عثمان الشهري
عثمان الشهري

@oalshehri789

47 تغريدة 21 قراءة May 09, 2020
في #مختارات_من_كتاب وتحت هذه التغريدة، أنقل لكم بعض ما في هذا الكتاب لأسلي نفسي والمتابعين بمحتواه #لسانيات #لغويات #علم_اللغة
هذا الكتاب مقدمة مختصرة لعلم اللغة النفسي (psycholinguistics)، فهو بعبارة أخرى يسلط الضوء على الروابط المشتركة بين علم النفس وعلم اللغة (اللسانيات)
يتناول الكتاب ثلاثة محاور أساسية:
١) اكتساب اللغة: هل اكتساب اللغة ناتج عن غريزة لغوية يولد بها الإنسان، أم أن ذكاء الإنسان الكبير نسبة لغيره من الحيوانات أكسبه القدرة على تعلم اللغة، أم أن اللغة نتيجة هذين العاملين معا
٢) الروابط المشتركة بين القدرة اللغوية والأداء اللغوي (competence vs performance): قدرة الإنسان اللغوية تظهر في أدائه اللغوية، الدراسات اللسانية تهتم في فهم القدرة اللغوية؛ إذ أن الأداء اللغوي غير سالم من تأثير عوامل عدة مثل النسيان، التلعثم، الارتباك وغيرها على الإدراك
٣) إحداث الكلام واستيعابه (speech production and comprehension): كيف يحدث النطق وكيف يتم استيعاب المنطوق؟
يمكن تصنيف الجدال حول اكتساب اللغة من خلال الانقسام الفلسفي المعروف بين الطبيعة والنشأة (nature vs nurture)؛ هل اللغة سمة طبيعية عند البشر مثل ما أن النباح سمة طبيعية عند الكلاب، أم أنها نتاج عملية تعلَم---مثل تعلم الموسيقى
بعبارة أخرى، هل يولد الإنسان بمَلَكة لغوية تمكنه من تعلم أي لغة يتكلمها المجتمع الذي هو فيه، أم أنه يولد بـ"لائحة فارغة" (blank slate) غير مهيأة لأي شيء، وما يمر به الإنسان من تجارب منذ ولادته هو ما يملؤها
سكينر يُعد من أبرز من رأى أن اللغة عبارة عن سلوك يتعلمه الطفل؛ في مؤلفه الشهير "السلوك اللفظي" ---إن صحت الترجمة--- زعم سكينر أن اللغة تكتسب بملاحظة الأحداث في البيئة المحيطة التي بدورها تحفيز الطفل على النطق
فهْم سكينر للغة مبني على تجارب مخبرية على فئران وحمام أثبت فيها أن الحمام والفئران قادرة على القيام بمهام معقدة إذا توفرت الشرطان التاليان: ١) أن تقسم المهام لعدة خطوات متتالية ٢) أن يعزز الحيوان بشكل متكرر
لاقت آراء سكينر حول اللغة انتقادات لاذعة من تشومسكي؛ لو كان الكلام نتيجة تأثير عوامل خارجية كما يدعي سكينر، فسيكون من السهل التنبؤ بما يقوله الناس، وفي هذا اختلاف جذري عن السلوك المتوقع من الفئران التي تعلمت فعل شيء ما إذا أضيء مصباح أو رن جرس
المشكلة الأخرى في آراء سكينر (كما يقول تشومسكي) هي غياب التعزيز (reinforcement) في مرحلة اكتساب اللغة: الأطفال لا يكافؤون على صحة لغتهم، على عكس الحمام والفئران في تجارب سكينر التي لا يمكن أن تتعلم سلوكا معينا من دون تعزيز
في دراسات لسانية قام بها روجر براون (١٩٦٨)، وُجد أن الأمهات لا يهمهن صحة ما يقوله أطفالهن لغويا، وإنما إن كان ما قال الأطفال حقيقة أو لا
إظهار الثغرات في منطق سكينر لا يعني بالضرورة خلو منطق تشومسكي من الخطأ، ولكن كان في هجوم تشومسكي على آراء سكينر (الرائدة حينئذ) نقطة تحول ليس في اللسانيات فحسب، ولكن في علوم الإدراك (cognitive science) بشكل عام؛ إذ أن الهجوم طال المدرسة السلوكية (behaviorism) التي ينتمي لها سكينر
