Khalid AlAttas
Khalid AlAttas

@kaattas

61 تغريدة 151 قراءة May 08, 2020
أحبتي نبدأ التغريد من كتاب
"القرآن محاولة لفهم عصري"
تأليف الدكتور مصطفى محمود
"المعمار القرآني"
كان أول لقاء لي مع القرآن و أنا في الرابعة من العمر طفلاً أجلس في الصف في كتاب الشيخ محمود
كان عقلي آنذاك صفحة بيضاء نقية لم يكتب عليها شيء و لم تتلق تأثيراً تربوياً خاصاً
فقد نشأت في أسرة كل فرد فيها متروك لحاله يحب ما يحب و يكره ما يكره و يلعب حتى يشبع لعباً
هكذا كانت تجري الأمور في بيتنا
لا إرغام على مذاكرة و لا قهر على تدين و إنما لكل حياته و على كل تبعته
لم نعرف غسيل المخ الذي عرفه كثير من الأطفال في أسر متزمته تحشر العلم و الدين حشراً في عقول أطفالها بالكرباج و العصا
و أحار في وصف الشعور الذي تلقيت به أول عبارة من القرآن
لا أجد كلمات تشرح هذا النوع من الاستقبال النفسي الغامض
وكيف كانت الكلمات تعود من تلقاء نفسها فتراود سمعي و ذاكرتي وأنا وحدي فأراني أردد بلا صوت "والضحى والليل إذا سجى"
وتقتحم علي العبارة القرآنية سكون طفولتي فأتذكر في ظلام الليل إلقاء الشيخ وهو يردد"وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى"
نعم لقد إكتشفت منذ تلك الطفولة البعيدة دون أن أدري حكاية الموسيقى الداخلية الباطنة في العبارة القرآنية
وهذا سر من أعمق الأسرار في التركيب القرآني إنه ليس بالشعر و لا بالنثر و لا بالكلام المسجوع و إنما هو معمار خاص من الألفاظ صفت بطريقة تكشف عن الموسيقى الباطنة فيها
الموسيقى الباطنة من أسرار المعمار القرآني لا يشاركه فيه أي تركيب أدبي
كل عبارة بنيان موسيقي قائم بذاته تنبع فيه الموسيقى من داخل الكلمات ومن ورائها ومن بينها بطريقة محيرة لا تدري كيف تتم
لكن الموسيقى الباطنية ليست هي كل ما انفردت به العبارة القرآنية و إنما معها صفة أخرى هي الجلال
وقعت العبارة القرآنية على آذان عرب الجاهلية عشاق الفصاحة والبلاغة وقع الصاعقة
فلم يكن مستغربا من الوليد بن المغيرة الذي عاش ومات على كفره أن يذهل ولا يستطيع أن يكتم إعجابه بالقرآن فيقول عنه
"ان لقوله لحلاوة وان عليه لطلاوة وان أعلاه لمثمر وان أسفله لمغدق وإنه ليعلو ولا يعلى عليه"
لا تقع على أذاننا اليوم العبارة القرآنية موقع السحر والعجب والذهول بسبب التعود والألفة منذ الصغر
والأداءالرتيب الممل من مرتلين يكرون السورة بنبرة واحدة لايختلف فيها موقف الحزن من موقف الفرح من موقف الوعيد من موقف العبرة
وبسبب الحياة العصرية وتعدد المشاغل وتحجر القلوب وصدأ الأرواح
يحتاج الإنسان إلى لحظة صفاء لكي ينزع نفسه من هذه البيئة ويرتد طفلاً وترتد له نفسه على شفافيتها لتعيد له ذلك الطعم الفريد والنكهة المذهلة والإيقاع المطرب الجميل في القرآن
اسمع وصف القرآن للعلاقة الجنسية بين رجل وامرآة بكلمة رقيقة مهذبة لن تجد لها مثيل
"فلما تغشاها حملت حملا خفيفا"
وألفاظ أخرى حين تسمعها في القرآن تترك في السمع رنين وصدى وصور
فحين يقسم الله بالليل والنهار
"والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس"
"عسعس"هذه الحروف الأربعة هي الليل مصوراً بكل مافيه
"والصبح إذا تنفس" إن ضوء الفجر هنا مرئي و مسموع حتى تكاد تسمع زقزقة العصافير و صياح الديكة
فإذا كانت الآيات نذير الغضب وإعلان العقاب فإنك تسمع الألفاظ تتفجر وترى المعمار القرآني كله له جلجلة
اسمع وصف الله لقوم عاد
"وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية"
فترى في الآيات بوضوح صورة الأرض الخراب
