذكر انتظاري صعود الطائرة في مطار الملك خالد والمبتعثين يضحكون ويمزحون وأنا أراقب من بعيد وأتساءل هل بكت أمهاتهم مثل أمي، هل هم واثقون بالنجاح أم غير مبالين؟
عندما وصلت مطار دالاس في واشنطن أخرجت بعض الأوراق التي كتب عليها صديقي الاتيكيت في الرياض أن هذا الكائن اللطيف لا يتحدث الإنجليزية وهو طالب مبتعث ما يدري وين الله حاطه الخ... وبعدما استدعاني ضابط الجوازات للختم على جوازي سألني سؤالًا ومن الربكة ضحكت، فقال:
why are you laughing?
جاوبته yes I love America .. فاستدعى سيدة سودانية تعمل معهم وقالت لماذا قلت "أنا أحب أمريكا" جاوبتها لأنه سألني ماذا تحب، فقالت هو يقول laughing وليس love فشرحت هي له وضحك الضابط فقلت له now laughing .. وبدأت رحلة تعلم اللغة في أمريكا مع هذه الكلمة.
كان النظام حينها مكوث المبتعث يومين في واشنطن لفتح الملف في الملحقية التي تتولى شؤون إقامته حتى يغادر لمدينته الجامعية وكانت وجهتي هي East Lansing في ولاية ميتشغان التي لم أتصور يومًا أنها ستحتضن ذكريات صعبة وفريدة في حياتي، بدايتها بضياع شنطتي اليدوية وفيها جوالي ومحفظة النقود.
غدًا -إن شاء الله- أكمل كيف خرجت من هذا الموقف الصعب الذي جعلني تائها في المطار عشر ساعات فلا لغة تسعفني ولا مال يحفظ وجهي ولا هاتف يهون علي.
@daliary18 آمين
عرفت حينها أنني في ورطة حقيقية داخل مطار صغير في مدينة صغيرة، لا لغة تسعفني ولا نقود تحفظ ماء وجهي ولا جوال يسليني، فكانت الخطة A وبعد ساعتين من التوهان هي البحث عن أي عربي، ولكني تفاجأت أنه لا أثر للمسافرين وعدد العاملين يقل بشكل ملحوظ ثم بدأت الإضاءة تخفت تدريجيًا وخرج الجميع!
فخرجت معهم ثم أغلق المطار وكأنهم يغلقون بقّالة المشارب في حارة العنوز، هنا تذكرت أن صديقي الاتيكيت قال لي ذات يوم أن معظم سائقي سيارات الأجرة في أمريكا عرب، فقلت الخطة B إذن المشي على الأقدام حتى أصل لشارع عام، فطال المشي ساعة ولم أصل لشيء ولم أرَ بشر ولا بنايات فعدت من حيث أتيت.
هنا تفاقم شعور التوهان مع الشعور بالإرهاق من الجوع وسحب أمتعتي التي وضعت فيها أمي كل شيء إلا المصحف تقول أخشى أن يسجنونك ووعدتني بأن ترسله لاحقًا، فكان لا بد من تفعيل الخطة C وهي كسر الخجل والتحدث مع أي أمريكي أصادفه وأشرح له ولو بلغة الجسد أني في ورطة، حتى وجدت السيد ماثيو.
بعد خمس ساعات من وصولي بين البحث عن الحقيبة ثم توهان ومشي مسافة طويلة، تجرأت وتحدثت للسيد ماثيو وهو رجل أبيض ضخم ومبتسم من ذوي السترات الصفراء في المطار، وقفت أمامه وقلت help no mony me new، من شدة تلبسي لدور الغريب المسكين كدت أن أهز رأسي هزة يمين وهزة يسار..!
حاول ماثيو التواصل معي بالإنجليزية ولكن لا جدوى، وكم أتمنى أن أسمع الآن ماذا كان يقول يا ترى! رفع هاتفه وتحدث طويلا بحماس ثم اتصل مرة أخرى واستغرقت مكالمته وقتا طويلا، فمرةً أقول هل هو يتصل بالشرطة أم السفارة أم يخطط لسرقة حقائبي أم ماذا يا ترى!
واستمرت اتصالاته ساعة ونصف تقريبًا
ملّ ماثيو من الانتظار وبدا عليه الطفش ثم ذهب ليحضر سيارته الفان وقال اركب معي، ضخامته وهو يقول اركب وبعد المكالمات الطويلة التي أجراها ذكرتني بمشاهد الاختطاف في الأفلام، تخيلت أني مكبّل على كرسي وعلى فمي لاصق فضي ومرة أتخيله يقتص لأحداث 11 سبتمبر بالانتقام مني، ومرة أحسن الظن..
