اهتدى العلامة الكبير محمود محمد شاكر "أبو فهر" إلى هذا الحب الغامض، يقول الإمام "مصطفى صادق الرافعي" عن "أبي فهر":
من أعجب ما كشفه من أسرار المتنبي: سرُّ حُبّه، فقال إنه كان يحب "خولة" أخت "سيف الدولة"، وهذا الباب من غرائب هذا البحث، ولم يهتدِ إلى هذا غيره على مدار التاريخ.
من أعجب ما كشفه من أسرار المتنبي: سرُّ حُبّه، فقال إنه كان يحب "خولة" أخت "سيف الدولة"، وهذا الباب من غرائب هذا البحث، ولم يهتدِ إلى هذا غيره على مدار التاريخ.
يقول محمود شاكر:
لما ماتت أختُ سيف الدولة الصغرى، وقف أبو الطيب يُعزّيه ويرثيها، ويُسلّيه ببقاء أخته الكبرى، فأنشد يقول:
إن يكن صبرُ ذي الرَّزيّةِ فضلاً
تكنِ الأفضلَ الأعزَّ الأجلّا
وطفق يمدحُ سيف الدولة، إلى أن قال:
قاسمتكَ المنونُ شخصينِ جَوراً
جعلَ القِسمُ نفسَهُ فيهِ عدلا
لما ماتت أختُ سيف الدولة الصغرى، وقف أبو الطيب يُعزّيه ويرثيها، ويُسلّيه ببقاء أخته الكبرى، فأنشد يقول:
إن يكن صبرُ ذي الرَّزيّةِ فضلاً
تكنِ الأفضلَ الأعزَّ الأجلّا
وطفق يمدحُ سيف الدولة، إلى أن قال:
قاسمتكَ المنونُ شخصينِ جَوراً
جعلَ القِسمُ نفسَهُ فيهِ عدلا
فإذا قِستَ ما أخذنَ بما غادرنَ
سرَّى عن الفؤادِ وسَلَّى
وتيقّنتَ أنّ حظَّكَ أوفى
وتبيّنتَ أن جَدَّكَ أعلى
فأبو الطيب يطلبُ من سيف الدولة أن يقيس أُختهُ الصغرى التي ماتت، إلى أختهِ الكبرى التي بقيت له، فإذا فعل ذلك كان سلوى له وتسريةً للهمِّ عن قلبه.
سرَّى عن الفؤادِ وسَلَّى
وتيقّنتَ أنّ حظَّكَ أوفى
وتبيّنتَ أن جَدَّكَ أعلى
فأبو الطيب يطلبُ من سيف الدولة أن يقيس أُختهُ الصغرى التي ماتت، إلى أختهِ الكبرى التي بقيت له، فإذا فعل ذلك كان سلوى له وتسريةً للهمِّ عن قلبه.
ولا ندري كيف يتفق أن يَخطُرَ لشاعرٍ أن يرثي امرأةً محجّبةً ماتت، أن يذكر أُخرى -وتكون أختها- ويعزّي أخاها بهذا العزاء الغريب؟ ثم يزيد فيقول له: إنك إذا فعلت ذلك الذي دللتكُ عليه، تيقّنتَ أن حظّك في بقاء هذا الكبرى أوفى من حظّ الموت في أَخذِ الصغرى!
وكيف يُيَقَّن أبو الطيب سيفَ الدولة من حُسن حظه ببقاء الكبرى، إلا إذا كان هو على يقينٍ من ذلك، وكيف يكون على يقين من ذلك إلا وهو يعرفها معرفةً تُفضي به إلى هذا اليقين.
