30 تغريدة 123 قراءة May 13, 2020
" ونريد أن نمنّ على الذين استُضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين"
هي بحقّ أم الملاحم الإنسانية على مرّ روايةالتاريخ البشري،
قصة موسى عليه السلام من حيث استهلالها قرآنياً في سورة القصص..
في إشارات مقتضبة سنتناول القصة القرآنية
بوصفها سيناريو
(ثريد)
مثلما افتتح القرآن قصة يوسف بحروف مقطعة، فتأكيد على عظكة آيات القرآن، فدخول مباشر إلى القصة من مبتدأ السورة..
في سورة القصص نجد نفس المقاربة: "نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق"، في قصة يوسف "نحن نقص عليك أحسن القصص"
استطردنا لجمالية "أحسن"
والآن سنسترسل مع معنى القصص "الحق"
لماذا تقدمة القصة "بالحق"؟
لإثبات واقعيةالقصةأولاً، ولنهوضها بواجبها التاريخي الحقيقي
فالملاحم في تاريخ الإنسانيةأبدعت في دمج الواقع بالخيال لحيازةمملكةالتاريخ، هذه وظيفتها: التاريخ يُكتب إبداعاً من القصة..
ستجد ذلك في كل ملاحم الشعوب: الإلياذة/ المهاربهار/ الشاهنامة/ إنكيدو/إلخ
إذن،نحن نتحدث عن أكثر من ست آلاف سنة من كتابةالقصة الملحمية والتي تروى بماء واحد، لكن تمايز عظمة هذه الملاحم يرجع أولاً وقبل كل شيء لهندسةبنائها..
القصةالملحمية تدرج في الخلود كلما نزع مبناها إلى الحبكة المثلثة، حيث يتغير البطل من إنسان عادي لأخر فوق الواقع، مع تغير معطيات صراعه
بالنسبةلي شخصياً فإن أعظم ملحمةكتبتها حضارات الشرق الأوسط كانت ملحمةجلجامش-بلاد مابين النهرين قبل خمسةآلاف سنة، تصميم شخصية البطل وصراعاته حتى يتحول إلى ملك، حيث يلتقي بغريمه المضاد (أنكيدو)،ليكون أصدق أصدقائه،من ثم يتغير مسعاه بحثاً عن الخلود بسبب موت أنكيدو
مثلث حبكة ما أروعه
وهذا يعيدنا إلى قصةموسى القرآنية، حيث هي أكثر القصص تناولاً في القرآن الكريم، تعددت مناظيرها وفصولها بشكل غير مسبوق..
لكن قصة الاستهلال لم ترد في القرآن إلا في سورة القصص، كما أن قصة استهلال عيسى عليه السلام لم ترد إلا في سورةمريم..
وهنا إيجاز في تصميم السورالقصصية في القرآن
سورة القصص نزلت قبل سورةيوسف، يتماثلان في ديباجتها (الحروف المقطعة. آيةتعظيم للقرآن. دخول مباشر في أجواءالقصة)
ولو راجعنا السور المبتدئة بالأحرف المقطعة، سنجد ثمانيةمنها بنفس الديباجةالموضوعية، خمس منها تتطرق إلى قصةموسى باختلاف منظورالقصة (القصص/ طه/ الشعراء/ النمل/ الدخان)
سنركز على مثلث الحبكةفي سورة القصص، والذي فاق كل ما كتبه التاريخ البشري من ملاحم
كما سنتطرق إلى القصةمن مصدرها التوراتي للمقارنة كلما حل بنا المقام
بادئ ذي بدء من بذرةالنبوءة والمتناقلة عبر أجيال الاستضعاف، ليس بين بني إسرائيل فحسب، بل بين مخطوطات البلاط الفرعوني نفسه..
نفس مقاربةفيلمTerminator إذا أردناالتمثيل بالسينما، أن يُقتل البطل المخلص من قبل ولادته
استعباد بني إسرائيلهم وتحويلهم إلى بوليتاريامسحوقة، مشروع سياسي يرمي إلى التخلص من ذكورهم واستحياء نسائهم،لأن هاجس الخوف متوغل ببارانويا السياسة. هذا التخوف تاريخي منذزمن إبراهيم عليه السلام
هذه النبوءة تناقلها البلاط الفرعوني ولم يغضض طرفه عنها، أجيال من البحث عن المخلص المستحيل بين المعسكرين..
ومن هنا تتمدد شخصة موسى ليكون ما قبل تاريخه حتى، ليكون نداً متكاملاً للجبروت التاريخي.
