الحديث عن الذاكرة ممتع لكثير من الناس، ويهم الجميع بشكل مباشر وغير مباشر، ولذلك يخوض فيه الكثير بعلم وبغير علم، هنا سآخذكم في جولة خفيفة ودسمة قليلاً حول الذاكرة، على ضوء الدراسات العلمية في حقل علم الأعصاب وعلم النفس.
#ثريد
#ثريد
موضوع الذاكرة يشغل اهتمام كثير من العلماء منذ فترة طويلة، وكان الاعتقاد أن الذاكرة نظام واحد فقط، وبعد مرور الوقت اتفق كثير من العلماء على أن الذاكرة عبارة عن أنظمة متعددة ومختلفة، ما معنى هذا؟ معنى هذا أن أنواع الذاكرة لا تعمل جميعها بنفس الطريقة، وقد يختل نوع منها ويسلم الباقي.
هناك تصنيفان أساسيان على الأقل للذاكرة:
١) الذاكرة الصريحة (Explicit Memory): وهو التذكر الواعي لحدث في الماضي، كأن تتذكر موقف سابق أو معلومة حفظتها.
٢) الذاكرة غير الصريحة (Non-explicit/implicit memory): كقيادة السيارة، فأنت لا تسترجع كل خطوة كما تعلمتها، بل بتقوم بالفعل آليًا.
١) الذاكرة الصريحة (Explicit Memory): وهو التذكر الواعي لحدث في الماضي، كأن تتذكر موقف سابق أو معلومة حفظتها.
٢) الذاكرة غير الصريحة (Non-explicit/implicit memory): كقيادة السيارة، فأنت لا تسترجع كل خطوة كما تعلمتها، بل بتقوم بالفعل آليًا.
دعونا نركز على الذاكرة الصريحة، الذاكرة الصريحة أيضًا أنواع، وهناك نوعان رئيسان على الأقل:
١) ذاكرة الأحداث الخاصة/العرضية (Episodic Memory): مثل: تذكرك ماذا أفطرت البارحة.
٢) ذاكرة المعلومات والحقائق (Semantic Memory): مثل ما هي عاصمة السعودية.
١) ذاكرة الأحداث الخاصة/العرضية (Episodic Memory): مثل: تذكرك ماذا أفطرت البارحة.
٢) ذاكرة المعلومات والحقائق (Semantic Memory): مثل ما هي عاصمة السعودية.
دعونا نركز الآن على ذاكرة الأحداث الخاصة، هناك نموذجان على الأقل يشرحان طبيعة عمل هذا النوع من الذاكرة، وهذان النموذجان لا يتعارضان، بمعنى أنهما يشرحان معاً كيف تعمل هذه الذاكرة من منظورين مختلفين يكملان بعضهما.
١) من منظور علم النفس هناك معالجة تسمى Transfer-appropriate processing (اختصاراً TAP): تعني باختصار أنه أثناء إدراج حدث معين للذاكرة، هناك عدة عمليات ذهنية تشارك في ذلك (وقد تختلف هذه العمليات من شخص لآخر)، ولكي نستطيع تذكر هذا الحدث لاحقًا، يجب أن نشرك نفس تلك العمليات مجددًا.
بمعنى آخر، لتذكر حدث سبق تخزينه في الذاكرة، لا يكفي وجود ذلك الحدث مخزنًا في الذاكرة للقيام باسترجاعه، بل يجب أن تتكرر نفس الظروف التي نشطت أثناء اكتسابنا لتلك الذاكرة، مما يرفع احتمالية نجاح عملية التذكر، وكلما ازداد تطابق تلك الظروف كلما زادت الاحتمالية، ولا يلزم تطابقها كاملة.