والصور القرآنية كلها تجدها مرسومة بهذه اللمسات السريعة والظلال المحكمة والألفاظ التي لها جرس وصوت وصورة
ولهذه الأسباب مجتمعة كان القرآن كتابا لا يترجم "إنا أنزلناه قرأنا عربيا"
فلسنا أمام معنى فقط بل نحن أمام معمار
لهذا تحدث الآيات القرآنية الخشوع في النفس بمجرد أن تلامس الأذن
"مخير أم مسير"
أوصى النبي صل الله عليه وسلم أصحابه بعدم الدخول في جدل
وقال لهم إذا جاء ذكر القدر فأمسكوا
حينما تقيم الضوابط على شهوتك تكسب حريتك لأنك تصبح سيد نفسك لا عبدا لغريزتك
كل اختيار ضد الحياة وضد القانون الطبيعي ليس اختيار
فإذا أردنا أن نزداد حرية نسبح مع التيار وليس ضده
إن الله يتركنا ولو إخترنا العمى على الهدى وقد سبقت بهذا مشيئته
وعرض علينا حمل الأمانة وهي الحرية والمسئولية التي رفضت حملها الجبال
"انا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا"
والقرآن يكتفي بأن يعطي ومضة ولمحة
بالحرية التي قبلها الإنسان مختارا
حقت عليه المسئولية والمحاسبة
وبذلك أشار القرآن
"كل نفس بما كسبت رهينة"
كل امرئ بما كسب رهين"
"وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه"
"ولا تزر وازرة وزر أخرى"
فلا يستطيع أحد أن يفتدي آخر أو يحمل عنه ذنبه
لكلٍ عمله و عليه وزره
فالمبادرة بالنية حرة تماما
أكرمك الله بحرية الإرادة
فأنت محاسب عليها وهذا منتهى العطاء الإلهي والعدل
فترك لك المبادرة بالنية ليأتي بعدها القضاء فيزيدك مرض إن أضمرت المرض في قلبك ويهديك إن بادرت إلى الهدى ويصرفك عن الهدى إن أضمرت الكبر
منطقة الضمير متروكة لك لتبادر بما تشاء
بعدها ينزل القضاء ويحق عليك القول
يعتبرك القرآن حر ومسئول مهما أحاطت بك ظروف الإستبداد فيقول إشارة لمثل هذه الظروف
"ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها"
لا أعذار
حينما تقضي اللحظة أن تختار فأنت تختار نفسك بالفعل
"إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا"
"ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها"
"وهديناه النجدين"
إختار إبليس لنفسه الكبرياء والجبروت والتعاظم حين رفض أن يكون في خدمة آدم مثل بقية الملائكة
"أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين"
اختار ابليس لنفسه الغرور بغير علم و لا حق فاختاره الله ليغرر بالناس وقضى عليه قضاء من جنس ضميره
وبالمثل أبصر الطهر في قلب محمد فاختاره نبيا للهداية
"قصة الخلق"
ونحن نقرأ ما يقوله القرآن عن قصة الخلق نتأكد بأن القرآن لم يأت ليعادي العلم ولكن ليقودنا إلى اليقين في مقابل الشك
أعود للحياة وألتقط رؤية داروين أبا التطور عن مسيرة الحياة حين لاحظ إن الحياة تتلون وتتكيف وتغير من تكوينها لتتلاءم مع بيئتها على الدوام
لم يقل داروين إن الإنسان إنحدر من القرد وأن الجنس البشري من سلالة شمبانزي وإنما هي نكتة روجتها الصحف
فلا تقول النظرية في أصلها المكتوب بأن أياً من الأجناس الموجودة خرج من الآخر فكل صنف هو ذروة نوعه وهو مستقل بتكوينه لا يلد إلا مثله
وقف داروين أمام ظاهرة الترقي مفكراً متأملا
ابتكر داروين لنفسه تفسير فقال إن الترقي حدث بحوافز داخلية مادية بحتة وبدون يد هادية من الخارج
وهو خطأ وقع فيه داروين في نظريته عن النشوء والإرتقاء حينما قال بأن عوامل التطور هي عوامل داخلية لمجرد أنه لا يرى يد الصانع الخالق المبدع
فكرة لم تعد مقنعة وسقطت بعد التمحيص وإعادة النظر
للقرآن أسلوب مختلف
فحين يشير لمسألة علمية لا يعرضها مثل أينشتاين بالمعادلات أو كعالم بيولوجي بالتفاصيل التشريحية