ثم مضى أبو الطيب في القصيدة كلها يمدح سيف الدولة ولم يتعرّض لأخته الصغرى إلا في موضعٍ آخر، حيث يقول:
ثم مضى أبو الطيب في القصيدة كلها يمدح سيف الدولة ولم يتعرّض لأخته الصغرى إلا في موضعٍ آخر، حيث يقول:
خِطبَةٌ للحِمامِ ليسَ لها ردٌّ
وإن كانت المُسمّاةَ ثُكلا
وإذا لم تجد من الناسِ كُفئاً
ذاتُ خِدرٍ أرادتِ الموتَ بَعلا
فالعجبُ أن يكونَ ذلك عزاءً، فإن أبا الطيب قد قدّم الكبرى في المنزلة، فكان أولى إذاً أن تموت الكبرى، إذ هي ولا شك عند أبي الطيب أفضلُ من الصغرى=
وإن كانت المُسمّاةَ ثُكلا
وإذا لم تجد من الناسِ كُفئاً
ذاتُ خِدرٍ أرادتِ الموتَ بَعلا
فالعجبُ أن يكونَ ذلك عزاءً، فإن أبا الطيب قد قدّم الكبرى في المنزلة، فكان أولى إذاً أن تموت الكبرى، إذ هي ولا شك عند أبي الطيب أفضلُ من الصغرى=
التي لم تجد من الناس كُفئاً يكون لها زوجاً فاختارت الموت بعلاً لها، وهذا التناقض يدلّنا على أن الرجل كانت قد اقترنت في عينه صورة الكبرى بصورة الصغرى، فاضطرب قوله ولم يمضِ على سَنَنٍ ونهج، وذلك لاضطراب نفسه الذي أظهر ما في قلبه وكشف عنه حين ذكر الكبرى فقال: "فإذا قِستَ......"
فلما ماتت الكبرى هذه "خولة" بعد ثمان سنين من موت أختها الصغرى، كان أبو الطيب يومئذٍ بالكوفة، فوردَ عليه خبرها، فكتب إلى سيف الدولة قصيدة فيها 44 بيتاً، منها 31 بيتاً في ذكر "خولة"، و 6 أبيات في ذكر الدنيا ونكدها، ولم يذكر سيف الدولة إلا في 7 أبيات منها!
هذا مع أن القصيدة التي رثى بها الصغرى لم يذكر فيها الصغرى مفردةً إلا في بيتين هما "خِطبة الحِمام...."، وذكر الكبرى ومعها الصغرى في ثلاثة أبيات هي "قاسمتك المنون...."، وجعل بقية القصيدة وعِدّتها 42 بيتاً في مدح سيف الدولة إلا قليلاً في الحكمة والحياة، أليس هذا عجيباً؟
كان الفرق بين القصيدتين بيّناً واضحاً لا خَفاء فيه، وكانت الثانية في رثاء "خولة" عاطفة قد أخذها الحزن وغلبها البكاء، يقول أبو الطيب وافتتحها بخطابِ خولة:
يا أُختَ خيرِ أخٍ يا بنتَ خيرِ أب
كنايةً بهما عن أشرفِ النَّسبِ
أُجِلُّ قدركِ أن تُسمى مؤبّنةً
ومن يصفكِ فقد سمّاكِ للعربِ
يا أُختَ خيرِ أخٍ يا بنتَ خيرِ أب
كنايةً بهما عن أشرفِ النَّسبِ
أُجِلُّ قدركِ أن تُسمى مؤبّنةً
ومن يصفكِ فقد سمّاكِ للعربِ
غَدَرْتَ يا موتُ كم أفنيتَ من عددٍ
بمن أصبتَ وكم أسكَتَّ من لَجَبِ
وكم صَحِبتَ أخاها في مُنازَلةٍ
وكم سألتَ فلم يبخَلْ ولم تَخِبِ
طوى الجزيرةَ حتى جاءني خبرٌ
فَزِعتُ فيه بآمالي إلى الكذبِ
حتى إذا لم يَدَع لي صِدقُهُ أملاً
شَرِقتُ بالدمعِ حتى كادَ يَشرَقُ بي
بمن أصبتَ وكم أسكَتَّ من لَجَبِ
وكم صَحِبتَ أخاها في مُنازَلةٍ
وكم سألتَ فلم يبخَلْ ولم تَخِبِ
طوى الجزيرةَ حتى جاءني خبرٌ
فَزِعتُ فيه بآمالي إلى الكذبِ
حتى إذا لم يَدَع لي صِدقُهُ أملاً
شَرِقتُ بالدمعِ حتى كادَ يَشرَقُ بي
كأنَّ "خولةَ" لم تملأ مواكبُها
ديارَ بكرٍ ولم تَخلَع ولم تَهَبِ
ولم تَرُدَّ حياةً بعد توليةٍ
ولم تُغث داعياً بالويلِ والحَرَبِ
أرى العراقَ طويلَ الليل مُذْ نُعِيت
فكيفَ ليلُ فتى الفتيانِ في حَلَبِ؟
يظنُّ أن فؤادي غيرُ مُلتهبٍ
وأنّ دمعَ جفوني غيرُ مُنسَكِبِ!
