حلاوة مصرنا
حلاوة مصرنا

@omdae75

14 تغريدة 4 قراءة Jun 02, 2020
#النجوم_الزاهرة_في_عادات_مصر_والقاهرة
هذا المَشهد عُمره ألف رمضان، القاهِرة العتيقة، تأبى أن تَخلع ثوب الأصالة !
حين قدم الرحالة المغربي ابنُ بطوطة الى مصر مصر في عصر المماليك البحرية زمن السلطان الناصر محمد بن قلاوون في عشرينيات القرن الثامن الهجري،
كان ذلك متوافقًا مع دخول شهر رمضان الكريم، لقد وصل الرحالة الكبير إلى مدينة أبيار في شمال المنوفية حينها، ونزل عند قاضيها عز الدين المليجي الشافعي في التاسع والعشرين من شهر شعبان، فوصف لنا استقبال طبقات الناس لهذا الشهر الفضيل في بيت القاضي وخارجه، قائلاً :
" وعادتهم فيه أن يجتمع فقهاء المدينة ووجوهها بعد العصر من اليوم التاسع والعشرين لشعبان بدار القاضي، ويقفُ على الباب نقيب المتعمّمين، وهو ذو شارة وهيئة حسنة، فإذا أتى أحد الفقهاء أو الوجوه تلقّاه ذلك النقيب ومشى بين يديه قائلا: بسم الله. سيدنا فلان الدين! فيسمعُه القاضي ومن معه
فيقومون له، ويجلسه النقيبُ في موضع يليق به، فإذا تكاملوا هنالك ركب القاضي وركب من معه أجمعين وتبعهم جميع من بالمدينة من الرجال والنساء والعبيد والصبيان، وينتهون إلى موضع مرتفع خارج المدينة، وهو مرتقبُ الهلال عندهم، وقد فُرش ذلك الموضع بالبُسُط والفُرش فينزل فيه القاضي ومن معه
فيرتقبون الهلال ثم يعودون إلى المدينة بعد صلاة المغرب، وبين أيديهم الشمع والمشاعل والفوانيس، ويوقِدُ أهل الحوانيت بحوانيتهم الشمع، ويصل الناس مع القاضي إلى داره ثم ينصرفون، هكذا فعلهم كل سنة ".
إبان العهد المَملوكي، كان إشعال القناديل في شهر رمضان المُبارك،
علامةً على جواز الأكل والشُرب، فإذا ما طُفأت قُبيل طلوع الفجر، كان هذا إيذانًا بأنه قد وجب الإمساك عن الطعام .
ومظاهر الإحتفاء بهذا الشهر الكريم واستقباله نلمسها في عهد سلاطين المماليك بصورة تتميز بتغذية الجانب الروحي في نفوس عامة الناس،وتتسم بالسخاء في مُختلف أوجه البر والإحسان،
إلى جانب مظاهر البَهجة والسرور التي تعم أنحاء الديار المِصرية، وتُعد مِئذنة مُجمع اّل قلاوون بشارع المُعز لدين الله، المَرقب الرئيسي لإستطلاع هِلال الشَهر الفضيل، على الرُغم مِن أنها لم تكن بحَال مِن الأحوال أكثر ماّذن القاهِرة إرتفاعًا، إلا أن مُواجهتها
لمَدرسة الملك الصَالح نجم الدّين الأيوب، حَيث يجتمع القُضاة، قد مَنحها شرف الإرتباط بإستطلاع أهِلة الشُهور الهِجرية .
ففي يوم التاسع والعِشرين مِن شهر شعبان يَتوجه قاضي القُضاة، وقُضاة المَذاهب الشَرعية الأربعة، والمَشايخ والشهود، والعُرفاء بعِلم المِيقات، يَصحبهم مُحتسب القاهِرة
ونوابه، وكبار التُجار ورؤساء الطوائف والصناعات وجُمهور مِن العامّة، وكذا المُشتغلين بالتأريخ، بل والسُلطان نَفسه إذا لزم الأمر، لإستطلاع هِلال شهر رمضان، فاذا ماثبتت الرؤية، خَرج قاضي القُضاة وصَحبه في مَوكب مَهيب، تحف بهم الشموع، ويتقدمهم الجُند وحَملة المشاعل،
في مَشهد ِمن أحب المَشاهد لنفوس الجماهير، وما أن يَصل إلى داره، حتى يَتفرق بَعدها رؤساء الطوائف ونواب المُحتسب، في الأسواق والشوارع والحواري مُعلنين بالصِيام، ولا أُحدثك عَن الماّذن كيف كانت تُجلجل عليها أصوات المؤذنين بالإبتهال والدُعاء،
وكأنها الأبواق قد انفتحت مِن هُنا وهناك لتملأ الفضاء كُله، هَل هِلالك يا شَهر رمضان، بُشراك يا شَهر الصِيام، بُشراك يا شَهر القيام .
يتساءل أحد الرحالة في القرن الخامس عشر بدَهشة : لِما تتزين ماّذن القاهِرة ودُورها وحَواريها وأزقتها بهذا الكم مِن القناديل والفوانيس والمباخِر
التي تنبَعث مِنها الروائح الزكية، وقد بَدى ليل المَدينة نهارًا ! فقيل له : القاهرة تَحتفي بشَهر رمضان .
ننتقل بَعد ذلك إلى السُرادق الضَخم الذي نُصب أسفل قلعة صَلاح الدّين الأيوبي، حَيث يَجلس السُلطان والخليفة العباسي وكِبار أُمراء الدولة للإحتفاء بهذه المُناسبة الدينية السَعيدة،
وقد بَدت علامات البَهجة والسرور على وجوه جَميع الحاضرين، فما أن تنتهي مَراسم استقبال الوفود المُهنئة بحلول شهر المَغفرة والرحمة، حَتى يَنهض السُلطان ليَستعرض أحمال الدَقيق والخُبز والسُكر، وطوائف الأغنام والأبقار المُخصصة لصدقات شهر رمضان،
ومِن ثمَّ يُعلن عَن فَتح مَجلس قراءة صَحيح البُخاري، وهو مِن السُنن الحَسنة التي أسنها سَلاطين الدولة لإحياء الشهر الفضيل، وأستمرت بدءً من عَهد السُلطان الأشرف شعبان بن قلاوون سنة 775 هـ / 1373 م ، وحتى مَغيب شمس دولة المماليك.
#حلاوة_مصرنا

جاري تحميل الاقتراحات...