إنما يقدمها بالإشارة والرمز والمجاز والاستعارة واللمحة الخاطفة والومضة البراقة
فتجدها في كلمة قد لا يفهم تفسيرها معاصريها ولكنه يعلم أن المستقبل سيشرحها ويثبتها تفصيلا
يقول الله تعالى
"سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق"
ويقول عن كلامه
"وما يعلم تأويله إلا الله"
وعن القرآن
"ثم إن علينا بيانه"
قال القرآن عن قصة الخلق
البدء الأول
"ثم استوى إلى السماء وهي دخان"
وصف الليل والنهار
"يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل"
عن الشمس والقمر
"والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم"
والعرجون هو فرع النخل اليابس لاخضرة فيه أو حياة
"لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون"
عن السماء والأرض
"والسماء ذات الحبك"
"والأرض بعد ذلك دحاها"
وهو مايوافق الفلكيين عن شكل الأرض
عن الجبال
"وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب"
فيثبت أن الأرض بجبالها في حالة حركة
عن مياه الأمطار
"ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض"
ليشرح دورة المياه الجوفية من السماء إلى سطح الأرض لخزانات جوفية ثم إلى نافورات وينابيع تعود إلى سطح الأرض من جديد
في ذكر الحياة
"وجعلنا من الماء كل شيء حي"
"والله خلق كل دابة من ماء"
"أكفرت بالذي خلقك من تراب"
"وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من صلصال من حمأ مسنون"
يذكر الله مرة أن الحياة خلقت من الماء ومرة من تراب ثم يخصص ويقول من ماء منتن مخلوط بالتراب ليتفق مع إكتشافات العلم الحديث
في خلق الإنسان
"وقد خلقكم أطوارا"
تشير أن هناك صور وصنوف من الخلائق قبل آدم جاء هو ذروة لها
"هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا"
إشارة لمرحلة من الدهر لم يكن فيها الإنسان يساوي شيئا يذكر
"الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى"
أي أنه هدى مسيرة التطور حتى بلغت ذروتها في آدم
"وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم"
"والله أنبتكم من الأرض نباتا"
ربط بين أمة الإنسان وبين أمم الحيوان كالدواب والطير والنبات
"ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين"
إشارة أن الإنسان لم يخلق من الطين ابتداء
بل من سلالات طينية تمهيدا لظهور نوع الإنسان المتفوق
عن نشأة الأجنة
"يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث"
يكشف لنا الخلق داخل الرحم على أطوار خلق من بعد خلق
وأنه يجري داخل ظلمات ثلاث هي ظلمة البطن و ظلمة الرحم وظلمة الغلاف الأمنيوسي
كل غرفة منها داخل الأخرى والجنين في قلبها وهي حقائق تشريحية أثبتها العلم حديثاً
"وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى"
أثبت أن الحيوان المنوي هو الذي يحدد جنس المولود وليست البويضة
كيف جاء القرآن بكل هذه الموافقات مع نتائج العلوم والأبحاث
هل هي مصادفة؟
إن سلمنا بالصدفة مرة فكيف نسلم بالباقي؟
وكيف خطر على ذهن نبي حقائق لايعرفها عصره وتظهر بعد موته
إختار الإنسان أن يكون حر ومسئول
وأن يخرج عن الأمر الإلهي بإغراء إبليس
أكل من الشجرة فوقع عليه التكليف وأصبح محاسب من لحظتها وحق عليه العقاب والطرد والإهباط من الجنة إلى عالم الكدح والتعب والمرض والموت
كان الفرق بين خطيئة آدم وخطيئة الشيطان أن آدم رجع تائبا إلى الله طامعا في رحمته
"قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون"