أورد هوكيت (Hockett 1963) بعض سمات اللغة، ولعلي أذكر منها أهمها وهي التي تتفرد بها لغة البشر
١) الاعتباطية (arbitrariness): لا توجد علاقة بين الأصوات أو الحروف المكونة لكلمة معينة والشيء الذي ترمز إليه، فمثلا علاقة الحروف أو الأصوات المكونة لكلمة "كلب" بالحيوان الذي ينبح علاقة اعتباطية، ولو كانت غير ذلك، كان لهذا الحيوان نفس المسمى في جميع اللغات
٢) الإبداع اللغوي (creativity): قدرة الإنسان على قول أو فهم أي شيء في أي وقت
٣) البناء الهيكلي (structural dependence): قدرة الإنسان على معرفة دور كل كلمة في الجملة ومحلها في الدلالة اللغوية، مثلا الجملة الموصولة "الذي أعطيته" في "قرأ علي [الكتاب [الذي أعطيته]]" هي جزء من المفعول به
من أشهر الذين تعلموا لغة البشر من الحيوانات هو الشمبانزي نِم تشيمسكي (Nim Chimsky) الذي تعلم من لغة الإشارة الشيء الكافي لإثارة فضول كثير من الباحثين، كانت جمل تشيمسكي مكونة من أربع كلمات كحد أعلى.. تعرفوا على تشيمسكي من هنا youtube.com
في الفصل الثالث من هذا الكتاب، تناقش المؤلفة التكوين الحيوي للإنسان الذي مكنه من اللغة، المحاور الثلاثة التي ناقشتها أيتشيسن هي الجهاز الصوتي، والرئتان، والدماغ.. لعلي في هذه السلسلة أذكر بعض النقاط المهمة في الدماغ فقط؛ إذ أنه هو المحور الأساس من بينها
مهمةٌ الإشارة إلى اهتمام الباحثين في علوم الإدراك بتطور الدماغ البشري الذي نتج عنه القدرة اللغوية عند الإنسان الحديث. الفرضيات كثيرة، ولكنها تفتقر للدليل القاطع. أيتشيسن في هذا الفصل لم تكلف نفسها الإسهاب في هذا الجانب، ولكنها قدمت شرحا ماديا (material explanation) للغة في الدماغ
عرفنا من علم التشريح أن للدماغ شقين (hemisphere): أيمن وأيسر، وأن الشق الأيمن هو المتحكم في الجانب الأيسر من الجسم، والشق الأيسر هو المتحكم في الجانب الأيمن من الجسم. هذه الحقيقة قادت بعض الباحثين إلى السعي لمعرفة أي الجزئين مسؤول عن اللغة
في دراسات الاستماع المزدوج (dichotic listening tests)، يُطلب من المشاركين في الدراسة وضع سماعات، والاستماع لكلمتين مختلفتين في نفس الوقت، كل كلمة تُسمع من أذن
وُجد أن قدرة المشاركين في تذكر الكلمة المسموعة من الأذن اليمنى كانت أعلى من تلك المسموعة من الأذن اليسرى؛ في حين أن النتائج تكون العكس لو كانت الأصوات المسموعة غير لغوية (نغمة موسيقية مثلا)
في هذه النتائج إشارة إلى أن الشق الأيسر من الدماغ هو غالبا المسؤول عن معالجة البيانات اللغوية. "غالبا" هنا تقدر بـ٩٠% من الناس، الاستثناءات حتما موجودة
من أشهر المناطق الشهيرة المسؤولة عن اللغة في الشق الأيسر من الدماغ هما منطقة بروكا (Broca's area) ومنطقة فيرنيكي (Wernicke’s area): الإصابة في منطقة بروكا تؤثر على إخراج الكلام، أما الإصابة في منطقة فيرنيكي فتؤثر على استيعابه