طريقة أخرى لفهم هذه الفكرة هو التطابق بين طبيعة الاختبار وبين طبيعة المحتوى المطلوب تذكره، فلو عرضت عليك كلمة "سعادة" وكلمة "كامن" وسألتك: هل كلمة "سعادة" مناسبة في الجملة التالية "يوم جميل، أشعر بالـ ..."، ثم سألتك هل قافية الكلمة "كامن" متطابقة مع قافية كلمة "آمِن"؟
ثم اختبرتك لاحقًا وسألتك: "هل تتذكر هذه الكلمة"؟ وعرضت عليك "كامن" و"سعادة"، فاحتمالية تذكرك لكلمة "سعادة" أعلى لأن السؤال الملحق بها كان أعمق، فهو يحفز المعنى وليس الشكل الظاهري فقط، وهذه قاعدة في الذاكرة بشكل عام، المعالجة الأكثر عمقًا تقود لتذكر أفضل، لكن الذي يهمنا التالي:
لو عرضت عليك: "سعادة" و"ضامِن"، وسألتك هل الكلمتان تتوافقان مع قافية كلمات عرضتها عليك سابقًا، على الأرجح ستقول ذلك عن "ضامن" (لا عن "سعادة") لأنها تتطابق مع قافية "كامن" التي كان سؤالها أصلاً (أو ظرفها الذي حُفِظَتْ به) سؤالاً عن القافية، لاحظت أهمية دور تماثل الظروف في التذكر؟
السؤال الآن، هل يجب أن تكون الظروف أو العمليات الذهنية في مرحلة الاسترجاع مطابقة ١٠٠٪ لتلك التي حدثت في مرحلة الإدراج؟ الجواب لا، لكن لا يوجد إجابة دقيقة للنسبة المطلوبة لنجاح عملية التذكر، الذي نعرفه حتى الآن أن التطابق لا يلزم أن يكون تاماً.
ما الذي يساعد على استعادة تلك العمليات الذهنية التي نشطت أثناء التذكر؟ بمعنى كيف نحقق هذا الشرط، فمن الواضح أننا جميعًا لدينا القدرة على إعادة تحفيز تلك العمليات الذهنية ما دمنا نتذكر بشكل صحيح في حياتنا؟ الذي يساعد على ذلك هو وجود محفز لتلك العمليات، مثل: جزء من الحدث نفسه.
فمثلاً، إذا رأيت صنفًا من طعام إفطار اليوم تناولته أيضًا في إفطار البارحة فقد تتذكر كل أو معظم ما تناولته في إفطار البارحة، فقد ترى "السمبوسة" أو "الكنافة" فتتذكر أنك تناولت تمرًا وقهوة وشوربة وغير ذلك، فالعادة أن عنصرًا ضئيلاً يحفز ذاكرة متخمة بالأحداث، لكن هل هذا التذكر دقيق؟
الجواب المختصر لا، ففي الأمور البسيطة كعناصر وجبة طعام من الممكن أن يكون التذكر دقيقًا، لكن في معظم أحوالنا لا نتذكر بشكل دقيق، بل تقوم الذاكرة بعملية إعادة بناء للأحداث بطريقة تساعد في إكمال سلسلة الحدث حتى لو اضطرت للتلفيق، وقد يكون التلفيق كبيرًا أحيانًا وخاطئًا.
فهناك أدلة حديثة تشير إلى أن كبار السن مثلاً، يحدث لديهم فصل بين انطباعهم الشخصي عن ذاكرتهم للحدث وبين الذاكرة الموضوعية للحدث (ما زال الأمر قيد البحث)، فمثلاً، يمكن للشخص أن يقوم بتذكر حدث لم يحدث أبدًا، وأن يكون شديد الثقة بحدوثه.
هناك ظاهرة نفسية تعرف بـFalse Memory Syndrome، تنطبق عادةً على الأشخاص الذين تعرضوا لظرف صعب جعلهم عرضة للانحياز وإضافة تفاصيل غير صحيحة أثناء مراجعة ما حدث لهم، وبالتالي صناعة ذاكرة غير صحيحة للحدث، مثل الأطفال الذين تعرضوا للإساءة، مما يشير إلى إمكانية زراعة ذكريات غير دقيقة.
ولذلك من الأمور الجدلية مثلاً في العلاج النفسي إمكانية أن يقوم المعالج قصدًا أو سهوًا بتحفيز المراجع لإنشاء ذكريات غير دقيقة من خلال أسئلة لم تتم صياغتها بشكل مناسب، وهناك جدل كبير حول دور شهود العيان في جرائم القتل من خلال إمكانية تضليلهم لذاكرتهم بتفاصيل لم تحدث إطلاقًا.
