جلسنا على نفس المقعد..
كان يرتدي ثياباً أنيقة وجديدة..
بدوت أمامه كعامل في منجم للفحم..كنت محمّلا بالأتربة والفيضانات والعواصف المدارية وزحام المواصلات وتأخر المعاشات والأحزاب والإنقلابات وانهيار العملة والضرائب وفشل محصول التمر للعام العاشر على التوالي...
إلتفت إلي وسألني..
كان يرتدي ثياباً أنيقة وجديدة..
بدوت أمامه كعامل في منجم للفحم..كنت محمّلا بالأتربة والفيضانات والعواصف المدارية وزحام المواصلات وتأخر المعاشات والأحزاب والإنقلابات وانهيار العملة والضرائب وفشل محصول التمر للعام العاشر على التوالي...
إلتفت إلي وسألني..
مالذي جرى لك ياصديقي ؟!
تنهدت..ثم خلعت نظارتي وكأني أفتح له بوابة زمنية حتى يتسلل إلى روحي ويلقي نظرة على حياتي..
كل ماجرى أني نسيت أن أعيش
في بلدي ياصديقي نحن نولد رجالاً..نخرج من بطون أمهاتنا لنركض..وكل واحد فينا يحمل معوله على كتفه..لاوقت لدينا للطفولة ولا وقت لدينا للحب..
تنهدت..ثم خلعت نظارتي وكأني أفتح له بوابة زمنية حتى يتسلل إلى روحي ويلقي نظرة على حياتي..
كل ماجرى أني نسيت أن أعيش
في بلدي ياصديقي نحن نولد رجالاً..نخرج من بطون أمهاتنا لنركض..وكل واحد فينا يحمل معوله على كتفه..لاوقت لدينا للطفولة ولا وقت لدينا للحب..
الحياة هناك عبارة عن صفعات متعددة و متنوعة..تباغتك مرة على هيئة شمس حارقة..ومرة على هيئة قرني ثور هائج..ومرة على هيئة يد الناظر..
ومرة على هيئة الحكومة ومرة على هيئة عاصفة..ومرة على هيئة حشرات تجعلك تصفع نفسك بنفسك!!
وأنت ماهو سرّك ؟!
ومرة على هيئة الحكومة ومرة على هيئة عاصفة..ومرة على هيئة حشرات تجعلك تصفع نفسك بنفسك!!
وأنت ماهو سرّك ؟!
ابتسم..ثم نظر للأفق وقال :
قبل سنوات ياصديقي كنت أعمل في مصنع بمحاذاة البحر..كان اليوم بداخل المصنع يمر كسنة بخارجه..والساعة كشهر كامل..كنا نأتي في كل فجر ونقف على باب المصنع محمّلين بأطنان من الهموم ونخرج في آخر رمق من النهار كالموتى السائرون ورؤوسنا كأطلالٍ يعلوها السّخام...
قبل سنوات ياصديقي كنت أعمل في مصنع بمحاذاة البحر..كان اليوم بداخل المصنع يمر كسنة بخارجه..والساعة كشهر كامل..كنا نأتي في كل فجر ونقف على باب المصنع محمّلين بأطنان من الهموم ونخرج في آخر رمق من النهار كالموتى السائرون ورؤوسنا كأطلالٍ يعلوها السّخام...
كنت في ساعات الظهيره أتسلل خلسة من الباب الخلفي للمصنع وأجلس على شاطئ البحر لأشعل سيجارة..
كانت تلك أسعد لحظة في يومي بأكمله..
وفي أحد الأيام سقط بجواري طائر نورس صغير..بدا وكأن إحدى جناحيه قد تمزق بالكامل..تناولت حفنه من الطين ورحت أمسح بها على مكان الجرح ثم وضعته في قطعة خشب..
كانت تلك أسعد لحظة في يومي بأكمله..