المسألة أشد تعقيدا من هذا التصنيف المبسط، والمهتم بإمكانه البحث في الدراسات المعنية بهذا الشأن، على سبيل المثال، في دراسة بوسنر وريكل (Posner and Raichle 1994) ردٌ على الادعاء الرائج أن المنطقتين المذكورة سابقا مفصولتان عن بعضهما
الفصل الرابع يناقش العنصر البيولوجي في اللغة، ومعظم النقاش مبني على كتاب لينيبيرغ (Lenneberg) "القواعد البيولوجية للغة" (The Biological Foundations of Language). ذكر لينيبيرغ أن أي سلوك مدفوع حيويا (biologically triggered) لا بد من وجود ٦ خصال فيه، فهل هذه الخصال تجتمع في اللغة؟
١) ظهور السلوك قبل الاحتياج إليه: هذه الخاصية موجودة في اللغة، فالأطفال بلا شك يكتسبون اللغة قبل حاجتهم إليها
٢) ظهور السلوك ليس استجابة لقرار واعي: هذه الخاصية موجودة في اللغة، فالأطفال لا يقررون بين ليلة وضحاها أن يبدؤوا باستخدام اللغة
٣) ظهور السلوك ليس استجابة لعوامل خارجية: هذه الخاصية موجودة في اللغة أيضا، فالبيئة المحيطة غير المتغيرة لن تكون عائقا لبدء الكلام، ولكن هذا لا يعني أن البيئة الفقيرة لغويا لن تعرقل سير اكتساب اللغة، فأي سلوك بيولوجي يحتاج إلى بيئة غنية لتساعده على النمو بشكل طبيعي
٤) ليس للتعليم المباشر أو الممارسة المكثفة تأثير قوي على ظهور السلوك: توجد هذه الخاصية في اللغة، فالأطفال لا يستجيبون للتصحيح اللغوي الذي يتلقونه ممن يعتني بهم
٥) تطور السلوك يمر بمراحل منتظمة عادة تكون مرتبطة بعمر الكائن أو جوانب أخرى من نموه: هذه الخاصية موجودة في اللغة، فالأطفال يمرون بعدة مراحل بين مرحلة البكاء ومرحلة النضج اللغوي، مثل مرحلة المناغاة، التنغيم، الكلمة الواحدة، الكلمتين، تصريف الكلمات...إلخ
٦) قد يكون للسلوك فترة حرجة (critical period) في مرحلة تطوره: النقاش حول موضوع الفترة الحرجة للغة له تفرعات معقدة، ولكن قد لا يخفى على أحد أن تعلم اللغة في الصغر أسهل بكثير من تعلمها في الكبر، وأسباب ذلك كثيرة، ولكنها غير حاسمة
نستنتج من هذه الخصائص أن اللغة سلوكا بيولوجيا، ولكن لا يعني هذا أن التكوين البيولوجي (nature) هو المهيمن الوحيد على اللغة، فاللغة خاضعة لتأثير عامل آخر هو النشأة (nurture)؛ وبالتالي، فاللغة---بعبارة أصح---تعتبر سلوكا طبيعيا ترعاه النشأة
عرفنا الآن أن لدى الإنسان قدرة فطرية على اكتساب اللغة، ولكن اللغز المحير هو أي شيء في اللغة فطري؟ موقف تشومسكي الشهير يقول أن لدى الأطفال جهاز لغوي (language acquisition device) يمكّنهم من تحليل الكلام واستخلاص القواعد اللغوية منه
منطق تشومسكي يستند على فكرة "الفقر في التحفيز" (poverty of stimulus)، والتي تقول أن معدل ما يسمعه الأطفال من اللغة في البيئة المحيطة غير كافٍ لاكتساب أي لغة، وبالتالي فلا بد من وجود قدرة فطرية تساعد الطفل في تحليل واستخلاص القواعد النحوية من اللغة (أو اللغات) التي يسمعها
تشومسكي إذن يرى أن الأطفال يولدون قادرين على تمييز ما يمكن أن تكون لغة مما يُسمع في البيئة المحيطة، معتمدين في هذا التمييز على قواعد اللغة العالمية (Universal Grammar).
