يميلُ الإنسان بطبعهِ اللاإرادي إلى إلقاء جميع ما يَمُر بهِ من مشكلاتِ ومُنغصاتٍ وأتراحٍ وانكساراتٍ على من حولهِ وأنهم هم السببُ في ما هو فيه، وما يَمُر به!
-
أمامي رجلٌ الآن، وصل الأربعين من عمره!
-
وأخذ الشيبُ طريقهُ الطويل، وأعلنَ غزوَ شعر رأسهِ الخفيف، واحتلال شعر عوارض وجهه!
-
أمامي رجلٌ الآن، وصل الأربعين من عمره!
-
وأخذ الشيبُ طريقهُ الطويل، وأعلنَ غزوَ شعر رأسهِ الخفيف، واحتلال شعر عوارض وجهه!
لمدة نصف ساعةٍ كان يخطبُ فيها هذا الرجلُ الحانقُ والذي صبَّ فيها جامَ غضبهِ على كل شيء حوله!
فيقول: والدي أجبرني على هذا التخصص!
ومديري في العمل لا يفهمني، ودائمًا يُلزمني بعمل يخرج عن نطاق مهامي الوظيفية!
وزوجتي كثيرة الطلب، دائمة السخط، قليلة الرضى، عبوس الوجه، ضيقة الخاطر!
فيقول: والدي أجبرني على هذا التخصص!
ومديري في العمل لا يفهمني، ودائمًا يُلزمني بعمل يخرج عن نطاق مهامي الوظيفية!
وزوجتي كثيرة الطلب، دائمة السخط، قليلة الرضى، عبوس الوجه، ضيقة الخاطر!
وأبنائي أصبحوا يقارنوني بآباء أصدقائهم، وأنني شحيح اليد، قليل العطاء، وأنني لا أفهمهم.
والحكومة يقولون أنها قد تلغي العلاوات، وأنها ستمس البدلات،!
ثم راح يرفسُ بكعبِ رجله بطن البنوك المنتفخ المتورم بكل ما أوتي من غضب أودعتهُ في باطنهِ شدة الفاقة، ويقول: لماذا لا يأجلون الأقساط؟
والحكومة يقولون أنها قد تلغي العلاوات، وأنها ستمس البدلات،!
ثم راح يرفسُ بكعبِ رجله بطن البنوك المنتفخ المتورم بكل ما أوتي من غضب أودعتهُ في باطنهِ شدة الفاقة، ويقول: لماذا لا يأجلون الأقساط؟
لمدة نصفِ ساعة، بل تزيد، أزبدَ، وأرعَد، واشتاطَ غضبًا، ولم يدع أحدًا إلا ولامهُ على ما فيهِ من بلاءِ، وضيقِ عيش!
وأنهم المتسببونَ بطريقةٍ أو بأخرى في معاناته التي لا يرى لها انفراجًا، بل يحسبُها أنها ستضيقُ أكثر، وأن أيامًا شديدة السواد قادمةٌ عليهِ .. لا محالة!
وأنهم المتسببونَ بطريقةٍ أو بأخرى في معاناته التي لا يرى لها انفراجًا، بل يحسبُها أنها ستضيقُ أكثر، وأن أيامًا شديدة السواد قادمةٌ عليهِ .. لا محالة!
ثم قام يلعنَ كل شيء في ثورة غضبٍ، اندفعت معها فورة البركان حتى خرجت اللاڤا من فوهته!
وجميعنا نسمع، ولم نُقاطعه!
ثم .. صمتَ، وأشعل سيجارته، والعرقُ ينضحُ من فوارقِ جبهتهِ، ويتلَّى من تجاعيدٍ محفورةٍ حول محيطِ عينيه!
وأطلقَ الصمتُ المُهيب محيطَ المكان!
وتسمَّرنا في سكونٍ مُطرقين!
وجميعنا نسمع، ولم نُقاطعه!
ثم .. صمتَ، وأشعل سيجارته، والعرقُ ينضحُ من فوارقِ جبهتهِ، ويتلَّى من تجاعيدٍ محفورةٍ حول محيطِ عينيه!
وأطلقَ الصمتُ المُهيب محيطَ المكان!
وتسمَّرنا في سكونٍ مُطرقين!
لم أعُلق!
وهكذا اختارَ رفيقي الذي معي.
-
لكنني تأملتُ المشهد.
أحاولُ ألا أبسِّطَ آلامه وأقلل من شأنها، وألا أخوض في تحليلٍ فلسفيٍ حالمٍ ورديٍ ومثالي، ولا يَمُت للمشهدِ بتحليلٍ واقعيٍ عميقٍ وموضوعي؛ ليفهم حقيقةَ المُعضلة .. بعيدًا عن المثاليات الإنسانيةِ الساذجةِ والسطحية!
وهكذا اختارَ رفيقي الذي معي.
-
لكنني تأملتُ المشهد.
