31 تغريدة 49 قراءة Apr 25, 2020
بعد هذا الفيلم، لو كان الفقر رجلاً لــ..
شربت معه فنجاناً من القهوة!
الجوهرة الخام لسينما الواقعية الإيرانية السحرية
وأثر الفراشة في تقدير العالم للمدرسة السينمائية الإيرانية
Children of Heaven (1997)
أطفال الجنة
سيناريو وإخراج: مجيد مجيدي
#CinemaLoquence
لا أحد يحبّ الفقر، لكنك ستحبه!
أن يكون المركز الثالث هو كل ما تريد ليس لأنّ هذا جهدك، بل لأنك فقير..
فقرك ما يغشي عليك معرفتك بالمركز الأول وأنه شيء ليس بذات الأهمية، لأنه لا يسد حاجة في نفسك..
مع أنك متفوق على الجميع دون أن تعي ذلك.. هكذا ببساطة
هل تصورت ذلك؟..
إذن هلمّ بنا..
"الواقعيةالسحريةالإيرانية" نجرتها من راسي..
لكن التجربة السينمائيةالإيرانية من منتصف التسعينات، سارت بزخم ووعي كبيرين.. وتحولت من مشروع لعددمن المخرجين الطليعيين.. إلى مدرسةبكل مافي الكلمةمن معنى.
السينماالإيرانية بعد الثورةالإسلامية بعثت نفسها من الرماد
ومن قبرالواقعيةالإيطالية
الواقعيةالإيطالية عندما وُلدت.. خرجت صارخة من رحم المعاناة، صفعة في وجه العالم بعدتأثيرات الحرب العالميةالثانية..
نزعت للتصويرالمباشر والبسيط لكفاح الطبقات الفقيرةفي المجتمع، أبطالها ليسوا ممثلين، وانسَ النهايات السعيدة..
على نفس ردةفعل الاستنهاض،جاءت الواقعيةالسحرية الإيرانية
لكن مشروع السينما الإيرانية مابعد الثورة كان أكثر نضجاً واستعذاباً
"تعاطيهم"مع واقع ما بعدالثورةالإسلامية، ومقص رقيبهم المجرم، واحتقارهم للسينما، وإحراقهم لدورها..
وأصبح قبول الفيلم بمثابةرحلةداروينية لبطل محتوم بلعنةالمعرفة
هرب الكثير من صناع الأفلام بحثاً عن متنفس وحريةمقيدة
هنا وجدت السينما الإيرانية انعكاسها الآسر
أفلام واقعية، لكن بسرد وحس شاعرييْن، وبأدوات إنتاجية متواضعةلكنها ساحرة، وفي فضاءمقص الرقيب
جوكرا الواقعية السحري في نظري هما:
بطولةالأطفال، والاختزال المشهدي لفداحةالواقع بشكل يفجعك ويفتنك بنفس الوقت
هنا الحديث لن ينحصر في مجيدي لوحده..
كما قلت آنفاً، هي مدرسة تواردت في ذات بحر منتصف التسعينات لكن بموجات مختلفة..
وبملامح تتماثل مع الواقعيةالإيطالية؛
لذلك فمدرسةالسينما الإيرانيةنجومها هم المخرجين وبأصداء عالمية،لا كالسينماالتجارية التي توعزالشهرة للمثل/ة أولاً
رائعةمجيدي هذه تتداعى بشكل حميمي مع تينك التحفتين:
بل أجده شائقاً، أن مجيدمجيدي (الواقعيةالسحريةالإيرانية) وفيتوريو دي سيكا (الواقعيةالإيطالية) قدّما بصمتهما الرائدةعبر ثلاثيات..
ثلاثية فيتوريو دي سيكا:
سارق الدراجة/ ملمعو الأحذية/ معجزة في ميلانو
ثلاثيةمجيدمجيدي:
Children of heaven(1997)
Baran(1999)
The Color of paradise(2001)
وما دمنا نتحدث عن الثلاثيات، يجب أن أقرن بمجيدي
ثالوث إخراجي إيراني، كانوا من أبرزالتشكيليين للسينماالإيرانية من منتصف التسعينات لمنتصف عقدالألفيةالأول،تجاربهم التي أقرّت عرفان العالم بها..
ربمايكون مجيدي قدسبق بتحديد ملامح تجربته
لكنهم فرسان الواقعيةالسحريةالإيرانية الأربعة
ملاحظة: إذا لم تشاهد هذه الأفلام إلى جانب ثلاثيةمجيدي
فمع احترامي انت ما تعرف يعني إيش سينما.. إيرانية
1- (محسن مخمالبوف/ قندهار)
هو العرّاب،مجازاً سلمان الفارسي الذي بحث عن ضالته كثيراً، وضحى لأجلهاأكثر..
وهو كولومبوس التجربة،بدل أن يجدمدرسته في وطنه وجدها بأفغانستان..هروباً
مخمالبوف كان ثائراً ضدالشاه، وفي سجنه تعرف إلى رموزالثورةالإسلامية، لكن بعد ستةأشهر من الثورة أفصح الإسلاميون عن نظام ولايةالفقيه، وتبعه تأسيس الحرس الثوري، الذي اضطلع بمهمة التطويع الثقافي بداية، قبل أن يتحول إلى تنظيم عسكري.. هنا قرر مخمالبوف أن يخرج..