ديارَ بكرٍ ولم تَخلَع ولم تَهَبِ
ولم تَرُدَّ حياةً بعد توليةٍ
ولم تُغث داعياً بالويلِ والحَرَبِ
أرى العراقَ طويلَ الليل مُذْ نُعِيت
فكيفَ ليلُ فتى الفتيانِ في حَلَبِ؟
يظنُّ أن فؤادي غيرُ مُلتهبٍ
وأنّ دمعَ جفوني غيرُ مُنسَكِبِ!
بَلَى وحُرمةِ من كانت مُراعيةً
لِحُرمَةِ المجدِ والقُصَّادِ والأدبِ
ومن مَضت غيرَ موروثٍ خلائقها
وإن مَضت يَدُها موروثةَ النّشَبِ
وهَمُّها في العُلى والمجدِ ناشئَةً
وهمُّ أترابها في اللّهو واللّعِبِ
فليتَ طالعةَ الشمسين غائبةٌ
وليتَ غائبةَ الشمسينِ لم تغبِ
لِحُرمَةِ المجدِ والقُصَّادِ والأدبِ
ومن مَضت غيرَ موروثٍ خلائقها
وإن مَضت يَدُها موروثةَ النّشَبِ
وهَمُّها في العُلى والمجدِ ناشئَةً
وهمُّ أترابها في اللّهو واللّعِبِ
فليتَ طالعةَ الشمسين غائبةٌ
وليتَ غائبةَ الشمسينِ لم تغبِ
وليتَ عينَ التي آبَ النّهارُ بها
فِداءُ عينِ التي زالت ولم تَؤبِ
ولا ذكرتُ جميلاً من صنائعها
إلا بكيتُ ولا وُدٌّ بلا سببِ
إلى آخر ما قال، ولستَ تُخطئ فيما ترى ما تضمّنته الأبيات من العاطفة، وما يتوهّج في ألفاظها من نيرانِ قلبه، ولستَ تُخطئ أنين الرجل وحنينه وبكاءه.
فِداءُ عينِ التي زالت ولم تَؤبِ
ولا ذكرتُ جميلاً من صنائعها
إلا بكيتُ ولا وُدٌّ بلا سببِ
إلى آخر ما قال، ولستَ تُخطئ فيما ترى ما تضمّنته الأبيات من العاطفة، وما يتوهّج في ألفاظها من نيرانِ قلبه، ولستَ تُخطئ أنين الرجل وحنينه وبكاءه.
قد ذكرنا قبل أن الانتقال من معنى إلى معنى في شعر أبي الطيب هو الموضع الذي ينبغي لنا الوقوف عنده وتمييزه، فإذا شئتَ الآن فانظر إلى انتقاله من قوله في مخاطبة الموت: "وكم صحبتَ أخاها..." إلى ذكر ما أفزعه وكربه، وهزّ فسه وحزَّ فيها إذ يقول:
"طوى الجزيرة.... إلى قوله: شرقتُ بالدمع حتى كاد يشرق بي"، والرأي عندنا أن هذين البيتين هما أول ما قاله أبو الطيب من القصيدة حين بلغه خبرُ موت "خولة" وهو بالكوفة، ففزع قلبه، واضطرب أمره، وانتشرت عليه عواطفه، انظر كيف جعل الخبر يطوي الجزيرة كلها يقصدُهُ وحده دون غيره!
وقد خصّص ذلك بقوله "حتى جاءني" وفي هذا من غلبةِ الحب على قلب أبي الطيب ما جعله يرى أن خبر موتها لم يقطع الجزيرة إلا ليبلغهُ هو، والحب دائماً يخصُّ ويضيّق بمثل ذلك، ولا يرى فيه الشَّرِكة، ثم إنه نسبَ الفزع الذي لحقه إلى آماله إذ كانت آماله كلها في الحياة بعد حبه لخولة متعلّقة بها=
متعلّقةً بها وبحياته، فلما جاءه الخبر بموتها فزعت آمالهُ هذه أملاً أملاً إلى الشكّ في الأمر الواقع، وإلى طلبِ الحيلة في ردّه وتكذيبه، فلما أخفقت الآمال سقطت نفسُ الرجل ولم تستمسك على قوتها، وغرقت في دمعها حتى شَرِقَت به، وهذه حالة في الحبّ القوي العنيف الذي يستولي على القلب.