أحاولُ ألا أبسِّطَ آلامه وأقلل من شأنها، وألا أخوض في تحليلٍ فلسفيٍ حالمٍ ورديٍ ومثالي، ولا يَمُت للمشهدِ بتحليلٍ واقعيٍ عميقٍ وموضوعي؛ ليفهم حقيقةَ المُعضلة .. بعيدًا عن المثاليات الإنسانيةِ الساذجةِ والسطحية!
ولاحظت هذه الملحوظة العميقة والتي اختصرت المشهد بشكلٍ حقيقي وموضوعي!
وهي أنَّ صاحبنا الغاضبَ الحانقَ صبَّ جام غضبه ومسؤولية كل يحدث له على غيره!
فوالده هو السبب!
مديره في العمل هو السبب!
الحكومة هي السبب!
البنك هو السبب!
طلبات زوجته التافهة هي السبب!
طمع أبنائه ودلعهم هو السبب!
وهي أنَّ صاحبنا الغاضبَ الحانقَ صبَّ جام غضبه ومسؤولية كل يحدث له على غيره!
فوالده هو السبب!
مديره في العمل هو السبب!
الحكومة هي السبب!
البنك هو السبب!
طلبات زوجته التافهة هي السبب!
طمع أبنائه ودلعهم هو السبب!
كل شيء حوله هو سبب معاناته، ومشاكله، وآلامه!
هو الوحيد ليس السبب!
لم يلم نفسه أبدًا، لا بشكلٍ صريح، وحتى تعريضًا أو تلميحًا في أن ما يَمُر به هو السبب، أو حتى أعطى لنفسهِ نسبة خطأ من مسؤولية ما يحدث له!
كل ما حوله هو سبب نكباته واعوجاجُ طريقه!
هو الضحية التي لا ذنب لها مطلقًا.
هو الوحيد ليس السبب!
لم يلم نفسه أبدًا، لا بشكلٍ صريح، وحتى تعريضًا أو تلميحًا في أن ما يَمُر به هو السبب، أو حتى أعطى لنفسهِ نسبة خطأ من مسؤولية ما يحدث له!
كل ما حوله هو سبب نكباته واعوجاجُ طريقه!
هو الضحية التي لا ذنب لها مطلقًا.
وهذهِ حيلةٌ نفسيةٌ خطيرةٌ جدًا جدًا جدًا!
وذلك لأنهُ يعفي نفسهُ من المسؤولية فيما يحدثُ له من مآسي وآلام!
وأن سبب كل ما يمرُ فيه من انكساراتٍ هو طرف خارجي، لا يملكُ هو عليه تأثيرًا، وبالتالي فإنهُ غير مطالبٍ بأي مجهود أو فكرة أو اجتهاد؛ ليُغير حياته، وأن يُغير من ظروفه، ويتحسن!
وذلك لأنهُ يعفي نفسهُ من المسؤولية فيما يحدثُ له من مآسي وآلام!
وأن سبب كل ما يمرُ فيه من انكساراتٍ هو طرف خارجي، لا يملكُ هو عليه تأثيرًا، وبالتالي فإنهُ غير مطالبٍ بأي مجهود أو فكرة أو اجتهاد؛ ليُغير حياته، وأن يُغير من ظروفه، ويتحسن!
هذه الحيلة الخطيرة الأفيونية، هي مثل المخدر الذي يجعلك لا تشعرُ بسوء وضعك وما تمر فيه من مآسي، حتى تجعلك شبحًا دون روح تمارس أنشطتك الحياتية بكل نزقٍ، ودونَ مسؤولية، وبتخاذلٍ، وعدمِ مُبالاةٍ .. والسبب أنك لا تشعر!
أنت مُخدَّرٌ بهذه الفكرة الشيطانية التي تتعاطى جرعاتها منذ الأزل!
أنت مُخدَّرٌ بهذه الفكرة الشيطانية التي تتعاطى جرعاتها منذ الأزل!
أنتَ فقط تثور بين الحين والآخر في صحوة ضميرٍ مؤقتة وسريعة، وتستشعرُ الخطر، وسوء جودةِ حياتك عندما تمرُ بالأعراض الانسحابية من عدمِ تعاطيك هذا المخدر المُبرراتي الأفيوني السيكولوجي!
ثم تبدأ بتعاطيه، وتتذكر أن من حولك هم السبب، والدك، مديرك، الحكومة، البنك، زوجتك، أبناؤك .... إلخ!
ثم تبدأ بتعاطيه، وتتذكر أن من حولك هم السبب، والدك، مديرك، الحكومة، البنك، زوجتك، أبناؤك .... إلخ!
تصرخ فيمن حولك لمدة نصف ساعة في حزنٍ وألمزتراجيدي، وتقول:
كلهم هم السبب!
أنا الضحية المسكينة المصلوبة على صليب أخطاء غيري فقط!!!
-
ثم تهدأ فورة بركانك، ويبدأ مفعول الجرعة المخدرة؛ لتعود بممارسة نفس الحياة، لتواجهَ نفس المشاكل، وذات الانكسارات، وحلقةً جديدة من المآسي والإحباطات!!
كلهم هم السبب!
