اذكر انه بعدما درسنا في الجامعة علم وظائف الاعضاء physiology و مرينا بمفهوم المنعكسات reflexes اللي بيشرح كيف انه الدماغ موصل بخطين من الاعصاب (خط ذهاب وواحد اياب) وكيف انه كل او اغلب افعالنا عبر النظام دة بتكون ردود افعال لمؤثرات.. -(٢)
كمثال تلمس حاجة سخنة (مؤثر) يقوم خط الاعصاب البيوصل تجاه الدماغ يرسل اشارة للدماغ اللي ح يحلل البيانات و على ضوءها يرسل اشارات عبر خط الاعصاب الراجع لعضلات اليد مما يترتب عليه ان نقوم نسحب يدنا (رد الفعل) من الجسم الحار. المنعكسات اللا ارادية واحدة من اكتر الاشياء الابهرتني -(٣)
التشابكات العصبية و نظمها الدقيق و المعقد دة واحدة من دلائل عظمة الخالق (وفي انفسكم افلا تبصرون - الذاريات ٢١).. وقد تبدو ك(انطباع عفوي) يبدد نظرية تطورنا من خلية واحدة.. -(٤)
وفي نفس الوقت وجود عدد كبير من الافعال اللا ارادية التي تنتظم اجسادنا كعدم مقدرتنا على التحكم في ضربات القلب و في حركة الامعاء و نسبياً في حتة وظيفة التنفس بتقود برضو للتفكر كيف انه الانسان كائن ضعيف ومحدود القدرات.. -(٥)
رغم ايماننا انه الانسان هو خليفة الله في الارض و انه الله ميزنا عن باقي المخلوقات بالتكليف و نعمة العقل (وربما الارادة) كما قال تعالى (انا عرضنا الامانة على السموات و الارض والجبال فأبين ان يحملنها واشفقن منها و حملها الانسان انه كان ظلوماً جهولا - الاحزاب ٧٢)
-(٦)
-(٦)
قبل فترة في قروب واتساب يجمعني بأصحاب و احباب فُتح موضوع لا يخلو منه قروبات البالغين الا وهو الجنس كواحدة من وظائف المخلوقات الحية.. فتشالقت و رميت ليهم مثال المنعكسة في الموضوع نفسه و كيف انه الانسان كائن ضعيف لو فكر في طبيعة الاحساس البيحققه من خلال ممارسة الوظيفة دي.. -(٧)
باختصار طرحت امامهم المنعكسة البتبدأ من فعل مؤثر في نهايات الاعصاب الحسية (سوا كانت بصر، شم، لمس.. الخ) ترسل اشارات بانتظام محدد للمركز المسؤول في الدماغ اللي بدروه في وقت محدد يرسل اشارات راجعة لمناطق محددة -(٨)
زائدا ارسال اشارات لمناطق اخرى في الدماغ لتفرز جرعة هائلة من مادة الدوبامين اللي بتدينا الاحساس المعروف بالنشوة.. انتبهت انه التفكر في التفاصيل الدقيقة دي قد تسلب الإنسان متعة الوظيفة وقد كان..فالنقاش انتهى، ربما ببعض الاحاسيس المتداخلة.. -(٩)
المقدمة الطويلة دي كلها مناسبتها شنو؟ مؤخراً ومع مشوار العمل الطويل نوعاً ما، ذهاباً و إياباً، اصبحت لدي هواية الاستماع للبودكاست بدلاً عن سماع اغاني مصطفى وابراهيم عوض. الاستماع في احيان كتيرة بيختصر زمان القراءة و بتطلع بزبدة الموضوع بدلاً من الغرق في التفاصيل بين السطور. -(١٠)
والواحد بقى ما عنده زمن/قدرة انه يكمل اي كتاب. من حظي قبل عدة ايام ان استمعت و استمعت لمادة شيقة كان المستضاف بها بروف كريستيان ليست، استاذ السياسة و الفلسفة في احدى كليات الاقتصاد ببريطانيا، كان موضوع الحلقة مفهوم (حرية free will). سأعرج على تلخيص سريع للمحتوى في البداية.. -(١١)
في البداية كان واضح انه اخونا كريستيان بيؤمن بحرية الارادة؛ اي انه من قبيلة الفلاسفة البيؤمنوا بفلسفة الحرية Libertarianism (انه الانسان مخير) و صراعهم الفكري دائما بيكون مع قبيلة الفلاسفة البيؤمنوا بالحتمية Determinism (الإنسان مسير و ليس مخير) -(١٢)