إتباع الإنسان لهدى الله بمعرفة خطأه والعودة إلى الجنة التي هبط منها أبوه
فيسلم الإنسان نفسه لربه محبة وطواعية ليكون أفضل من الجمادات والنجوم والتي تسلم نفسها لقوانين الله قهراً
وبدون اختيار
هناك آيات كواشف تشير لمرحلة روحية عشناها في الملكوت قبل النزول للأرحام وأنه كان لنا وجود قبل الميلاد كما أن لنا وجود بعد الموت
وفي أسماء الله أنه
"الخالق البارئ المصور"
الخالق الذي خلقنا أرواحا
البارئ الذي أعطانا رخصة الوجود
المصور الذي صور لنا القوالب التي نزلنا بها في الأرحام
يقول النبي محمد صل الله عليه وسلم
"كنت نبياً وآدم يجدل في طينته"
ويقول الله في القرآن لمحمد
"قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لاشريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين"
كلمات تعني سبق الوجود المحمدي على جميع الأنبياء
إذ يعتبر القرآن جميع الأنبياء مسلمين و محمد أولهم
يحدثنا القرآن في قصة خلق السماوات
"الذي خلق سبع سماوات طباقا"
"ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق"
"وبنينا فوقكم سبعا شدادا"
سبع سماوات
سبع أراضين
سبع درجات للضوء
سبع نغمات للصوت
سبعة أبواب لجهنم
سبع سنوات عجاف
سبع بقرات سمان
لاشك أن القرآن يشير لسر خطير من أسرار الكون ومسألة علمية مهمة
"الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون"
خلق الله الانسان والجن والنبات من زوجين
مالم نكن نعلمه وكشفه العلم أن هذه الزوجية هي في الأشياء أيضا
"ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون"
الثنائية الازدواجية في تركيب الأحياء والجمادات يكشف لنا العلم أسرارها كل يوم
وصف القرآن البحار يوم القيامة
بأنها تفجر وتضرم فيها النيران
"وإذا البحار سجرت"
"وإذا البحار فجرت"
"والبحر المسجور"
يقسم الله بالبحر إذ يفجر ويضرم ناراً
يوم القيامة بأن العذاب واقع وأنه حق
ظل البحر المسجور لغز حتى أثبت علماء الجيولوجيا بأن الأحزمة البركانية والزلزالية تحت الماء
ذروة الإضطراب البركاني والزلزالي
تحت الماء في جوف الأرض الناري المتأجج بالحرارة
يحفظه من التفجر توازن القشرة الأرضية والجبال التي تعمل كثقالات تحفظ القشرة وترسيها
"وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم"
"والجبال أوتادا"
و بحلول القيامة تنسف هذه الجبال و تتدفق حمم النار من قيعان البحار
"الجنة والجحيم"
كل ما جاء في القرآن عن الجنة والجحيم هي لون من ألوان ضرب الأمثال ومن تقريب الصورة
لكن القرآن لا يتركنا في ضباب الأمثلة فما يلبث أن يقطع بالقول الفصل
"فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون"
فتحال القضية إلى غيب يستحيل التعبير عنه بلغة أهل الأرض
أما جهنم فهي شيء فظيع لا هي بالحياة ولا هي بالموت
"فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة"
"لهم من فوقها ظلل ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون"
تخويف العزيز الرحيم بشيء سيحدث حتماً وسيكون أسوأ من جميع ما قيل و كتب مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر
قد يعترض معترض ويقول
ألا يتنافى مع رحمة الله وعظمته أن يعذب إنسان لا يساوي ذرة في مملكة الله اللانهائية
الجواب
أن الله فعلاً لا يعذب ولكنه يعدل فقط
ولو أنه ساوى في الآخرة بين ظالم ومظلوم وبين قاتل وقتيل بحجة الرحمة لكان أبعد ما يكون عن الرحمة وعن العدل وهو ظلم فادح تعالى الله عنه
ما معنى أن يموت ظالم ومظلوم فيصبح تراب بلا بعث و حساب
هو ظن خاطئ
"أيحسب الإنسان أن يترك سدى"
"ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك"
هي قضية عدالة ومنطق وليست قضية تعذيب لهدف التعذيب
"وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون"
من عاش فقط للأكل والمضاجعة له رتبة سفلى مقارنة بمن عاش يعقل ويتفكر
تتضاعف في الآخرة الفروق
"انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا"
"سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله"
هذا الصغار سيعذب ويحرق وسيكون حسرة على صاحبه حين يرى مكانته ومدى خسارته مقارنة بالآخرين
"ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته"
الخزي في الآية أشد من النار إيلاما
لا يعذب الله لمجرد العذاب
إنما يأتي العذاب من إحساس من هم في أسفل الدرجات بالغيرة والحسد والهوان والخسران الأبدي
حيث يحرق هذا الإحساس الصدور كما تحرقها النار وسوف يكون هو النكال والتنكيل
سوف يبعث الله كل واحد على رتبته ومقامه ودرجته فهذا عين العدل
وسوف يتأتى العذاب من تفاوت الرتب
أما عذاب الجحيم فهو أكيد
"كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين"
ولأن الله يعلم أن هذا العذاب سيكون رهيبا فقد حذرنا منه وخوفنا بالألفاظ المجلجلة وأرسل لنا الأنبياء مبشرين ومنذرين ومؤيدين بالمعجزات
فعل ذلك رحمة منه وحناناً وعطفا
وهو القائل "سبقت رحمتي غضبي"
في الفاتحة يصف الله نفسه بالرحمن الرحيم قبل مالك يوم الدين
يوم يحق القول على العالمين
ولأنه رحيم فتح باب التوبة على مصراعيه
"قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا"
وأقام شروط المغفرة
"وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى"
نفهم من القرآن أن سنة الله إيقاظ الغافلين في الأرض بالابتلاء بأصناف البؤس والمرض والعذاب لعلهم يدركون حقيقة زوال الدنيا
فإن نفذت فيهم كل هذه الآلام الدنيوية ولم ينتبهوا فتح الله عليهم أبواب كنوزه ليتمتعوا وحقت عليهم كلمته بالهلاك في الآخرة
فما يبدو لنا أنه نعمة قد يكون حقيقة نقمة
فليس الخير الظاهر في الدنيا والنعمة الغامرة بعلامة رضا الله في جميع الأحوال ولا عذاب الدنيا وبلائها بعلامة غضب الله
فقد يكون الخير غضباً وقد يكون البلاء لطف من الله
"أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون"
"إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين"
وصف القرآن لأهل الجحيم
"عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء"
فأدخل عذابه ضمن رحمته التي وسعت كل شيء
وعن الحساب يقول
"اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا"
والحساب هنا هو حساب النفس للنفس وتنكيل النفس بالنفس ومواجهة النفس للنفس
فلزم كل واحد عمله وحق القول ونفذ العدل الأزلي
وصف الله يوم القيامة بألفاظ رهيبة ذات جلجلة وصلصلة تقرع الأذان كالأجراس
لتوقظنا من الغفلة رحمة بنا وحنانا ولطفا
فهي الساعة والواقعة والقارعة والزلزلة والدمدمة والغاشية والراجفة والرادفة والزجرة والسكرة والطامة والحاقة والصاخة
"فإذا جاءت الصاخة يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه"
تعالى الله العدل الحكم عن عذابنا شهوة في عذاب
ورد في أخبار داود أن الله قال
"يا داود أبلغ أهل أرضي أني حبيب لمن أحبني وجليس لمن جالسني وصاحب لمن صاحبني ومختار لمن اختارني ومطيع لمن أطاعني من طلبني بالحق وجدني ومن طلب غيري لم يجدني"
أنعم به من رب رحيم
تقدس وتعالى عن الظلم والعدوان
"الحلال والحرام"
التحليل في القرآن لكل طيب نافع والتحريم لكل خبيث ضار
"ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث"
لم يكن الأمر تسلطا وتضييقا على الناس
"قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم"
"وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن"
بل إستنقاذ للإنسان من العبودية والتعلق بسبب نظرة تتبعها رغبة ثم شهوة
من أكبر الذنوب عند الله التعصب للنفس والميل مع الهوى و مع حمية العنصرية وكبرياء العرق والجنس
المتعصب يعبد نفسه وفهمه المحدود وليس الله
وجوهر الدين هو تجاوز النفس وإنكارها وكبح شهواتها والتحرر من أطماعها والتخلص من الغرور و الكبر و العناد
فكل هذه أغلال والدين يحرمها ليخلصك منها
أبغض الحرام إلى الله الشرك أو عبادة غير الله
والشرك ليس فقط عبادة الأصنام فهذا لون قديم ساذج انتهى
وأخطر الأصنام هي ما يعبد الآن في كل مكان
أن تتخذ نفسك صنما فتعبد رأيك وهواك ومصلحتك فلا يشغلك إلا نفسك
"أفرأيت من اتخذ إلهه هواه"
هذا هو إله اليوم من تقدم له القرابين من دم الآخرين
ما الضرر أن يعبد الإنسان نفسه ولا يرى غير مصلحته؟
سيقضي حياته في عزلة فلن يرى إلا نفسه ومكاسبه الخاصة ولن يشعر بآلام الآخرين
ستصبح نفسه حجابا بينه وبين الله
وبينه وبين الحقيقة والعدل
"وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون"
ما السد الذي كأنه غشاوة إلا نفسك
"فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة"
لا عقبة أمامك سوى نفسك
عليك أن تقتحمها لتتمكن من فعل أي خير
فلن تستطيع فك رقبة من تستعبد
إلا إذا فطنت إلى استعباد نفسك لك وفككت عنها أغلالها
اهزم نفسك وانتصر عليها
ستجد بعدها أن أي خير سيصبح ممكنا وسوف تستطيع أن تحب وتعطي وتجود وتمنح
"العلم والعمل"
أول مانزل من القرآن كلمة إقرأ
"إقرأ باسم ربك الذي خلق"
الأمر بالعلم قبل الأمر بالصلاة والصيام وتفصيل الشرائع وقبل الكلام عن العقيدة وهذا منتهى التشريف للعلم العلماء
وتوالت بعد ذلك الآيات التي تأمر بالعلم
"وقل رب زدني علما"
"قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون"
تتكرر كلمة العلم ومشتقاتها في القرآن نحو 850 مرة
ليس علم نظري فارغ بل علم مقرون بالعمل
ولأن أول أمر في القرآن وفي الإسلام هو أمر صريح بالقراءة والتعلم فلا يصح أن يدعي الإسلام جاهل لا يقرأ مهما صلى وصام وحمل المسابح وحوقل وبسمل ورتل
فالشرق العربي بجهله هو كافر بأوليات كتابه ودينه
بل ان العالم الغربي الأوروبي بما فيه من علم وعمل وفكر ونشاط دائب خلاق هو أقرب لجوهر الإسلام والقرآن من هذا الشرق الكسول المتخاذل الغارق لأذنيه في الجهل المزري
فعلينا أن نفهم القرآن قبل أن ندعي أننا من أهل القرآن
إقرأ أولا لتعرف الحق وقوانين العالم الذي تعيش فيه قبل أن تنوي إصلاحه
يدعو القرآن لمنهج (السير والنظر)
"قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق"
السير وجمع الملاحظات وتدوين المشاهدات ثم النظر فيها واستقرائها لاستخراج القوانين
وقد اهتدى علماء عرب لهذا المنهج فكان لهم عطاء وإثراء
ابن حيان في الكيمياء
ابن سينا في الطب
ابن الهيثم في الهندسة والرياضيات
يؤكد القرآن أن العمل الصالح الخالي من الإيمان لا يكون صالحا لأنه صدر من قلب يجحد خالقه فمصيره البوار
"وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا"
وعن أعمال الكفار الصالحة
"أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف"
فيتجرد العمل الصالح عن الصلاح بتجرد قلب صاحبه عن الإيمان بالله

جاري تحميل الاقتراحات...