أنا الضحية المسكينة المصلوبة على صليب أخطاء غيري فقط!!!
-
ثم تهدأ فورة بركانك، ويبدأ مفعول الجرعة المخدرة؛ لتعود بممارسة نفس الحياة، لتواجهَ نفس المشاكل، وذات الانكسارات، وحلقةً جديدة من المآسي والإحباطات!!
وحتى يأتي الفرج وقد لا يأتِ أبدًا، ستموت كهلًا بعد عمر السبعين أو الثمانين مُعتقدًا أن حياتك المليئة بالخيبات كانت صنيعة أطرافٍ أخرى ولا تملك السيطرة عليها، وبالتالي هذا هو قدرك المحتوم الذي يجبُ أن ترضى به!
تموت حينها وأنت تحملُ هذه الفكرة الخطيرة التي خدرتك منذ أيام مراهقتك!
تموت حينها وأنت تحملُ هذه الفكرة الخطيرة التي خدرتك منذ أيام مراهقتك!
وحتى يأتِ الفرج وقد لا يأتِ، ستموت كهلًا بعد أن عشتَ حياةً كُنتَ فيها شبحًا!
حياةٌ رمادية، كئيبة .. ظللتَ فيها سجينًا لفكرةٍ مدمرةٍ داخلَ سجن جمجمتك الذي أصبحتَ أنت بداخلهِ أسيرًا .. غير قادرٍ على أن تعيش حياتك، كما يُفترَضُ أن تعيشها.
بائسةٌ حياتك ... بائسة!
حياةٌ رمادية، كئيبة .. ظللتَ فيها سجينًا لفكرةٍ مدمرةٍ داخلَ سجن جمجمتك الذي أصبحتَ أنت بداخلهِ أسيرًا .. غير قادرٍ على أن تعيش حياتك، كما يُفترَضُ أن تعيشها.
بائسةٌ حياتك ... بائسة!
وحتى يأتِ الفرج وقد لا يأتِ، ستموت كهلًا معتقدًا أنك لستَ أنت من يجبُ أن يكونَ مسؤولًا مسؤوليةً كبرى وأولية وأساسية عن حياته!
وكيف يجبُ عليه هو وحدهُ أن يغيرها، ويتفاعل معها، وأن يكونَ رُبانًا وحيدًا شجاعًا لسفينة حياته في بحر هذه الدنيا المتلاطمِ موجها، العميق سَفحًا باطنها!
وكيف يجبُ عليه هو وحدهُ أن يغيرها، ويتفاعل معها، وأن يكونَ رُبانًا وحيدًا شجاعًا لسفينة حياته في بحر هذه الدنيا المتلاطمِ موجها، العميق سَفحًا باطنها!
وحتى يأتِ الفرج وقد لا يأتِ، ستموت كهلًا دون أن تَشعُر، وقبلَ أن تتوقَع.
وأسرع من أن تفطن.
وأبطأ من أن تدرك.
وأشقى من أن تشعر.
وأسوأ من أن تحلم.
وأنكى من أن تتصوَّر.
وأدهى من أن تفهم.
وأخطر من أن تستوعب.
وأظلم من أن تتوخَّى.
وأعتى من أن تحتاط.
وأقلَّ من ما تأمل.
وأكثر من ما يكفي.
وأسرع من أن تفطن.
وأبطأ من أن تدرك.
وأشقى من أن تشعر.
وأسوأ من أن تحلم.
وأنكى من أن تتصوَّر.
وأدهى من أن تفهم.
وأخطر من أن تستوعب.
وأظلم من أن تتوخَّى.
وأعتى من أن تحتاط.
وأقلَّ من ما تأمل.
وأكثر من ما يكفي.
أنتَ المسؤولُ وحدك، وحتى تعي هذا صدقًا، وحتى يستوطن ذلكَ بواطنَ وعيك، وجنباتِ تفكيرك، حتى يؤولَ إلى أطرافِ إرادتك، وينتهي إلى تشكيلِ فعلك واتخاذكَ قرار أنك ربَان سفينةِ حياتك ... ستظلُ حياتك بائسة، ومؤلمةً، وموحشةً، وكئيبة!
عليكَ أن تعلمَ جيدًا:
أن القرارَ قرارك.
وأن السؤال الجوهري هو: هل أنت واعٍ وشجاع بما يكفي؛ لِتَفطنَ لهذا القرار، وأن تكونَ شجاعًا لتعمل به؟
أنت وحدكَ من يُجيب.
وأنتَ وحدكَ أعلمُ بنفسكَ من غيرك.
-
.
أما الآن، فوداعً.
أن القرارَ قرارك.
وأن السؤال الجوهري هو: هل أنت واعٍ وشجاع بما يكفي؛ لِتَفطنَ لهذا القرار، وأن تكونَ شجاعًا لتعمل به؟
أنت وحدكَ من يُجيب.
وأنتَ وحدكَ أعلمُ بنفسكَ من غيرك.
-
.
أما الآن، فوداعً.
جاري تحميل الاقتراحات...