نعود لكيفية عمل ذاكرة الأحدث الخاصة، فبعد توضيح كيفية عملها من منظور نفسي، ننتقل لنموذج آخر من منظور عصبي.
٢) من المنظور العصبي هناك معالجة يطلق عليها Reinstatement Effect: وهي شبيهة بفكرة النموذج النفسي لكن من منظور ماذا يجري داخل الدماغ تحديدًا.
٢) من المنظور العصبي هناك معالجة يطلق عليها Reinstatement Effect: وهي شبيهة بفكرة النموذج النفسي لكن من منظور ماذا يجري داخل الدماغ تحديدًا.
هذا النموذج يرى أنه أثناء إدراج حدث معين للذاكرة، تنشط عدة مناطق في الدماغ، بعضها لمعالجة التفاصيل الحسية، وبعضها لمعالجة المشاعر، وبعضها لتنشيط قدرة الانتباه، وبعضها للتفاصيل الزمانية، والمكانية ...إلخ، وتختلف هذه الأنشطة بحسب الأحداث والأشخاص.
أثناء حدوث تلك العمليات المختلفة المرتبطة بذلك الحدث يقوم جزء في الدماغ يدعى "الحصين" بتسجيل النمط العصبي لنشاط تلك العمليات، مما يجعل لذاكرتنا لذلك الحدث بصمته الخاصة، لذا قد تنشط نفس مناطق الدماغ ودوائره لذاكرتين مختلفتين تمامًا، لأن مشاركة نفس المناطق لا تعني تشابه عملياتهما.
هذه العملية التي يقوم فيها الدماغ بتسجيل النمط الخاص بكل حدث ويفصله عن غيره من الأحداث حتى لو كانت مشابهة، يطلق عليه تمييز النمط أو "Pattern Separation"، وهو يساعد في ربط كل حدث بنمطه العصبي الخاص به، فيميز الحدث بمجموع تفاصيله عن غيره.
ما الذي يحتاجه الحصين هنا ليقوم بتشغيل ذلك النمط العصبي الخاص بالحدث فنتذكره؟ يحتاج إلى أن نعرّضه لجزء من ذلك الحدث، فيقوم هو بإكماله لنا وتنشيط الحدث بالكامل مرة أخرى من خلال تنشيط المناطق التي شاركت في تسجيله أول مرة، تعرف عملية إكمال النمط هذه بـ"Pattern Completion".
معنى هذا أننا لسنا بحاجة للتعرض لما يذكرنا بالحدث بالكامل، بل يكفي تعرضنا لجزء منه يذكرنا به.
لكن مرة أخرى، ليس بالضرورة أن يستعاد النشاط كما حدث تمامًا أو تنشط كل مناطق الدماغ التي شاركت في تسجيل الحدث، هناك نسبة من التداخل المطلوب لم يصل العلماء بعد إلى تحديدها.
لكن مرة أخرى، ليس بالضرورة أن يستعاد النشاط كما حدث تمامًا أو تنشط كل مناطق الدماغ التي شاركت في تسجيل الحدث، هناك نسبة من التداخل المطلوب لم يصل العلماء بعد إلى تحديدها.
وهنا أود أن أنوه على أهمية خاصيتَيْ تمييز النمط وإكمال النمط، فلو أننا كلما تعرضنا لمحفز قام الدماغ بإعادة ذاكرتنا للحدث المتعلق بذلك المحفز، لأصبحت معظم لحظات حياتنا محبوسة في عملية التذكر، مما يعيق حياتنا الطبيعية، لذلك تأتي خاصية تمييز النمط لتجعل عملية التذكر مشروطة ومتطلبة.
ومن هنا ندرك أيضًا أن هناك عدة شبكات ودوائر تشارك في عملية الذاكرة، بعضها متعلق بأمور أخرى كالانتباه والحس وغير ذلك، بل إن الموضوع أكثر تعقيدًا من مجرد نشاط لعدة شبكات عصبية (وهذا أمر يسري على العمليات الذهنية عمومًا)، وندرك أيضًا لماذا يولي العلماء "الحصين" أهمية بالغة للذاكرة.
جاري تحميل الاقتراحات...