خرج من ثوب أفلامه التي قدمها من منظورالثورةالإسلامية، تقريباً ثلاثةأفلام حتى وصلنا لهذه الرائعةالتي غيرت كل شيء..أعني كل شيء.
صوره خلسةفي الصحرائين الإيرانيةوالأفغانية
وفاز بجائزةاللجنةالتحكيمية في كان
وترشح للسعفةالذهبية
واختارته التايم كواحد من أفضل مئة فيلم غيرت وجه العالم.
وغدا معتاداً اكتساح السينما الإيرانيةللمهرجانات الكبرى ككان والبندقيةوبرلين ولوكارنو والأوسكار
قندهار أول فيلم إيراني أحضره قبل15 عاماً
مشهدإسقاط الأطراف الصناعيةعلى مخيم الـUN خلاني حرفياً أرقص مذبوحاً من الألم
العالم فكر في أفغانستان لسببين: قندهار، وتدميرطالبان لتثمال بوذا
2- (عباس خياروستمي/ طعم الكرز)
حدث الفيلم قبل بزوغ نجم كيارستمي وأصغر فرهدي وحتى سميرةمخمالبوف ابنة محسن، قصةلن تستغربها عمن يبحث عمن سيدفنه تحت شجرةكرز بعد إقدامه على الانتحار
أظن أنها أولى جوائز كيارستومي العالمية، جائزة كان- السعفةالذهبية
عباس يقظ منتبه حساس..
لكن بدون أطفال
3- (يمكن للسلاحف أن تطير- بهمان بوغادي)
ستضحك وتبكي كثيراً.. كيف أمكن لبهمان أن يوجد قصةفي المثلث الحدودي بين العراق وإيران وتركيا، أبطالها أطفال أكراد لاجئون"حقيقيون".. قبل شهور من الغزوالأمريكي للعراق..
أعتقد أن بهمان أكثر من قارب تجربةمجيدي على مستوى فلسفةالعمق لكن ببصمةخاصة
آن لنا الآن بعد أن وضعنا أنفسنا في المنظور المتوسط أن نتحدث عن "أطفال الجنة"..
ما تفوق فيه مجيدي عن أقرانه سلاسته العذبة.. أفلامه تغرورق وكأنها سريان الماء، لا تشعر بأن الفيلم يتوقف لحظة ليلفت "انتباهك" لنقطة معينة
سينما مؤلف بكافة تفاصيلها.. لكنه مؤلف يفيض حناناً وعذوبة
جوكر آخر يتفوق فيه مجيدي:
عمل المخرجين يركز بشكل أكبر على إدارةالممثل، والذين هم في الغالب ليسوا بممثلي حرفةإطلاقاً، فما بالك إن كان أغلب أبطاله من الأطفال؟!.. "لا أعرف كيف استطاع أن يديرهم ليقدموا أدواراً عميقةوصادقة في أدق تفاصيلها..أطفال يمثلون للمرةالأولى ويفجعونك بالبكاء"
مع ذلك"أطفال الجنة" لم يكن قطرة.. كان الغيث كله!
أول فيلم لمجيد مجيدي يتم تقديمه رسمياً إلى الأكاديميةمن قبل إيران والذي قدم أول ترشيح إيراني لجائزةالأوسكار..
وهو فيلم مجيدمجيدي الثالث
"لون الكرز" ثالث أفلام كيارستومي
و"يمكن السلاحف أن تطير" ثالث أفلام غوبادي (سمبوسةبس) :D
يبدأ الفيلم بلقطةتأسيسيةمتمحورة حول إصلاح حذاءوردي بالٍ، كل شيء في المشهد الـfixed بالٍ ومتغضن، لن يطول بك المقام –ربما 4 دقائق- إلا ويصطدم بك الحدث المحفز سريعاً: لقد فقد عمرحذاءزهرة!..
وليتحول سريعاً من حدث محفز إلى فعل حاكم
وليصبح محور العالم الآخذ بالاتساع.. هذا الحذاء!
من بعدها وإلى نهاية الفيلم ونحن "نترقرق" مع الطفلين..
وحّدالفيلم في مشهديته منظورالطفلين للعالم حولهما، جميع حوارات الكبار تأتي وكأنها على الهامش، نحن نشهد توثق العلاقة بين الطفلين (مشهد تبادل الرشائل المكتوبة الخافتة على مرأى من نقاش الأبوين المحتدم كان رائعاً جداً)..