جماعة حرية الارادة بتقول انه احنا ما روبوتات او دُمي بيتم التحكم فينا ولكن لنا المقدرة على الاختيار و التحكم باختياراتنا، بينما في الضفة الاخرى كثير من خبراء العلوم العصبية neuroscience بيعتقدوا انه الارادة الحرة عبارة عن وهم illusion يصنعه الدماغ.. -(١٣)
الفلاسفة الخواجات التفكير الفلسفي عندهم بيكون منهجي وما فوضجي زي البنعمله احنا (الهواة).. فكريستيان ذكر ثلاثة متطلبات اساسية جداً لمبدأ حرية الارادة، وحتى ناس المدرسة المضادة (الحتميين) متفقين معاهم انه اذا تم اثبات المتطلبات الثلاثة دي فسيتم اثبات مفهوم الارادة الحرة.. -(١٤)
المتطلبات هي في الأتي (ترجمة المصطلحات للعربية من عندي انا):
١- القدرة على الفعل الارادي intentional agency، ودي مثال ليها انه الاجسام الجامدة زي الكرسي و الحجر و التربيزة ما عندها القدرة على التفكير و الايمان وبالتالي ما عندها اهداف محددة عاوزة تحققها. -(١٥)
١- القدرة على الفعل الارادي intentional agency، ودي مثال ليها انه الاجسام الجامدة زي الكرسي و الحجر و التربيزة ما عندها القدرة على التفكير و الايمان وبالتالي ما عندها اهداف محددة عاوزة تحققها. -(١٥)
يلا البني آدمين عكس الجمادات عندنا ادراك وافكار تقود للقيام بأفعال معينة.. طبعاً بعض الثديات العليا زي الشمبانزي و غيره عندهم بعض القدرة على الفعل الارادي.. العامل دة تم تحديده انه اهم متطلب في اقرار حرية الارادة.. -(١٦)
المشككين (الحتميين) بيقولوا انه الجسد البشري عبارة عن ألة فيزيائية وحيوية، اي تجمع هائل لاجزاء دقيقة متداخلة (مثلاً التشابكات العصبية في الدماغ) وتخضع لقوانين الفيزياء وبالتالي اذا اردنا ان نشرح السلوك الانساني يجب ان نحاول فهم كيف تعمل هذه الألة تحت ظروف الطبيعة المختلفة. -(١٧)
إضافة الى تقريرهم انه مفاهيم مثل المعرفة cognition و حق الاختيار او التفضيل دي كلها بقايا تفكير سايكولوجي قديم عفا عليه الزمن ? قبل تطور العلوم العصبية.. بصورة اخرى بيختزلوا كل علم النفس لتفاعلات عصبية تتم بصورة فيزيائية.. -(١٨)
و دة طبعاً في الفلسفة بيسمى بمفهوم الاختزالية reductionism واللي هو منهج لفهم الاشياء المعقدة واختزالها في مكوناتها الاساسية البسيطة.. -(١٩)
٢- الاختيار بين احتمالات بديلة alternative possibilities to choose، و الجزئية دي مقصود بيها زي ما واضح من الإسم: المقدرة العقلية على الاختيار بالاضافة للوعي انه كانت هنالك احتمالات اخرى بديلة.. مثلاً الواحد لما يدخل مقهى وقرر انه يشرب حاجة، ممكن يطلب قهوة، شاي، عصير.. الخ-(٢٠)
يلا في الحتة دي الحتميين بيقولوا انه كل الاحتمالات المتخيلة في اي موقف ما (مثال القهوة و الشاي) دي تم تحديدها في زمان آخر قديم (محددة قبل تكوين الوجود). و بيرجعوا كل الاحداث الصغيرة و الكبيرة انها كان مقرر حدوثها بذات الطريقة ومن غير صدفة حتى من قبل الانفجار العظيم big bang -(٢١)
وكل الامور منذ ذلك الوقت تعمل كالساعة الميكانيكية.. بمعني انه حتى كتابتي للبوست دة ما عندي عليها اي تحكم وانها موضوع محسوم قبل ما انا اظهر للوجود.. -(٢٢)
٣- المقدرة السببية للسيطرة على افعالنا causal control over our actions، و بتعني انه افعالنا (اختيار شاي او قهوة في المثال الفوق) تندرج تحت الاختيار والارادة الحرة اذا كنا متحكمين عقلياً بصورة كافية في اختياراتنا..-(٢٣)
