وصف دقيق من عطوفة أمير البيان الأمير شكيب أرسلان لليقظة الفكرية التي دبت في نفوس العرب، وأخذت تعدهم للعمل العظيم الذي خُلِقوا له؛ فيجدر بكل عربي أن يعكف على تلاوتها ويتفهم أغراضها، وعلى الله قصد السبيل.
لا حاجة بنا إلى القول بأن أجلى مجالي هذه النهضة كان في العلم والتعليم. وعندي أنه لا نهضة للأمم سوى النهضة العلمية، فإذا وُجِدت هذه جاءت سائر النهضات من سياسية، وعسكرية، واجتماعية، واقتصادية … إلخ
آخذًا بعضها برقاب بعض. فإذا قلنا: إن الشرق الأدنى نهض نهضةً علمية كفينا تعداد سائر مظاهر نهوضه ومعارج رقية؛ لأن العلم وحده هو المفتاح، وبه وحده الدخول إلى داخل البناء، وكل نهضة لا يكون ظهرها العلم، فما هي إلا ساعة وتَضْمَحِلُّ
وقد يُقال: إن نهضة شرقنا هذه ضئيلة لا تستحق أن تُذكَر بالقياس إلى معالي الأمم الراقية، وإننا لا نبرح متخلفين بمساوف شاسعة عن أمد أوروبا وأميركا واليابان، فلماذا نشغل أنفسنا بما لا يشغل حيزًا في التاريخ العام؟!
وعلى هذا نجاوب أنه ليس العلم متعلقًا بالكمال وحده ولا البحث موقوفًا دائمًا على ما بهر النُّهى وبلغ سدرة المنتهى، وإنما العلم هو ما تناول الدرجات كلها الدنيا منها والقصوى، والبحث هو الذي به تُوزَن مقادير الأشياء وتُحدَّد نسبة بعضها إلى بعض ونسبتها إلى الوقت ..
ثم إننا إذا تحرينا الحقيقة وجدنا الشرق العربي قد اجتاز في هذه الخمسين سنة في طريق العلم والحضارة الحديثة ما لم يتهيأ لأوروبا أن تجتازه قبلًا في أطول جدًّا من هذا الردح من الدهر ..
وذلك أنه من الطبيعي أن يسهل على المتأخر ما لا يسهل على المتقدم؛ لأن المتقدم قد يُضطَر أن يُمهِّد الطريق ويسير، وأما المتأخر فما عليه إلا أن يلحقه ويسير على طريق مُذلَّل أمامه.
شهر أكتوبر — تشرين الأول — سنة ١٩٣٧ م — دار المجمع العلمي العربي بدمشق
شهر أكتوبر — تشرين الأول — سنة ١٩٣٧ م — دار المجمع العلمي العربي بدمشق
جاري تحميل الاقتراحات...