بعدما شعر بترددي قال police .. قلت ok ومع وصول الشرطة رن هاتف ماثيو وأعطاني إياه قلت هلو ثم سمعت ألطف وأحن وأدفأ "الحمدلله على السلامة" في حياتي، ثم واصل "معك أخوك نصار النصار عضو النادي السعودي وقالوا إن بُه عامل بالمطار كلم الجامعة تتواصل معنا وعرف انك طالب بجامعتنا من الفيزا"
تنفست الصعداء، وفهمت شعور شاعر المهجر دموس إذا سمع العربية
لغــــةٌ إذا وقَعَتْ على أسماعنا ... كانتْ لنــــا بـــــــرداً على الأكبادِ
سـتظلُّ رابطــــــةً تؤلّــــفُ بيننا ... فهي الرّجـــــــاءُ لنــــاطقٍ بالضادِ
أنا كيف سرت أرى الأنام أحبتي .. والقوم قومي والبلاد بلادي
وصل نصار بسيارته الجيب بعد ساعة ونصف لبعد المطار، أخذته بالأحضان كأني أعرفه من سنين، فكان الدرس الأول في اليوم الأول في مدينتي الجامعية "إدراك مشاعر المغترب في بلدي، والدور العظيم للأندية السعودية في الخارج" ثم بدأ نصار يتجاذب الحديث مع ماثيو وأنا مذهول من لغته وأراه سوبرهيرو
كنت أفكر وأنا معه بالسيارة كيف فاوض المعرض بالسعر، كيف فهم العقد، وعشت تفاصيل كثيرة تتطلب لغة وبدأت أقلق وأشعر أن المهمة ليست سهلة أبدًا، قلت له أخوي نصار معليش سهرناك، قال لا ما عندي كلاسات أنا في مرحلة التحضير لاختبار الدكتوراه الشامل لجميع ما درست وشايل هم ما أعدي ثم يرجعوني.!
هذه كانت ثالث أسوأ جملة سمعتها في الغربة، لأني بدأت أقلق من حينها لهذا اليوم الموعود، وأنا ابتعثت للغة والماجستير والدكتوراه في اللغويات التطبيقية وشهادتي البكالوريوس لغة عربية، وكان صديقي @FaisalAlrakaf أول من زاملني في المعهد المستوى الأول واقترح الأستاذ أن يضعني في المستوى صفر
وتفاجأت أن هناك مستوى اسمه صفر، أما بالنسبة لثاني أسوأ جملة سمعتها هي عندما قال لي دكتور لغويات مغربي في الجامعة، تخصصك يحتاج درجة عالية في التوفل كما تحتاج أن تطبق بتدريس اللغة الانجليزية في المعهد، يعني باختصار يتوقعون مني بعد مدة أن أعلم في المعهد الذي وضعني بمستوى صفر، نعم 😰
هذا كله يهون عند أسوأ جملة سمعتها وكانت بعد ثلاثة أشهر من دراستي في المعهد، وكنت حينها أجهز ملف التقديم على برنامج الماجستير، أخبروني بأني لا بد أن أكتب للجنة القبول رسالة راقية بلغتها ومؤثرة بمحتواها تعبر عن هدفي من الدراسة، فأرشدني المغربي لدكتور سعودي وصفه باللغوي العبقري..
هذا العبقري في الوقت الذي كان يناقش فيه رسالة الدكتوراه في الدور العلوي كنت أدرس أنا A,B.C.D في الدور الأول، وهو مسؤول كبير الآن وقد يقرأ هذه التغريدات، قال لي: المفترض أنك بكالوريوس انجيليزي، وماهي علاقة العربية باللغويات، كيف لغتك؟ قلت له بالمستوى الصفري، قال: "لا تضيع شبابك".
ثم أسهب: "كل المتقدمين لغويون متمكنون، ويحللون اللغة فضلا عن التحدث بها" هزني كلامه وكان هو السعودي اللغوي الوحيد في الجامعة، لخبط أوراقي،، ماذا عن طموحي؟ هل أتراجع قبل أن يشيخ أبي؟ أمامي ثمان سنوات مشوار دراسي بلا قبول وبلا لغة؟
آذاني كثيرًا من حيث لا يعلم.
لا سيما وأن تطوري في اللغة كان ضعيفا وأنا أبذل قصارى جهدي، ولم أعتد أن أسمع معلمًا لي في حياتي يقول للطلاب "من يتطوع يشرح لبندر بعد الصف"، حتى حدثت لي قصة اشتهرت بين صفوف المعهد والطلبة السعوديين عندما هددت جاري بالقتل من غير قصد وتواصلت الشرطة مع المعهد..
وقد كسبت التحدي هنا 👇🏼مع @FaisalAlrakaf بصعودي للمسرح بلغة "مشي حالك" لأشارك قصة تهديدي لجاري..
في تغريدات قادمة سأذكر كيف تجاوزت هذه المرحلة وتخرجت -بتوفيق الله- بمعدل ٤/٤ في الماجستير والدكتوراه، وعندما عرفت السر عدت للوطن بثلاث لغات شاركت بها جميعا بمؤتمرات علمية.
فاصل:
١- أنا هنا أنقل تجربتي التي تشبه في كثير من ملامحها تجارب آلاف المبتعثين والمبتعثات، وكثير منهم واجه تحديات أكبر بكثير مما واجهت.
٢- اللغة العربية أضافت لي كثيرًا في دراسة التخصص وبعد التخصص، وربط تخصص اللغويات بالإنجليزية نظرة قاصرة فاللغويات شيء والتخصص في اللغة شيء آخر.

جاري تحميل الاقتراحات...