دي اكتر نقطة بيتفوقوا فيها ناس الحتمية على ناس حرية الارادة لأنه اذا تم اثبات انه المتطلب دة (خياراتنا و افعالنا) تسبب بها عمليات فيزيائية في الدماغ (شغل التشابكات العصبية) وهذه العمليات بتتم بلا وعي مني او قدرة على التحكم فيها ح يسقط المتطلب وبالتالي مفهوم حرية الارادة. -(٢٤)
في النقطة الاخيرة دي الحتميين بيقولوا انه عندما نقوم بأي فعل (مثلا اختيار مشروب) فإن السبب الاولي في الفعل دة بيكون عبارة نشاط دماغي كهربائي في التشابكات العصبية واللي بتبدأ اصلاً حتى قبل ما احنا نعي اننا بدأنا نفكر في الفعل ارادياً.. -(٢٥)
وبالتالي النية intention للقيام بفعل ما هي عبارة عن ناتج ثانوي لعمليات فيزيائية في الدماغ..
ذكر كريستيان تجربة عملية مثيرة للاهتمام عملوها الحتميين لاثبات وجهة نظرهم انه الدماغ بيشتغل قبل ما احنا ندرك في وعينا اننا عاوزين نفكر في القيام بأي اختيار.. (حاجة معقدة مش ?).. -(٢٦)
ذكر كريستيان تجربة عملية مثيرة للاهتمام عملوها الحتميين لاثبات وجهة نظرهم انه الدماغ بيشتغل قبل ما احنا ندرك في وعينا اننا عاوزين نفكر في القيام بأي اختيار.. (حاجة معقدة مش ?).. -(٢٦)
سموها تجربة ليبيت Libet experience (رابط )
youtu.be
وفيها جابوا ناس ووصلوا فروة رأسهم من الخارج بمستشعرات للنشاط الدماغي EEG.. ووضعوا امامهم زر وطلبوا منهم يضغطوا على الزر لما يحسوا انهم عاوزين يضغطوا عليه (بمزاجهم).. -(٢٧)
youtu.be
وفيها جابوا ناس ووصلوا فروة رأسهم من الخارج بمستشعرات للنشاط الدماغي EEG.. ووضعوا امامهم زر وطلبوا منهم يضغطوا على الزر لما يحسوا انهم عاوزين يضغطوا عليه (بمزاجهم).. -(٢٧)
وفي نفس الوقت طلبوا منهم تسجيل اللحظة البيقرروا فيها انهم عاوزين يحركوا يدهم .. النتائج وضحت انه القرار الواعي بتحريك اليد ما كان هو السبب الاساسي في حركة اليد و انه الدماغ ظهرت فيهو علامات نشاط قبل لحظة التقرير العقلي بالقيام بالحركة..-(٢٨)
طبعا النظر للجسد البشري من خلال عدسة التفاعلات الكيميائية و الحيوية في الدماغ و قوانين الفيزياء الاساسية داخل جسدنا بتخضع بصورة عامة لمستوى التطور العلمي اللي احنا واصلين ليه.. بمعنى آخر انه فهمنا للتركيب الجزيئي للاجسام اتطور كتير جداً مقارنة بقبل ١٠٠ او ٢٠٠ سنة -(٢٩)
في حاجات كتيرة لسة ما قادرين ندرسها بصورة مادية.. مثلاً ما نوع الطاقة (او الشئ) البتخلي بعضنا حي و بعضنا ميت (او قل الروح)، مافي اي دراسة قدرت تقيسها بوحدات فيزيائية.. الجاذبية بنحس بيها و نقدر نقيسها (نظرياً) و نعتمد علىها في علوم الطيران و الفضاء لكن لا يمكن لمسها حسياً.. -(٣٠)
في الفلسفة عموماً دراسة الواقع reality بيسموها علوم ما وراء الطبيعة metaphysics.. و وبتتناول اسئلة مهمة زي ماهو شكل الواقع وهل حواسنا بمقدرتها الحالية قادرة على ان تعطينا صورة اقرب للحقيقة؟! مثلاً في اصوات الاذن البشرية ما بتقدر تسمعها وفي موجات ضوئية ما بنقدر نشوفها.. -(٣١)
هل الواقع هو البتشوفه العين البشرية ولا عين القط ولا عين الثعبان.. الخ.. هل التربيزة اللي احنا كبشر شايفنها صلبة وناس الفيزياء حسب فهمهم للإلكترون والبروتون وغيره ومع كل الفراغ الهائل الموجود بين الجسيمات دي ممكن تحقق الملمس الصلب اللي بنحسه.. -(٣٢)
و فيلم matrix بيتناول موضوع الواقع بطريقة مقاربة و بصورة اخرى كمان الفيلم العظيم Inception (الفيلم المفضل رقم ١ عندي)..