إذن بدأت القصة من السالب1 في مقابل المليون، وبعدها حلّت كلمةالإرادة العليا فتهيأ العالم
أشد ما يفتنني في مثلث الحبكة القرآني، أن التقابل المضاد بين ضلعي المثلث لا يتمحور حول البطل وضده فقط
منذ مبتدئه الضعيف لنقطةتحوله إلى بطل بعدالوصول لنقطةالصراع العظمى..
قصةموسى مصممةوكأنها أرابيسك تقابلات بين خطي البطل وضده، ويتمحورخلاصه على ثلاث منطلقات "خروج" للبطل حتى يجد نفسه
أرجو أن تتأملوا في مخطط حبكةالمثلث هذا..
ستجدون المثلث الرئيسي يتحول إلى مايشبه الماسةمن تعدد مستوياتها
إلى جانب تقابل(موسى/ فرعون)
هناك ثلاث تقابلات مدهشة لكل ضلع على طول خط تحول موسى من الربيب إلى النبي المخلص، وتحول فرعون من الأب السياسي للإله الزائف
وثلاثةتحولات خروج سنفصلها
(ثلاثية الخروج)
وكلها تبرز في القصةعلى ذات طريقةغريفيث في الإنقاذ/التحول في لحظتهاالأخيرة
1- إرهاص الخروج، الخروج من القاعدة
" وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألفيه في اليم"
2- الخروج الذاتي
" وجاءرجل من أقصى المدينةيسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج"
3- الخروج الملحمي
" أن أخرج معي بني إسرائيل"
هنا نكون في آخر منحنى للذروة قبل اصطدام الضلعين في الزاويةالحرجة
لاحطوا أن كل "خروج" يحول شخصيةموسى إلى شخصيةأعمق وأكثر نضجاً من الداخل، كل ذلك حتى يكون مضطلعاً بدوره ومسؤوليته الكبرى في مدى 120سنة مقسمة على ثلاث أربعينيات حسب المأثور
(رحم الإرادة: المرأة)
هذا جانب بديع لم أره في كثير من الملاحم لأنها متمحورةحول البطل، صحيح أن أغلبهم أبناءأمهاتهم، لكن لم يكن للأم أن تكون مركز حدث في دفع منحنى الصراع
في القصة التوراتية:فرعون الذي احتوى موسى ليس من حاربه، إنما هما بمثابةالأخوين
تقابل المرأتين في القرآن أجمل بحق
أن تبدأ القصةبأكبر الفجوات في منحنى القصة:
أن تلقي أم بابنها الرضيع في النيل موكولاً إلى"حدسها" الأمومي أعظم ند لغريزتها. هنا يتبلور الخروج الأول برغم ضيق مساحته قوياً بالغ التأثير، لا يقل عن فصلي الملحمةالثاني والثالث.
ومن هنا.. نذهب إلى تقابل أم موسى: امرأةفرعون، وبنفس الزخم
الأمومةالمانحةبالفقد(تقابل)الأمومةالفاقدةبالمنح، وما بينهما مجرى للنيل يفصل بين ضفتين
" إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين" في إمضاءإرادتهم كما يتصورونها، لأن الإرادةالعليا تنزلت لتربط خيوطهما بحسهما الأمومي متسامياً على ثنائيةالسلطةوالقهر، التاريخي والسياسي، الممكن والمستحيل
مسار الخروج الأول إلهي محض، لا للبطل ولا لعدوه ولا لأمه ولا لأمه البديلة أي اختيار فيه، لكنه اختيار فطري/ غريزي غير شفرةالواقع من أعمق أعماق حدس المرأة(القشعريرة تأكلني الآن من هذا الجمال يالله!)
ومن هنا وعلى عكس الملاحم، يهبط منحنى الصراع ليكون على نسق البذرةالكامنة. لكن ليس بعد
كل الملاحم التاريخيةالإنسانية لها قاسم مشترك "القهريةالقدرية" لذلك أغلبها تقدم على أنها "ملحمةمأساوية"، هذه القهرية تجعل الدافعين لمسار الحدث أشبه بدوائر تموج سطح الماء، يختفون ما إن يؤدوا الدور المناط بهم لدفع حركةالقصة، ما يهم البطل والبطل فقط..