واسترسل "محمود شاكر" في شرح أبياتها ودعم حجته هذه، ثم إنّه قال: هذا ولانشكُّ نحنُ من قِبَل ما جمعناه عندنا من الدلائل في هذا الأمر في أن "سيف الدولة" كان على علم بما كان بينهما من المحبة الغالبة على أمرهما، وأنه كان قد وعد "أبا الطيب" في أن يزوّجه أخته هذه، وكان ذلك سرّاً بينهما=
اتّصل بعضُ خبرهِ ب"أبي فراس الحمداني"، فكان سبباً في العداوة الباغية بين الرجلين، ولولا علم سيف الدولة بذلك لما استباح أبو الطيب لنفسه أن يكتب هذه القصيدة إلى سيف الدولة، على كثرة الإشارات فيها إلى أمره وأمر "خولة" والحب الذي بينهما.
يقول محمود شاكر:
ولما انتقل المتنبي من جوار "سيف الدولة" في حلب إلى جوار "كافور" في مصر، بقي آثار الحب في شعر أبي الطيب، فمن آثاره ما وقعَ في القصيدة الأولى التي أنشدها كافوراً سنة 346هـ حين قدمَ عليه الفسطاط=
ولما انتقل المتنبي من جوار "سيف الدولة" في حلب إلى جوار "كافور" في مصر، بقي آثار الحب في شعر أبي الطيب، فمن آثاره ما وقعَ في القصيدة الأولى التي أنشدها كافوراً سنة 346هـ حين قدمَ عليه الفسطاط=
فكانَ أول ما لقيه بالبيت الذي عدّهُ الأدباء والنُقّاد من سوءِ أدب المتنبي وجفائه وغلظته، وليس الأمر على ذلك، فإن الرجل لم يكن جافاً ولا سيئ الأدب ولا ضعيف البيان، ولكنه كان مُرهفَ الحسّ، تغلبه العاطفة على أمره فلا يملكُ لبيانهِ تصريفاً، والعاطفة لا تعرف أميراً ولا كبيراً=
ولا تفرّقُ بين لقاء الملوك ولقاءِ الصعاليك، فلذلك رمى في وجه كافور بهذا:
كفى بكَ داءً أن ترى الموتَ شافيا
وحسبُ المنايا أن يكُنَّ أمانيا
تمنّيتَها لمّا تمنَّيتَ أن ترى
صديقاً فأعيا أو عدوّاً مُداجِيا
كفى بكَ داءً أن ترى الموتَ شافيا
وحسبُ المنايا أن يكُنَّ أمانيا
تمنّيتَها لمّا تمنَّيتَ أن ترى
صديقاً فأعيا أو عدوّاً مُداجِيا
ثم يمضي أبو الطيب على طريقته حتى يرقّ رقّةً لو أنت قلّبت ديوانه لم تجد لها شبيهاً ولا مثيلاً، وذلك قوله في خطاب قلبه الذي حَطَم فيه فراق "خولة" وهدّ بنيان رجولته وقوّته، يقول:
حَبَبتُكَ قلبي قبلَ حُبِّكَ من نأى
وقد كان غدّاراً فكُن أنت وافيا
وأعلمُ أن البين يُشكيكَ بَعدَهُ
فلستَ فؤادي إن رأيتُكَ شاكيا
فإنّ دموعَ العينِ غُدْرٌ بربِّها
إذا كُنَّ إثرَ الغادرينَ جواريا
إذا الجودُ لم يُرزَق خلاصاً من الأذى
فلا الحمدُ مكسوباً ولا المالُ باقيا
وقد كان غدّاراً فكُن أنت وافيا
وأعلمُ أن البين يُشكيكَ بَعدَهُ
فلستَ فؤادي إن رأيتُكَ شاكيا
فإنّ دموعَ العينِ غُدْرٌ بربِّها
إذا كُنَّ إثرَ الغادرينَ جواريا
إذا الجودُ لم يُرزَق خلاصاً من الأذى
فلا الحمدُ مكسوباً ولا المالُ باقيا
وللنّفسِ أخلاقٌ تَدُلُّ على الفتى
أكانَ سخاءً ما أتى أم تساخيا
أقِلَّ اشتياقاً أيها القلبُ ربمّا
رأيتُكَ تُصفِي الوُدَّ من ليسَ صافيا
خُلِقتُ أَلُوفاً لو رجعتُ إلى الصِّبا
لفارقتُ شيبي موجَعَ القلبِ باكيا
أيُّ رقّة، وأيُّ توجّع، وأيُّ جمال؟!
أكانَ سخاءً ما أتى أم تساخيا
أقِلَّ اشتياقاً أيها القلبُ ربمّا
رأيتُكَ تُصفِي الوُدَّ من ليسَ صافيا
خُلِقتُ أَلُوفاً لو رجعتُ إلى الصِّبا
لفارقتُ شيبي موجَعَ القلبِ باكيا
أيُّ رقّة، وأيُّ توجّع، وأيُّ جمال؟!
