Moneem A Daikah
Moneem A Daikah

@m20_el

9 تغريدة 12 قراءة May 06, 2020
عندما مُنعت من تدريس الفلسفة في الجامعة بسبب القانون النازي، قررت سيمون ويل العمل في مصنع للسيارات بشكل متخفّ ثم عملت أخيراً في مزرعة ما وذلك؛ لفهم أبعاد التّجربة الإنسانيّة الأكثر صعوبة. تقول سيلفيا بلاث: حقّا إنّ العمل في المزرعة هو أحد أفضل الأعمال للتّعرف على الناس كما هُم.
عملت ويل في مزرعة غوستاف ثيبون [فيلسوف عاش حوالي تسعين سنة من عمره بعد سيمون ويل] حيث كانت تأملُ أن يأخذها عاملةً له في مزرعته. ولكن العلاقة بينهما لم تكن على نحو كلاسيكي، عاملة ورب العمل. بل تعمّقت بشكلٍ كبير جدّا، حتى كانت بينهم مراسلات عن الصداقة والحزن والانفصال.
ألّف ثيبون كتاب الجاذبية والنعمة يقول فيه: أنا أشكّ في خريجي الفلسفة، وكذلك المثقفين. مع بعض الاستثناءات النادرة. ومع ذلك فإن دافعي الأوّل هو الرّفض. مع ذلك فقد استغل الفرصة لهذه الشابة "ويل" وكتب عن علاقتهما أنها: كانت ودية ولكنها غير مريحة في البداية، واختلفا في كل شيء عمليّا.
ولكن سرعان ما جد في سيمون ويل بعض الاستثناءات النادرة التي تحدّث عنها في كتابه. وطوّر الاثنان صداقة عميقةً تجاوزت أسابيع ويل وهي في المزرعة. حيث كانت ويل عبقريّة في الفلسفة، ومخلصةً وعلى حسن نية صافية في عملها الدؤوب داخل المزرعة.
بعد طرد ويل من وطنها الأمّ اتجهت صوب نيويورك، وقد التقت ثيبون في محطة القطار. قامت بتسليمه محفظة ضخمة في أورواقها وتعليمات بالعناية بها أثناء منفاها. وبالفعل تعهّد ثيبون بما أمرت به ويل، وأصبح راعيا لها في كتاباتها للأجيال القادمة كما أن لها جذور في الرّعاية والاهتمام.
في رسالة له كتبتْ ويل من أميركا: فرحة اللّقاء وحزن الانفصال. ينبغي أن نفرح بهذه العطايا. بكامل روحنا وبتجربة كاملة وعلى قدر الامتنان وبكل الحلاوة والمرارة. اللقاء والانفصال نوعان من الصداقة التي تحتوي على نفس الخير. في الأولى متعة وفي الثانية حزن. عما قريب ستكون هناك مسافة بيننا.
دعونا نحبّ هذه المسافة التي نُسجتْ بالكامل من الصداقة؛ لأن أولئك الذين لا يحبّون بعضهم البعض لا ينفصلون. كما ردّ عليها ثيبون في رسالة لاحقة له عام ١٩٤٢ من خلال مقدّمته لكتابه الجاذبية والنعمة يتحدث فيها عن مثاليتها في الصداقة: يبدو أنّ الوقت حان لنقول وداعاً لبعضنا البعض.
الوجود البشري هشّ للغاية، ويتعرض لمثل هذه الأشياء التي لا أستطيع أن أحبّها دون أن أرتعش. بعد الصدمة الطفيفة للانفصال لن نشعر بأيّ حزن. وإذا كان أن يجب عليك أن تفكّري بي أحيانا، فستفعلين ذلك كما يفكّر المرء في كتاب يقرؤه في طفولته. لا أريد أن أشغل مكانا مختلفا في قلوب الذين أحبهم.
لأنّني حينها أكون متأكدا من عدم تسبّبي لهم في أيّ حزن. بعد أشهر قليلة غادرت سيمون ويل إلى انجلترا وتوفيت في عام ١٩٤٣، حيث بلغت من العمر حوالي ٣٤ سنة فقط. وأفكارها تمّ جمعها في كتاب الجاذبية والنعمة، كأن الإنسان يقرؤه في مرحلة الطّفولة لما فيه من إخلاص و صدق وأكثر عمقاً في النفس.

جاري تحميل الاقتراحات...