فقد الحذاء كان حجر الدومينو الذي دفع بالطفلين إلى أزمةوجودية/ أخلاقية كاسحةتفوق عمريهما
هنا ينشطر محرك الفيلم إلى نصفين:
علي يتقلص عالمه بوعي منه (تعاظم الخوف)
زهرة يتوسع عالمها بلاوعي منها ( تعاظم الفقد)
ويظل الفيلم يمشي على هذا الديالكتيك العذب ليستكشف نضج أن تكون فقيراً
علي في التاسعةمن عمره، بينما زهرةفي السادسةتقريباً
التاسعةسن مؤلم(أغلبنا يعرف ما أقصده)
إنه السن الذي تتفتح فيه مداركك حول مدى فقرك، أنت لاتتقبله.. إنماتحاول أن تبني شخصيتك حوله كثقب واضح في الثوب الوحيد الذي ترتديه
المواءمة والمساومة!.. حتى تكون جيداًفي المنزلة بين المنزلتين
(الوالد)
الفيلم يسري بنا داخل أزقةالأحياءالفقيرة بطهران، ينسجم بمعاناتهم..
والد عمر الانفعالي يكسر قطع السكر للمسجد ويطلب الشاي من زهرة، "لأنه لاشاي يماثل شاي زهرة"..
ولما تضع الصينيةأمامه يسألها: أين السكر؟ تشير لأرتال السكر أمامه، فيخبرها أن هذاالسكر للمسجد وليس لنا
هكذا نحبه
لم نره عنيفاً حتى يخاف علي كل هذا الخوف، إنه شفوق..
وحينما يسرد أحلامه البسيطةبمجرد اصطلاح الحال ينام علي على هذه الأحلام، أحلامه ما هي إلاامتداد لأحلام والده
تدور دائرة أحلام الوالدين،ويشاهد الطفلان في شاشةالتلفاز حلمهما مشوشاً.. حذاء جديد!
علي يخاف على أبيه أكثر من خوفه منه
(اتساع عالم الطفلين):
أتذكر هذا الحوار لصديق طفولةوكأنه بالأمس
كنا بالمتوسطة، أخبرني حرفياً أنه بينما هو يكبرمن الثالث الابتدائي إلى السادس، كيف كان معنى العالم يتوسع حرفياً من محيط المنزل، لمحيط القصر الذي كان والده يعمل فيه، إلى محيط الدروازة..(حتى المدرسةكانت مجتزأةمن عالمه)
هذه الذكرى جعلتني أعي شخصية علي وكأني عرفته قبل ذلك: متفوق دون أن يفطن إلى أهمية تفوقه، الخوف الوحيد المسلط عليه أن يستدعى ولي أمره.. حتى "اجتماعياته" تنازل عنها سريعاً ليعوض ما تسبب في فقده، الخوف والفقر يقلصانه أمامنا
لا يمكن أن تضع تأثيرالفقر ببلاغة فقد حذاء كهذا أبداً..
(جمالية عذبة):
متى كان يربّت مجيدمجيدي على أكتافنا لننتبه أنهم ماهم إلا أطفال يستحقون ماهو أعظم؟
في ثلاثةمواطن،ومن داخل معاناتهم، يبتسمان:
وتتغير الموسيقى، ترقص الفقاعات،وترقص المياه،وتخضوضر الدنيا..
مجيد لا يدعنا ننغمس في هذه الرومانسية إلا ليوقظنا
نعم عذبة، لكن مريعة..تذكروا
(العالم يتوسع بحثاً عن حذاء):
بعد أكثر من ساعةخرجنا من الأزقةلنرى طهران المدينة، يتوقع الواحد منا أن مجيد سيرفع إصبع الاتهام للمجتمع الطبقي، لكنه يخيب أملنا (أو ينعشه)..
أعظم في هذا المشهد هو إيقاننا بأن أبا علي ما هو إلا طفل حالم مثل أولاده، طفل حبيس في خوفه وبيئته كابنه تماماً
(تشابك خطوط الحبكة):
الفيلم لا يضاهى باثنتين: السيناريو، وأداء الأطفال الخرافي..
مجيد كتب سيناريو مشدود وقائم على فجوةالتوقعات وكسرها بلياقةعالية، حتى نصل إلى مشهد المسابقة حيث سيضحي علي بأمرين:
بحذائه رفيق نضجه
وبفقاعةمساومته، في بحثه عن المركز الثالث لا غير
الـsequence يدرس!
(النهاية):
-قفزت لها متعمداً حتى لاأحرق-
ليست نهايةسعيدةبالمفهوم الهوليوودي، وليست نهايةإشباع بالمفهوم المسرحي، إنما نهايةدائريةفاتنة..عبقرية!
لم يتحقق موضوع الرغبةالذي تعلقنا به منذ أول ثانيةفي الفيلم.. مع أن أشياء أكثر وعداً بدت، لكنها بعيدةعن متناول الطفلين.. وتمضي الحياة..
تذهب زهرةلإدراك أخيها الرضيع، بينما يخلع علي حذاءه المقطع بصعوبة..
هنا نودع الفيلم بالمشهد الدائري الرائع، والسمكات الحمر
وهي في التراث الإيراني واحدةمن الرموزالسبعة للنيروز (الترويسةالإيرانية) وترمزإلى إعادةالبعث، أو الحياةداخل الحياة..
هل عرفتم لم كان المشهد غايةفي الإشباع؟

جاري تحميل الاقتراحات...