Dr. Rami Arabi
Dr. Rami Arabi

@Rami_Arabi93

21 تغريدة 141 قراءة May 14, 2020
السؤال هنا :"هل يجوز قتل انسان بريء لتحقيق غاية ربما تكون شريفة".. كان "راسكولينكوف" بطل الرواية يعتقد بهذا الرأي، رواية الجريمة والعقاب هي ليست فقط رواية بل دراسة نفسية لتقلبات مشاعر قاتل، ربما لن يكون فهمنا لدوافع القاتل صعبا اذا علمنا ان اسم "راسكولنيكوف" بالروسية تعني المنفصم
لن اتحدث على الرواية بشكل كامل وكل مافيها من صراعات ورموز، لكن هذا ال Thread مخصص لإلقاء الضوء قليلا وبشكل متواضع على فكر القاتل ولماذا ارتكب الجريمة..
تعتبر الجريمة والعقاب من اهم أعمال "دستويفسكي" ، الذي اشتهر بكتاباته الفلسفية والتحليلية للإنسان، دائما يأخذنا دستويفسكي لما هو اعمق، فهو لا يكتب عن الجريمة بل الاسباب النفسية التي ادت اليها، لا يكتب على المجرم بل جوهره و مشاعره..
المميز هنا انه وانت تعلم من هو القاتل من الفصول الأولى، إلا ان سحر دستويفسكي يجعلك تريد ان تكمل الرواية لترى ماذا سيحدث لهذا المجرم وكيف سوف يتصرف..
يمكننا تتبع سبب الجريمة بالمدينة التي كان يعيش فيها "راسكولينكوف" فالكاتب يصف مدينة بطرسبورغ بأنها مدينة مليئة بالناس، قذرة، يقضي الكثير من الناس وقتهم في الشرب والسكر وتستطيع رؤيتهم دائما يترنحون في الشارع .. مجتمع على شفى انهيار بسبب الظلم
هذه الصورة العامة كانت احد أهم أسباب عزلة "راسكولينكوف" وشعوره بالانشقاق وعدم الانتماء وربما ايضا العدائية تجاه مجتمعه، وعندما يجتمع عدائية الشخص لمجتمعه وشعوره بأنه غريب عنه مع وضع اقتصادي متردي.. تبدأ الأفكار "في العزلة" تستولي على "راسكولينكوف"
فهو يعتقد بشكل تام ان جميع الرجال العظماء في التاريخ مثل "نابليون" مثلا لم يقدروا على تحقيق أهدافهم الا بالتخلص بالبداية من "العقبات" والعقبات هنا يقصد فيها "قتل بشر" يقفون حاجز بين الشخص وتحقيق اهدافه.. لفهم فكر "راسكولينكوف"، اقتبس التالي :
((.. إن الرجال ينقسمون ، بحكم قوانين الطبيعة ، إلى فئتين ، بوجه عام : فئة العاديين الذين لا وجود لهم إلا من حيث إنهم مواد إن صح التعبير ، وليس لهم من وظيفة إلا أن يتناسلوا ، وفئة عليا هي فئة الخارقين الذين أوتوا موهبة أن يقولوا في بيئتهم قولا جديدا..))
((.. فالفئة الأولى من الرجال هي سيدة الحاضر ، والفئة الثانية هي سيدة المستقبل الأولون يحفظون العالم ويزيدونه ، والآخرون يحركونه ويقودونه إلى غاية ..))
و يقول في وصف الفئة الثانية (الخارقون) : ((.. فإذا وجب على أحدهم ، من أجل تحقيق فكرته ، أن يخطو فوق جثة، أو فوق بركة دم، فإنه يستطيع أن يعزم أمره على أن يخطو فوق الجثة أو بركة الدم مرتاح الضمير، وكل شيء رهن بمضمون فكرته، وبما لها من أهمية طبعا ..))
