عجيبة قدرة الفهم لدينا، فقد تقرأ جملة أو تستحضر فكرة عصية على فهمك في وقت من الأوقات، ولا تزال تغالبها فتغلبك، ويتأبى عليك فهمها، ثم تمر الأيام فتعيد زيارة تلك الفكرة فما تلبث أن تنفتح لك مغاليقها، وتتسلل منك ابتسامة أن كيف لم تفهمها وقد كانت بهذا الوضوح.
أخذت أقلب طرفي في الاحتمالات الذهنية التي تقود لمثل هذا العجز أحيانًا وفتق الفكرة أحيانًا أخرى، فوجدت أن الاحتمالات متعددة، فمنها مثلاً:
١) أن المعرفة في جانب، تفتح مغاليق الأفكار في جانب آخر، وعادة حين نتحدث من هذه الزاوية نميل لتصور التراكم المعرفي "تصاعديًا" باتجاه الفكرة.
١) أن المعرفة في جانب، تفتح مغاليق الأفكار في جانب آخر، وعادة حين نتحدث من هذه الزاوية نميل لتصور التراكم المعرفي "تصاعديًا" باتجاه الفكرة.
لكن الأمر هنا قد يكون مختلفًا، فهو ليس تراكمًا تصاعديًا بالضرورة، بل هو أشبه بالتفاف الأفكار على بعضها، يشد بعضها بعضًا حتى تتفتق عن تلك المفاهيم الملتوية، وكأننا نثني رقابنا مع التواءاتها حتى نتمكن من رؤيتها في صورتها المعقدة تلك، وهذا شأن عام ينطبق على فهمنا لأمور أخرى عمومًا.
٢) أن حقل المعرفة يغلَق ويفتَح تبعاً لاستعداداتنا الذهنية، فالمعرفة تتأثر بجاهزيتك الذهنية حين تباشرها، فقد يستغلق عليك فهم فكرة لا لأن قدرتك دون مستوى فهمها، لكن لأن جاهزيتك دون ذلك، وهذا يتقاطع مع ما وجدته بعض الدراسات العصبية من أن استعدادنا للتذكر يؤثر في قدرتنا على التذكر.
٣) أن النفس تتقلب وقد تهز قدرتنا على التأمل والفهم، فهناك أدلة علمية على أن الانتباه والتركيز يتأثران بالعوامل النفسية كالتوتر والقلق مما يؤثر على القدرات الذهنية، فإذا كنت تعيش في مرحلة قلقة بشكل عام فقد تكون قدرتك أقل منها حين تكون في فترة أكثر طمأنينة، وهنا أنوه على أمر هام.
حين نقول أن القدرة الذهنية قد تصبح أقل في مرحلة ضاغطة نفسيًا مقارنة بمرحلة أخرى أقل ضغطًا، هذا لا يعني أن قدرتك في الظرف السيِّئ تصبح أقل من قدرة غيرك بالضرورة، هي مقارنة لقدرتك بين حالين يخصانك أنت، فقد تكون قدرتك أفضل من غيرك حتى في أسوأ أوضاعك، وهي أعلى من ذلك كله في وضع أفضل.
كما أن إدارتك النفسية لتلك الظروف قد تكون المحكّ لتأثرك وليست الظروف نفسها، فقد تمر بمرحلة قلقة دون أن يتأثر تركيزك كثيرًا، و تمر بها في زمن آخر فتؤثر فيه، لاختلاف إدارتك النفسية في التعامل مع الظرف نفسه، وهذا بدوره لها احتمالات عدة، منها المعرفة، المرونة، الخبرة المتراكمة...إلخ
٤) أن الفكرة المعقدة قد تمر عليك جزئياً أو كليًا في مواضع أخرى متناثرة دون أن تدرك علاقتها بالفكرة، فتخزنها لك الذاكرة ضمنيًا، حتى إذا أعدت زيارة الفكرة في وضعها الأصلي، لملمت لك الذاكرة أجزاءها المبعثرة، فحصلت حالة من التوطئة الذهنية، اتضحت معها الفكرة بسلاسة، دون أن تعي ذلك.
الآن، إذا أعدت قراءة التغريدات السابقة بتأمل، سيتقوس أمامك طيف من الأسئلة البحثية، منها ما هو مطروح بالفعل في معامل البحث، ومنها ما ينتظر دوره أو أداته المناسبة للتقصي، أدعوك معي للتفكير والمشاركة، فمنها ما يتظافر ليجيب عن أسئلة كبرى حول قدرات الإنسان الذهنية، ومنها ما دون ذلك.
جاري تحميل الاقتراحات...