لكن القرآن يصر على إذابتنا أكثر
وليس بأسلوب المونولوغ الذي يفرغ القصة من زخمها
" وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً إن كادت لتبدي به"
ليأخذنا القرآن في خضم جريان نهرالأم الذي ما إن يفيض حتى يرتمي على الجغرافيا ويغيرها، هي القوةالدافعة المضادة والتي أفسح القرآن مجالها لتكون كما خلقها
وكل النساء يعرفن إحساس الفؤادالفارغ
لتستمر الإرادةالعليا في نسج خيوطها من خلال أعماقنا البشرية، وليعود موسى على الوعد، لا لشيء يخصه هو أو الملحمة، بل لشيء يخص أمه: أن تطمئن، أن تحتوي، أن يعود إلى حضنها وعلى نفس الخط المقابل، أن يترع قلب أم فرعون بالحب ليعيد تنشئتها من بدئها كامرأة أخرى
(الخروج الثاني: الخروج الذاتي)
وهو أكثر المنحنيات "قهرية" في قصةموسى، لأن كل شيء انقلب إلى نقيضه في لحظات، عاد إلى الضفةالأخرى ليبحث عن ذاته، لم يصغ القرآن المسألةفي فلسفيات، بل بفجوات إرادة واختيار عليه يحدد البطل ونحن أي إنسان هو.. ينتصر لبني جلدته في المرةالأولى، ويعودللثانية
حيث يمكننا أن نألف مركب اللامنتمي في شخصيةموسى تلك الفترة، ونزعته لا تهدأ بل تدفع بخط القصة لحدةأكبر، الآن يفطن البلاط أن عدوه الهائل arch nemesis كان نائماً بين فكيه طيلةالوقت، وأن النبوءةأخذت في التحقق من أغرب نقطة.
هنا يدفع القرآن بخط الأحداث بنفس نسق النهر وهويأخذ تابوت موسى
"وجاءرجل من أقصى المدينةيسعى"
البلاط أخرج زبانيته في إثر موسى، لكن حل هذه العقدةكانت في "رجل"، ليس بالمعنى المعهود إنما "رجل" أي على رجليه، تأخذنا الكاميرا في مجرى متقلب آخر، رجل يلهث ويتجاوز الأزقةالضيقة على طرقات مختصرة ليسبق الركب الثقيل
"اخرج!"
ومنها خرج موسى خائفاً يترقب
ليعودالقرآن مؤكدا على واقعيةالملحمة، موسى سيظل مترقباً يلتفت خلفه إلى نهايةالقصة، هذا الفرَق هوالذي ألجم شخصيته الكاسحة،هو الذي استغرقه في التأمل،وأن يجدنفسه في أشياءبسيطة وأن يكون معطاء، هكذا تأقلم موسى مع نفسه متوقعاً أن نهايةالقصة أن يجد نفسه فحسب
ليأتي التحول الثالث:
النبوّة
(الخروج الملحمي)
لاحظ أن في نسخةسورةالقصص انعطف القرآن على أحداث معروفة،لأنه يركز على حبكةالمثلث الملحمية..
ليعودالابن الضال بغير ما ذهب، وليأخذمنحنى الصراع أقصاه،لم يعد طلباً للعفو، بل جاء تأكيداً على النبوءةالتاريخيةالمرعبة
وهنا يأخذ فرعون في التحول من السياسي إلى الإله الزائف
وهو أمر بديع قلّما تجده في الملاحم،أن نتعمق ونستبطن شخصيةفرعون في تحولاتها كذلك باتجاه المصب الحتمي(لاتوجد شخصية استبطنت في القرآن كشخصيةفرعون، إنها شخصيةتذهلنا بواقعيتها وبالوجه المخفي خلف القناع)
ثنائيةالاستبطان ما بين موسى وفرعون هو خط صراع وتقابل آخر
لتتهيأ القصةلصراعهاالأخير
يأخذ الفصل الثالث طابع الترددالعنيف (أخرجهم/ لا- معجزةكاسحة-حسناً سنخرجهم فقط أوقف ذلك- مزيد من الاستعباد، أخرجهم/ لا وهكذا) وهو مايسمى بالبريبيتيا
كل ذلك حتى نستنفذ جميع الخيارات،حتى تصل الشخصيات إلى قعر تحولها لتؤمن به
في الملاحم هنا حشدالبطولات والصراع شبه المتكافئ(ليس نظريا)
لكن القرآن يسلك بالقصةمسلكاً آخر (ليست قصةداوود وجالوت)، هي قصة خروج Exedous ملحميةالذروة إنما تنبع من الداخل، من حيث ركب فرعون مركباً صعباً وتدثر بعباءةالإله فقط ليحافظ على مكسبه السياسي..وقد كان!
حتى هذه المشهديةالخالدةتجاوزها القرآن هاهنا، لأنه يعد لالتقاءالمثلث بحق في الآخرة
ثم يختم القرآن قصته بذلك الأسلوب البديع والغامر
يمربمحمد عليه الصلاةوالسلام وبنا بمشاهد مكثفةلم يؤرخها الإنسان كمايجب:
"وما كنت بجانب الغربي"
"وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم"
"وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون"
مؤكداً على نسيج الإرادةالعليا
بلحظات خافتةكهذه كُتب التاريخ!.

جاري تحميل الاقتراحات...