فعندما كان "راسكولينكوف" يحمل هذا الفكر و يكره مجتمعه واضف لذلك الظروف الاقتصادية القاهرة، نبتت فكرة قتل امرأة عجوز.. لأن "راسكولينكوف" يشعر بأنه سوف يكون مفيد للمجتمع اكثر لانه شاب (و خارق) ، فلا حاجة للمجتمع بتلك العجوز المكروهة التي يرهن لديها الأشياء مقابل مبلغ مالي..
يذكرني هذا الفكر بواحدة من أهم وأعمق الجمل التي كتبت في مزرعة الحيوان لجورج اورويل :
((.. جميع الحيوانات متساوية، لكن بعضها أكثر مساواة من غيرها ..))
كما نرى لمحة قريبة لهذا الفكر في فلسفة نيتشة في كتابه "هكذا تكلم زرادشت".. فقد طرح فيه بشكل واضح فكرة "الإنسان الأعلى" او بالألمانية "Übermensch" ، لقد ذكرت ان هناك لمحة قريبة ولكن ليست مطابقة، فهي قريبة لأن نيتشة كان يرى ان الانسان الاعلى لديه الاحقية بأن يفكر بشكل أناني
وهذا مشابه لفكر "راسكولنيكوف" الاناني بأن له الاحقية في قتل العجوز وأنه يضع نفسه مصاف فئة بشرية أعلى مرتبة من فئة أخرى ليحصل على المال ويعيش حياة كريمة ويفيد العالم إن أمكن،
جميلة احيانا التعبيرات اللغوية المستخدمة من نيتشة، فباللغة الالمانية هناك كلمتان تعطي معنى "فوق" وهما auf و über.. فعندما تقول ان المفتاح auf الطاولة ، فالمقصود ان المفتاح هنا "متلامس" مع الطاولة وفوقها لكن المصطلح المستخدم هو über دلالة انه فوق الشيء بدون تلامس او اتصال
فكلمة Übermensch ( كلمة Mensch تعني انسان او بشر) لنيتشة تعبر ان الانسان الاعلى ليس على تواصل مع البشر العاديين (أو الحاليين) .. ربما ليست نقطة مهمة للذكر لكن جميل معرفة تفاصيل الأشياء والجمال دائما يكمن في التفاصيل..
بعد ارتكاب جريمة القتل عانى "راسكولينكوف" من الهذيان غير مصدق انه ارتكب تلك الجريمة الوحشية، و أصبح طريح الفراش لأيام.. و تيقن بعد مرور الوقت انه ليس بإنسان خارق او نابليون جديد و نرى ابداع دستويفسكي في تصوير الكثير من المحادثات داخل عقل "راسكولينكوف"
فكان يشعر بالكراهية لنفسه واليأس و يشك في كل شيء،، اقتباس : ((.. كان كلما رأى أحدا إلا وظن بأنه يعرف حقيقته وجرمه ..))، وبلغ الأمر الى أن قال : ((.. أيكون هذا هو العقاب؟ نعم، نعم، إن هذا هو العقاب ..)) وهنا يتحدث "راسكولينكوف" عن العذاب النفسي الذي أثقل كاهله..
العذاب النفسي هنا هو العقاب بعد الجريمة، هذا الشعور بالذنب لم يجعل "راسكولنيكوف" ينال الراحة لا لدقيقة واحدة بعد ارتكابه الجريمة ، الشعور الداخلي الذي سوف يبقى معه للابد يؤرقه ويقوده لحافة الجنون..
أخيرا ربما أراد دستويفسكي بين السطور ان يطرح سؤال فلسفي يستوجب التفكير : اذا كانت الاسباب مثل الظلم و الفقر و سوء الأحوال جعلت راسكولينكوف يقتل العجوز.. فإذا اعتبرنا ان راسكولينكوف هو منفذ للجريمة تحت تأثير تلك الأسباب والتي ان لم توجد فلن يقتل، فمن هو "القاتل الحقيقي" ؟
".. اطمئنوا، الجحيم يتسع للجميع، الأمر لا يستحق هذه المنافسة بينكم، فيمن سيكون الأسوأ .."
~ دستويفسكي

جاري تحميل الاقتراحات...