وفي أحد الأيام سقط بجواري طائر نورس صغير..بدا وكأن إحدى جناحيه قد تمزق بالكامل..تناولت حفنه من الطين ورحت أمسح بها على مكان الجرح ثم وضعته في قطعة خشب..
صغيره وجدتها على الأرض
ووضعت كسرة خبز بداخل الكرتون..
وهكذا أصبحت أقضي أجمل لحظات يومي مع صديقي الصغير...
مرت الأيام والأشهر..حتى أتى ذلك اليوم ودون أدنى مقدمات..خرج صديقي من الصندوق وفرد جناحيه وحلّق واختفى في الأفق...بقيت لعدة دقائق أتأمل المشهد ثم نهضت...
ووضعت كسرة خبز بداخل الكرتون..
وهكذا أصبحت أقضي أجمل لحظات يومي مع صديقي الصغير...
مرت الأيام والأشهر..حتى أتى ذلك اليوم ودون أدنى مقدمات..خرج صديقي من الصندوق وفرد جناحيه وحلّق واختفى في الأفق...بقيت لعدة دقائق أتأمل المشهد ثم نهضت...
وأنا أعلم يقيناً بأن هذا الطائر يحمل لي الشكر والإمتنان..لكنه يرفض أن ينظر إلى الخلف إلى تلك اللحظات السيئة التي مر بها..
كل مافعله هو أنه وجّه ناظريه صوب الشمس ومضى إلى الأمام نحو بداية جديدة..
منذ ذلك اليوم لم أعد إلى ذلك المصنع...
كل مافعله هو أنه وجّه ناظريه صوب الشمس ومضى إلى الأمام نحو بداية جديدة..
منذ ذلك اليوم لم أعد إلى ذلك المصنع...
وتوقفت تماماً عن المبالاة ياصديقي..
أنا أعيش كل يوم وكأنه عيد ميلادي على الرغم من أني لم أحتفل قط بعيد ميلادي..
أنا أهرب من كل شيء..
من أصدقائي ومن عائلتي ومن عمري ومن نفسي..وكأن همومي قد طارت في ذلك اليوم ودفنت نفسي القديمة بداخل الصندوق الخشبي بجوار المصنع...
أنا أعيش كل يوم وكأنه عيد ميلادي على الرغم من أني لم أحتفل قط بعيد ميلادي..
أنا أهرب من كل شيء..
من أصدقائي ومن عائلتي ومن عمري ومن نفسي..وكأن همومي قد طارت في ذلك اليوم ودفنت نفسي القديمة بداخل الصندوق الخشبي بجوار المصنع...
أنا أقع في الحب كل يوم وكل ساعة وكل دقيقة...
هل ترى هذا الوشم في ذراعي اليسرى..ماهو إلا دلالة بأني لا أنتمي لفصيلة البشر بل للطيور..أنا أحلّق بإستمرار وأهاجر بإستمرار..وانسى بإستمرار...
هل ترى هذا الوشم في ذراعي اليسرى..ماهو إلا دلالة بأني لا أنتمي لفصيلة البشر بل للطيور..أنا أحلّق بإستمرار وأهاجر بإستمرار..وانسى بإستمرار...
إن صفات الوفاء والإخلاص لاتجلب إلا التعاسة والتجاعيد وأمراض القلب والشرايين فصاحبها مذموم دائماً...
حتى الكلاب لم ترتفع قيمتها بسبب وفاؤها بل بسبب قدرتها على الركض والصيد أما الوفاء فيعوضه أي كلب آخر.
حتى الكلاب لم ترتفع قيمتها بسبب وفاؤها بل بسبب قدرتها على الركض والصيد أما الوفاء فيعوضه أي كلب آخر.
وما إن انتهى من كلامه حتى رأيته في آخر الطريق يلوّح لي بقبعته...
ثم اختفى في الأفق ولاح طائر في السماء يتجه صوب الشمس نحو بداية جديدة.
ثم اختفى في الأفق ولاح طائر في السماء يتجه صوب الشمس نحو بداية جديدة.
جاري تحميل الاقتراحات...