د. عبدالله الشمراني
د. عبدالله الشمراني

@shamrani45

20 تغريدة 6,521 قراءة May 11, 2020
[قصتي مع أهل حائل]
قبل سنوات سمعت أن حائل، بها كنز من المخطوطات، وبها مكتبات عائلية خاصة، لعلماء كبار، منهم حمود الشغدلي، وصالح الطويرب، وعلي اليعقوب رحمهم الله.
فقررت السفر إليها، للبحث عن المخطوطات وتصويرها، ولكن واجهتني معضلة جهلي بالمدينة، فلا أعرفها، ولا أعرف أحدا فيها.
حضّرت أغراضي وأهمها (الشماغ)، فأنا لا ألبسه مطلقا، ولم أتعود عليه، (ربما لكوني جداوي!)، وقيل لي القوم هناك عربٌ أهل عادات وتقاليد، ربما لا يتقبلونك طالب علم كاشف الرأس.
استعنت بالله وحزمت حقيبتي، وانطلقت إلى المطار، مرتديا شماغا جديدة، وكأني أحمل كيس شعير على رأسي...
وبين لحظة وأخرى أضع السبابة والإبهام على (المرزاب) لأتأكد من وزنيته، وأنه على منتصف الرأس.
وصلت مطار حائل، وكان هادئا، والأمور تسير باعتياد، ذهبت إلى سير وصول الأمتعة وأخذت حقيبتي، وتوجهت إلى بوابة الخروج.
كان في استقبالي شاب حائلي، كان قد كلمه شخص لاستقبالي، فأخذني إلى بيته.
وأكرمني بوجبة غداء جملية جميلة، وليس لي قبل ذلك علاقة بلحم الجمل، إلا ما أقرأه عنه في كتب الفقه، وأنه ينقض الوضوء.
قلت له بعد الغداء: هيا لننطلق إلى البيوت بحثا عن المخطوطات. فأجابني مبتسما، خدمتك في ذلك، وقمت نيابة عنك بزيارة البيوت المقصودة، وأخذت منهم المخطوطات المطلوبة.
كنت قد كلمته هاتفيا، قبل وصولي، وحددت له المنازل، على أن أقوم بذلك عند وصولي، فقام هذا الشاب الحائلي، بالمطلوب نيابة عني، قبل مجيئ، ولم أكلفه بذلك، لعلمي بالحرج في التردد على المنازل.
ربما بقي علينا بيتا أو بيتين... لا أذكر.
قمت بالمطلوب بمساعدته، وجمعت المخطوطات المطلوبة.
والغريب أن العوائل الحائلية التي قصدناها، فيها سماحة عجيبة، وكرم نبيل، يسلموننا مخطوطات نفيسة، دون تردد، ودون توقيع وصل بتعهد الاستلام والتسليم، ودون مبلغ تأمين، ودون الزامي بإحضار آلة تصوير لتصويرها أمامهم، دون أخراجها من المنزل، كل همهم إكرام طالب العلم.
لم أر مثل هذا في حياتي!
كان المعهد العلمي بحائل ضمن الوجهات، فلديه مخطوطات ترجع لأحد علماء حائل، تُوفي فخاف الورثة ضياعها، فأهدوها إلى مكتبة المعهد العلمي، حفاظا عليها، وليستفيد منها طلاب العلم.
لو باعوها لكسبوا ذهبا، لكنهم قدموا الآخرة على الدنيا، وأكرموا ميتهم، وأناروا قبره.
كان مدير المعهد، متواضعا، متسامحا، فسلمنا المخطوطات، دون سند، ثقة منه فينا، وقال صوروها، وأرجعوها.
لن تجد في حياتك كلها من يتعامل معك في المخطوطات بهذه السماحة، وهذا الكرم.
انتهت المهمة، وتم جمع المخطوطات المطلوبة، وبقي التصوير، وغالب العمل قام فيه هذا الشاب الحائلي.
وأنا والله لا أعرفه، ولكن الله يعرفه!
في تلك السنة لم تكن مراكز التصوير (خدمات الطالب)، بالكثرة التي نراها اليوم، وكانت هذه معضلة بالنسبة لي، ولاسيما أنني بحاجة إلى آلة متخصصة.
وجدت مركزا للتصوير، ففرحت به، ولكنه جديد، ولا يزال مغلقا، وصاحبه لم ينته من الترتيبات،
ولم يبدأ في استقبال العملاء بعد، قابلته فقال لي (وهو شاب حائلي): نحن الآن في طور التحضير للافتتاح، وسنبدأ في استقبال الناس بعد يومين.
كانت صدمة لي كبيرة، لكن سرعان ما تبدل الحال، حين علم أنني من (جدة)، فقال: حياك الله، أبشر بما يسرك.
فصنع معي مالا تصنعه مراكز التصوير كلها.