فاقرأ الآن الأبيات وتدبّرها، وانظر في خطابه لقلبه -على غير عادته- خطاباً رقيقاً متنهداً، وانظر اضطراب أمره بين قلبه وفكره، وبين عاطفته ورجولته، يقول لقلبه: "لستَ فؤادي إن رأيتك شاكيا"، ثم يعود فيقول: "خُلقتَ ألوفاً.."، فليس في الأبيات حبه لسيف الدولة وحسب=
بل فيه نفحات من لوعة الحبّ الذي يستولي على القلب: حُبّ المرأة التي يهجرها الرجل وهو يعلمُ يقيناً أنه لا يهجرها، وإنما يُهاجِر قلبه الذي بين جنبيه ويُعانده ويُراغمه.
انظر لقوله:
أودُّ من الأيامِ ما لا تودُّهُ
وأشكو إليها بَينَنَا وهيَ جُندُهُ
انظر لقوله:
أودُّ من الأيامِ ما لا تودُّهُ
وأشكو إليها بَينَنَا وهيَ جُندُهُ
يُباعدنَ حِبّاً يجتمعنَ ووصلُهُ
فكيفَ بحِبٍّ يجتمعنَ وصَدُّهُ
أبى خُلُقُ الدنيا حبيباً تُديمُهُ
فما طلبي منها حبيباً تَرُدّهُ
ثم تلفّت المتنبي إلى ما كان من فراقه "خولة" ومُهاجرتها مراغماً لقلبه، متكلّفاً الصبر والجلد، فقال في عَقِب ذلك:
فكيفَ بحِبٍّ يجتمعنَ وصَدُّهُ
أبى خُلُقُ الدنيا حبيباً تُديمُهُ
فما طلبي منها حبيباً تَرُدّهُ
ثم تلفّت المتنبي إلى ما كان من فراقه "خولة" ومُهاجرتها مراغماً لقلبه، متكلّفاً الصبر والجلد، فقال في عَقِب ذلك:
وأسرعُ مفعولٍ فعلتَ تغيُّراً
تَكَلُّفُ شيءٍ في طِباعكَ ضِدُّهُ
وكان أبو الطيب يظنُّ أن في الفراق ما يُنسيه "خولة" ويمحو من قلبه آثارها، إنما كان أمراً يُخالف طبيعةَ حُبّه.
تَكَلُّفُ شيءٍ في طِباعكَ ضِدُّهُ
وكان أبو الطيب يظنُّ أن في الفراق ما يُنسيه "خولة" ويمحو من قلبه آثارها، إنما كان أمراً يُخالف طبيعةَ حُبّه.
هذا.. وقد رووا أن أبا الطيب اتّصل به وهو بمصر أن قوماً نعوهُ في مجلس سيف الدولة بحلب، فقال قصيدة يذكر ذلك ولم ينشدها كافوراً، وكان مما جاء في أولها قوله:
بم التعلّلُ لا أهلٌ ولا وطنُ
ولا نديمٌ ولا كأسٌ ولا سَكَنُ
أُريدُ من زمني ذا أن يُبلّغني
ما ليسَ يَبلُغُهُ من نفسِهِ الزمنُ
بم التعلّلُ لا أهلٌ ولا وطنُ
ولا نديمٌ ولا كأسٌ ولا سَكَنُ
أُريدُ من زمني ذا أن يُبلّغني
ما ليسَ يَبلُغُهُ من نفسِهِ الزمنُ
لا تَلْقَ دهركَ إلا غيرَ مُكتَرِثٍ
ما دامَ يصحَبُ فيهِ روحكَ البَدنُ
فما يُديمُ سرورٌ ما سُررتَ بهِ
ولا يَرُدُّ عليكَ الفائتَ الحَزَنُ
مما أضَرَّ بأهلِ العشقِ أنّهُمُ
هووا وما عرفوا الدنيا ولا فَطَنوا
تفنى عيونُهُم دمعاً وأنفُسُهم
في إِثرِ كلّ قبيحٍ وجهُهُ حَسَنُ
ما دامَ يصحَبُ فيهِ روحكَ البَدنُ
فما يُديمُ سرورٌ ما سُررتَ بهِ
ولا يَرُدُّ عليكَ الفائتَ الحَزَنُ
مما أضَرَّ بأهلِ العشقِ أنّهُمُ
هووا وما عرفوا الدنيا ولا فَطَنوا
تفنى عيونُهُم دمعاً وأنفُسُهم
