محمد الحميدي
محمد الحميدي

@mo992001

23 تغريدة 103 قراءة May 05, 2020
عن الدهشة والمتعة واللذة
(1)
ما علاقة النصوص الإبداعية (الشعرية والنثرية) بالكاتب والمتلقي؟
وما المقصود باللذة والمتعة؟
وهل تندرج الدهشة ضمن هذه العلاقات المتشابكة؟
............
محاولة سبر للعلاقة بين: النص والكاتب والمتلقي.
وفق مبدأ الدهشة واتصاله باللذة والمتعة.
لنبدأ.
(2)
ينبغي التفريق بين أمرين أساسيين يجيب عنهما السؤال التالي:
هل النص الإبداعي نص جمالي أم نص فني؟
وما الفارق بينهما؟
(3)
النص الفني: نص يخضع لقوانين الكتابة ويأتي وفقا لها كما هو مقرر ومحدد من قبل الدارسين والنقاد وأي تجاوز سيعد خرقا للنوع كما فعل أبو العتاهية (أنا أكبر من العروض) أو المحاولات الشعرية التي رافقته وتلته وجاءت على غير الأوزان الشعرية المعروفة.
فهو مصطلح متعلق بالكاتب والكتابة
(4)
أما النص الجمالي: فالقارئ وحده من سيحدد مقدار الروعة والدهشة الكامنة بين كلماته وقد يتناوله بالدراسة والتحليل لبيان الجوانب الإبداعية والجمالية
بينما الكاتب سيزاح جانبا، وسينظر إليه كأي متلقٍ غريب وبعيد وليست بينه وبين النص صلة.
فهو مصطلح متعلق بالقارئ والقراءة
(5)
المتعة التي ينالها المتلقي..
ألها علاقة بالكاتب، وهل تنعكس عليه؟
نعم ولا
نعم لأنه برؤية المديح والإشادة سيشعر بعظمة ما أنجز، وسيبدو كتابع في المتعة للآخرين؛ إذ لا استقلالية لديه هنا
ولا لأنه إن فقد الإشادة سيتوقف عن الكتابة، وسيشعر بأن ما كتبه لا يستحق مجرد النظر إليه.
(6)
إن لحظة اكتمال العمل الإبداعي تعتبر لحظة مفصلية في حياة الكتابة، أما نشره فيعد رهانا على النجاح والفشل
هنا سيظل الكاتب مضطربا ومتوترا لحين الحصول على استجابة لهذا المنجز الذي قدمه
فإذا جاءت بالمديح تلذذ
وإذا جاءت بغير ذلك زالت لذته واستشعر المرارة والخيبة.
(7)
أي كاتب..
لا يعلم مقدار العظمة في نصه إلا بعد عرضه على الجمهور وإطلاقه في الفضاء
بهذا تتحقق له اللذة كما يرى بارت الذي جعل الحد الفاصل هو موته النصي وذلك عبر إبقائه بعيدا ومن ثم تناول العمل الإبداعي بالقراءة والتحليل والتأويل وإبراز جمالياته.
(8)
العملية متعلقة أولا وأخيرا بالمتلقي بينما الكاتب تابع له في شعوره ومتعته وتلذذه
لولا وجوده المتلقي ما كان للكاتب أن يشعر بعظمة منجزه وجماله وروعته ولا استطاع الوصول إلى اللذة التي ينشدها ويريدها عبر ممارسة فعل الكتابة.
(9)
إذن المتعة الناتجة عن النص تأتي:
1- من العملية الكتابية وهي قليلة ولا تكاد تظهر
2- ثم تتضخم مع الأثر القرائي فتحتل مساحة إضافية مع ازدياد القراءات وتسليط الضوء عليه وإبرازه، وهنا تظهر اللذة الحقيقية وتتضخم ويشعر الكاتب بفرادة منجزه وبلوغه مستوى غير مسبوق.
(10)
أيهما يقود إلى الآخر: المتعة تقود إلى الدهشة أم الدهشة تقود إلى المتعة؟
الدهشة تقود إلى المتعة لأنها مرتبطة بالفهم الذي بدونه لا تكون للنصوص قيمة
فما حاجة الإنسان إلى نص غير مفهوم أو لا يمكن استيعابه
هنا خطأ يُرتكب، إذ يُكتب كلام جميل إنما غير مترابط، فتنتفي الدهشة.
(11)
الدهشة: صدمة انفعالية، يمارسها عقل المتلقي حيث يبدأ بطرح استجابته التي تكون على شاكلة الإعجاب والتصفيق والإشادة أو التفاعل بالتساؤل والغوص بحثا عن الخبايا والأسرار
هنا يختلف القراء فلكل قارئ نصيب منها، ومن الصعب اشتراكهم جميعا في لحظة الاندهاش وبنفس الدرجة.
(12)
إذا كانت الدهشة ناتجة عن المتعة القرائية بالنسبة إلى المتلقي، فماذا عن الكاتب هل له نصيب من هذه المتعة؟