الواحد سرح و اسهب.. رجوعاً لسؤال كون الانسان مسير او مخير.. -(٣٣)
الواحد سرح و اسهب.. رجوعاً لسؤال كون الانسان مسير او مخير.. -(٣٣)
اذا حاولنا نتناول النقطة دي من غير استخدام وسائل الفلسفة المنهجية واتبعنا تحليل للنص المقدس بصورة منطقية ح نلقى انه ربنا وهب الانسان التكليف و عليه ح يجازى في الاخرة حسب عمله، اذن من باب اولى انه الانسان مُخير حتى يستوجب الحساب.. -(٣٤)
لأنه ما ممكن نتخيل انه ربنا يخلقني بصورة محددة و يخليني غصباً عني امشي في سكة آثام و بعدين يجي يعذبني (تعالى الله عن ذلك و تنزه) فالإرادة اذن ضرورية لتحقيق المسؤولية الفردية عن افعالنا.. وفي ايات تدعم افتراض انه الانسان مخير -(٣٥)
زي قوله تعالى (انا هديناه السبيل اما شاكراً واما كفوراً - الانسان ٣) فالشخص يعلم الطرق والاحتمالات المتاحة وهو يختار، وفي موضع آخر (ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين - يونس ٩٩)
-(٣٦)
-(٣٦)
لكن كمان نجي نلقى في ايات زي الاية البعد دي طوالي في سورة يونس (وما كان لنفس أن تؤمن الا بإذن الله ويجعل الرجس على اللذين لا يعقلون) اللي ممكن تدعم بشكل معين اقوال الحتميين.. -(٣٧)
وربما بنظرة مختلفة للأية نفسها قد نجد طريق ثالث وهو ان المقصود بإذنه هنا ما هو مكتوب في ام الكتاب عنده (المكتوب ما منو هروب!!)..
اذن الوضع ليس بالضرورة اسود او ابيض.. فالانسان تتبعه الحتمية في ما كتب عند المولى تعالى منذ الازل عن افعالنا و اقوالنا التي سنفعلها.. -(٣٨)
اذن الوضع ليس بالضرورة اسود او ابيض.. فالانسان تتبعه الحتمية في ما كتب عند المولى تعالى منذ الازل عن افعالنا و اقوالنا التي سنفعلها.. -(٣٨)
ولا ننسى ان وجودنا و خلقنا ليس بالأمر الذي قررناه نحن وبالتالي تنعدم حرية الارادة الشاملة، فنحن لم نختر ابوينا او زمان ولادتنا و مكانها و ديننا.. وفي نفس الوقت نحن لدين الارادة الحرة في الاختيار وامر اختيارنا هذا يقودنا اما للحسنة او السيئة وهو مناط التكليف.. -(٣٩)
طبعاً المدرسة الفلسفية البتجمع من المفهومين (مبدأ حرية الارادة و مبدأ الحتمية) بيسموها مدرسة المؤامة compatibilism وتقر بإمكانية الجمع بين المفهومين معاً..ولعلها الاقرب في تفسير اجابة السؤال -(٤٠)
-إنتهى.
-إنتهى.
جاري تحميل الاقتراحات...