في إِثرِ كلّ قبيحٍ وجهُهُ حَسَنُ
ما في هوادجِكُم من مُهجتي عِوَضٌ
إن مِتُّ شوقاً ولا فيها لها ثمنُ
يا من نُعيتُ على بُعدٍ بمجلسِهِ
كُلٌّ بما زعمَ النّاعونَ مُرتَهنُ
كم قد قُتِلتُ وكم قد مِتُّ عندكُمُ
ثم انتفضتُ فزالَ القبرُ والكفنُ
كان المتنبي بمصر وليس بها أحدٌ يسكن إليه إلا ولده "مُحسّد"، وهو مهاجر لا وطن له=
إن مِتُّ شوقاً ولا فيها لها ثمنُ
يا من نُعيتُ على بُعدٍ بمجلسِهِ
كُلٌّ بما زعمَ النّاعونَ مُرتَهنُ
كم قد قُتِلتُ وكم قد مِتُّ عندكُمُ
ثم انتفضتُ فزالَ القبرُ والكفنُ
كان المتنبي بمصر وليس بها أحدٌ يسكن إليه إلا ولده "مُحسّد"، وهو مهاجر لا وطن له=
وهو بمصر غريبٌ لا صديق له ولا نديم، وقد سئمت نفسه كل شيء، حتى الكأس من الخمر لا تسليه ولا تحركه، ثم تمّم ذلك بلوعة قلبه، إذ فقد سَكَنَهُ وحبيبه الذي يسكن إليه ويأوي، فقال متنقلاً على عادته التي بيّناها:
مما أضرّ بأهل العشقِ أنهمُ
هووا وما عرفوا الدنيا ولا فَطَنوا
مما أضرّ بأهل العشقِ أنهمُ
هووا وما عرفوا الدنيا ولا فَطَنوا
وهو بيان عن نفسه وما يحزُّ فيها من آلام "خولة"، وما لقيه بعدها من الاضطراب بين رجولته التي تأبى أن تخضع أو تضعف، وبين عواطفه التي تأبى إلا أن تخشع لخولة، وتتعبّد بذكرها وهواها وآلام حبها.
ثم قال في عقب ذلك مُعانداً ومراغماً لما في قلبه:
تفنى عيونُهُمُ دمعاً وأنفسُهُم
في إِثرِ كلّ قبيحٍ وجهُهُ حَسَنُ
يرحمك الله يا أبا الطيب.. ثم انطلق يعاند قلبه، ويذمّ له "خولة" ولا ذنب لها إلا ما تكلّفه هو بالفراق.
تفنى عيونُهُمُ دمعاً وأنفسُهُم
في إِثرِ كلّ قبيحٍ وجهُهُ حَسَنُ
يرحمك الله يا أبا الطيب.. ثم انطلق يعاند قلبه، ويذمّ له "خولة" ولا ذنب لها إلا ما تكلّفه هو بالفراق.
كان شعر المتنبي بعد فراق سيف الدولة كثير الشكوى، مخالطاً بالحزن والحسرة والألم، وقد تنبّه إلى ذلك أبو الطيب نفسه، فقال في قصيدة من مدائحه لكافور:
لحى الله ذي الدنيا مُنَاخاً لرَاكبٍ
فكُلُّ بعيدِ الهمِّ فيها مُعَذّبُ
ألا ليت شعري هل أقول قصيدةً
فلا أشتكي فيها ولا أتعتّبُ
لحى الله ذي الدنيا مُنَاخاً لرَاكبٍ
فكُلُّ بعيدِ الهمِّ فيها مُعَذّبُ
ألا ليت شعري هل أقول قصيدةً
فلا أشتكي فيها ولا أتعتّبُ
وبي ما يذودُ الشعرَ عنّي أقلُّهُ
ولكنَّ قلبي يا (ابنةَ القوم) قُلَّبُ
للهِ قلوب المحبين!
ولكنَّ قلبي يا (ابنةَ القوم) قُلَّبُ
للهِ قلوب المحبين!
أفاض محمود شاكر في تدعيم ما يقول بالأدلة والحجج والبراهين في سِفره العظيم "المتنبي"، أوردنا هنا جزءاً بسيطاً منها.
أعتذر عن الإطالة، وشكراً لكم 🌹
أعتذر عن الإطالة، وشكراً لكم 🌹
جاري تحميل الاقتراحات...