بالتأكيد وهي تأتي من:
1- الفكرة وإنجازها كنص
2- من المتلقي وتفاعله
(13)
الانتهاء من الكتابة يولد شعورا جميلا ويخفف العبء عن كاهل الكاتب وهذه أولى علامات المتعة التي ستقوده إلى اللذة مع إعادة القراءة من قبل المتلقي، ومن ثم حينما يتفاعل هذا المتلقي ستزداد المتعة.
(14)
الكاتب والمتلقي كلاهما سيبلغ حالة من المتعة القرائية وهي درجات متفاوتة ولا يمكن رصدها بدقة لأن غالبيتها جمالية وتنتمي إلى معايير خارج الفن
اللحظة الأهم والفارقة لأي نص هي بلوغ القارئ مرحلة الدهشة
كما جاءت لدى صاحب أبي تمام ولا زالت تتكرر في زماننا ولعلها تسمى الغموض الآن.
(15)
هل الغموض هو الدهشة نفسها؟
يظن الكثيرون ذلك وخصوصا الكتاب ولهذا تراهم يخلطون بين الدهشة والغموض ويعتبرون المصطلحين شيئا واحدا وهو خطأ
الغموض عملية عقلية الهدف منها إضفاء هالة من عدم الوضوح حول تفصيل ما، بينما الدهشة تعني الكشف عن هذا الغموض.
(16)
الغموض:
أ) قد يقصد لذاته مما يضفي جمالا على النص الإبداعي
ب) قد ينتج عن سوء اختيار المفردة مما يسبب إرباكا للمتلقي وإرباكا للنص.
هنا يشترك الجيل الصاعد ويقع في الخطأ دون أن يشعر، حيث لا يفرق بين الاستخدام الواعي والاستخدام العشوائي؛ فترتبك التصوص وتتناقض المعاني والأفكار.
(17)
الدهشة تتعلق بأمرين:
1) عقلي
2) لغوي
عقليا لدينا عبارات ومقولات جاهزة فقدت إدهاشها ورونقها فيأتي كاتب إلى إحداها ويستخدمها استخداما مختلفا وعصريا يتوافق مع المعنى الذي يريد،
كما ورد في آية (طلعها كأنه رؤوس الشياطين) طلع النخلة معروف والرؤوس معروفة أما الشياطين لا أحد رآها.
(18)
التراث يميل لتشبيه الطلع بشيء قريب ومناسب ولو فعل القرآن ذلك لانتفت الدهشة من الآية
ولو سأل سائل كيف عرفت أن هنا دهشة؟
سنجيب بأن السائل هو الذي دلنا حيث تفاعل معها حين شعر بالصدمة
فهي صدمة انفعالية حادة وتزداد كلما توغلنا أكثر في التفاصيل
(19)
أما لغويا فيظهر على الكلمة والتركيب، حيث تأتي متراصة ومتراكبة بعضها بجوار بعض دون علامة دالة على الالتقاء في المعنى بينما الحقيقة عكس ذلك،
الكاتب البارع يوحد بين الكلمات ويؤالف بينها لينتج نصا غير معهود بالنسبة للمتلقي الذي سيشعر بالصدمة الانفعالية حين يقرأ وقد لا يستوعب
(20)
لدينا من هذا النوع كثير جدا اليوم حيث ينتشر كالنار في الهشيم على صفحات السوشل ميديا وفي الكتابات المطبوعة وربما امتازت قصيدة النثر بها أكثر من غيرها من الكتابات بسبب إيجازها وسرعتها
وحاليا باتت القصة القصيرة جدا تحاول اللحاق بها ومنافستها.
(21)
النتيجة التي نخلص إليها:
المتعة حاضرة لدى الكاتب حين الانتهاء من النص ولكنها لا تتطور وتتحول إلى دهشة تامة إلا إذا انفصل عنه وأصبح يراه بعين المتلقي
حينذاك سيكتشفها وستصبح نظرته مختلفة وسيزداد إعجابه ويتلذذ بالقراءة كما تلذذ القراء الآخرون
(22)
الدهشة ناتجة عن أحد أمرين
الأول: العقلي المجاوز للثوابت حيث يستخدمها للوصول إلى العقل الباطن للمتلقي.
الثاني: اللغوي حيث الكتابة بألفاظ غريبة وغير مألوفة أو وفق تراكيب غير معهودة مما يسبب صدمة القراءة وتفاعلا من القارئ.
(23)
الكتاب الذين يعتقدون أن الغموض هو الإدهاش!
هم على خطأ ولا يدركون حقيقة الكتابة، فالإدهاش لا يعني الغموض، إنما يعني الكشف المسبب لصدمة انفعالية، على إثرها يبدي القارئ رأيه ويتفاعل ويسأل وقد ينال الجواب، ولو بعد عناء
أما الغموض فشيء آخر ولا يكشف شيئا بل يصدم فقط.

جاري تحميل الاقتراحات...