قال لي: أنا أنهيت بعض الترتيبات، وسأذهب إلى بيتي لأستريح، وأنت ابق هنا في المركز، وصور ما تشاء، فهذه الآلات أمامك، والورق متوفر بكمية، وكلها حلالك، وقام بإعطائي دورة تدريبية سريعة في كيفية التعامل مع الآلات.
سلمني (والله) المفتاح، وقال أغلق على نفسك المركز، لكي لا يزعجك أحد،
ثم وصف لي أقرب مسجد، لكي أذهب للصلاة، إذا دخل وقتها، وانصرف إلى بيته.
فبدأت في التصوير من العصر إلى الليل، وأنا قائم، حتى آلمني ظهري جدا. ولكثرة التصوير ارتفعت حرارة الآلة، ويبدو أن قطعة فيها احترقت، فانتقلت إلى أخرى وارتفعت حرارتها وتوقفت... ولكن الحمد لله قد انهيت مهمتي،
ومستعد لإصلاح ما تلف.
حضر صاحب المركز في الليل، واستلم مني المفتاح، وشكرته على ثقته فيّ، وقلت له: هيا لنحسب التكلفة، وهي كبيرة، فضحك من كلامي، وقال (بثغر مبتسم): أنت صورت وانتهيت؟! قلت: نعم. فقال: الله يستر عليك، لا أريد شيئا، أنت ضيف في حائل وخدمتك واجبة، وبقي لك حق في البيت...
تشرفنا على العشاء!
دار بيننا حوار طويل على التكلفة، ودخل في الحوار أيمان من الطرفين، لكن دون جدوى، كان هذا الحائلي يرى أنه ليس من المروءة مطالبتي بالتكلفة، وأنا ضيف في حائل.
فحدثته بالآلات التي تعطلت، والتزامي بتكلفة إصلاحها، ولم يغضب لتعطلها، ورفض مبدأ الإصلاح، وودعني مبتسما.
أنا لا أعرف هذا الشاب الحائلي، ولكن الله يعرفه!
وفي اليوم التالي توجهت إلى المطار للعودة، ولكن تفاجأت بالدنيا (حيص بيص)، الدوريات الأمنية، ورجال الأمن في كل مكان، دخلت بوابة المطار، وتوجهت مباشرة إلى منصة تسجيل الركاب وتسليم الأمتعة، ومعي حِمل بعير، من المصورات، ووجدت شابا لطيفا،
استقبلني بابتسامة، وسألني عن محتوى الكرتون، فأجبته، وقلت: لك أن تفتشه إن شئت، ابستم لي مرة أخرى، ثم أنهى تسجيلي، وسلمني بطاقة صعود الطائرة، وودعني بلطف.
توجهت بعدها إلى صالة المغادرة.
والمطار ذو حركة غير اعتيادية، وأشعر أن أمرا ما يحدث! ووصلت إلى جهاز التفتيش، فأخرجت ما أحمله...
من القطع المؤثرة، وعبرت الجاهز بثقة، فاصدر صوته المزعج والمحرج، أعادوني مرة ومرتين، وهو لا يزال يرن مصرا على إحراجي أمام الناس، مع خلوي من أي قطعة محظورة، أو مؤثرة لديه.
وضْع المطار حينها والكثافة الأمنية، لم تكن ناقصة لمثل هذا الحظ التعيس.
فأمرني الشرطي بالتوجه للتفتيش اليدوي،
فجاء رئيس له كان يراقب الوضع عن بعد، فقال باللهجة الحائلية الجميلة: يافلان خل المطوع يمشي، سيماهم بوجوههم.. والله هذا ما حصل، وثق فيّ، وشك في جهازه! لم يكن مستهترا بالأنظمة، لكنها فراسة البدوي التي لا تخطئ!
ذهبت إلى صالة المغادرة، فسألت من يقعد بجواري، وقلت له: ما الأمر؟!
فقال انظر إلى هذه الطائرة.. إنها طائرة قطرية مخطوفة، والخاطف عراقي.
لم أعلم بالخبر؛ لانشغالي بتصوير المخطوطات، ولأن حمّى وسائل التواصل في ذلك الحين، لم تكن قد بدأت.
صعدت طائرتي بأمان، ووصلت الرياض بسلام، وانهيت مهمتي بنجاح، في رحلة كسبت فيها الكثير، ولم أدفع فيها ريالا واحدا.
كسبت معرفة الرجال، ومعرفة حائل، وأهلها الطيبين، وكرمهم السخي، وعفويتهم الجميلة، وتسامحهم.
كنت قديما أظن أن ما أسمعهم عن طيبهم، ونخوتهم، وإكرامهم الضيف.. أنه مجرد مبالغة، وأحاديث مجالس، حتى وقفت عليه بنفسي.
فسلام على أهل حائل، وطابوا، وطابت حياتهم...

جاري تحميل الاقتراحات...