لم يعد لرأي تشومسكي قوته التي عرفت عنه حتى الثمانينات من القرن الماضي، بل إن آراءه مؤخرا أصبحت قريبة من تلك التي كانت لخصومه في بداية مدرسته، وهي أن المبادئ اللغوية لا تختلف كثيرا عن المبادئ الإدراكية بشكل عام، ولعل من أبرز المناصرين لهذا الرأي توماسيلو (Michael Tomasello)
يرى توماسيلو (Tomasello, 2003) أن القدرة اللغوية عند الإنسان نتاج عمليات إدراكية، اجتماعية، معلوماتية، مهاراتية، منها ما هو مشترك بين الإنسان والقرود، ومنها ما هو خاص في الإنسان
يدرك العارف بالرأيين أن الاختلاف بينهما اختلاف جذري، فالمسألة عند تشومسكي منطقية (logical problem)، بينما يراها توماسيلو مسألة تجريبية (empirical problem).
المحور الثاني الذي يتناوله الكتاب هو الفرق بين القدرة اللغوية والأداء اللغوي (competence vs performance)، وكما ذكرت سابقا، لا يهتم اللسانيين بالأداء اللغوي بقدر اهتمامهم بالقدرة اللغوية؛ وذلك لأن القدرة اللغوية هي التي تعكس معرفة الناس بلغاتهم
يرى تشومسكي أن كفاءة أي نحو ترتكز على توفر مستويين على الأقل:
١) الكفاءة الرقابية (observational adequacy): تصف أي ظاهرة نحوية في اللغة
٢) الكفاءة الوصفية (descriptive adequacy): تصف القدرة اللغوية لمتحدثي اللغة، فهذا المستوى قادر على صياغة جمل جديدة في اللغة خالية من أي خطأ لغوي
المستويان السابقان كافيان لأي لغة، ولكن هذين المستويين لا يفسران الظواهر اللغوية الموجودة في اللغة، بل إن أي نظرية لغوية لابد أن تطمح لمستوى أعلى، ولهذا أضاف تشومسكي التالي:
٣) الكفاءة التفسيرية (explanatory adequacy): يفسر الهيكل الداخلي للغة الإنسان دون الاعتماد على لغة معينة
المحور الأخير في هذا الكتاب يتكلم عن إحداث الكلام واستيعابه (speech production and comprehension). هذا المحور لا يزال محل اهتمام كثير من اللسانيين؛ إذ أن كيفية استيعاب الكلام لا تزال غامضة لحد ما
تشير الدراسات عموما إلى أهمية المعجم الذهني (lexicon) في استيعاب الكلام؛ فأثناء سماع كلام معين، تقوم المعالجة اللغوية تلقائيا بترشيح الكلمات المناسبة في السياق، واستبعاد غيرها من الكلمات. كما أن الأفعال والتركيب الهيكلي للجمل تعد عاملا آخر أساسيا في استيعاب الكلام
ساعدت هفوات اللسان (slips of the tongue) الباحثين في معرفة كيف يتم إحداث الكلام، فتحليل هذه الهفوات بيّن أن تخطيط الفقرة (clause) يتزامن مع نطق الفقرة التي تسبقها، وفي هذا التخطيط، "ربما" يتم اختيار الكلمات الأساسية، والتركيب النحوي، والتنغيم المناسب للفقرة
أختم بهذه التغريدة هذه السلسلة من هذا الكتاب، وأرجو أن يكون فيما اخترت منه فائدة للقارئ

جاري تحميل الاقتراحات...