1-هناك مصطلح فلسفي أود أن أكتب عنه شيئاً وربما يتضح ما يبرر اهتمامي به ويدلل على أهميته، وربما لا يوجد ما يبرر ولا ما يدلل. لكني سأكتب شيئاً عن المصطلح "المواضعة" convention وما يرتبط به معرفة.. convention knowledge
2-عندما نراجع "المعجم الفلسفي" لجميل صليبا، أو معجم "فلسفة العلم من الألف إلى الياء" فسنجد أنهما أعطيا فكرة عن المقصود بكلام اختصرته هكذا.
3-المواضعة: convention
المواضعة أو الاتفاق هو كل ما اعتمدنا صدقه بقرار. ويشير إلى اشتراك الأفراد في الآراء أو الميول أو الأهداف أو الأعمال،
المواضعة أو الاتفاق هو كل ما اعتمدنا صدقه بقرار. ويشير إلى اشتراك الأفراد في الآراء أو الميول أو الأهداف أو الأعمال،
4-ويُطلق أيضاً على المسلمات الهندسية، لأن صدق هذه المسلمات ليس نتيجة لعملية استنتاج قبلية، ولا هي بديهية بذاتها، ولا هي حقائق يتوصل إليها بتعميم نتائج التجربة، ولا فرضيات قابلة للتحقق الدقيق، وإنما هي اصطلاحات موافقة يسلم بها العقل لأنه طابقها مع الأشياء الخارجية.
انتهى
انتهى
5-أشرت في كتاب السعادة إلى أن الفكر الغربي منذأفلاطون وأرسطو، تبنى وجهة نظر وضعت حدودا للمعرفة البشرية. وقولبها في قوالب. هذه المعرفة، بل كل المعرفة تقريباً، هي "معرفة المواضعة والاتفاق"، لأننا لا نشعر بأننا نعرف أي شيء حقاً، ما لم نتمكن من تقديمه لأنفسنا على هيئة كلمات ومصطلحات.
6- إن لم تكن كلمات، يستخدم نظام آخر من علامات المواضعة والاتفاق، مثل رموز الرياضيات أو الموسيقى. هذه المعرفة تسمى مواضعة لأن هناك اتفاقاً اجتماعياً على رموز هذا التواصل. مثل من يتحدثون لغة واحدة لها اتفاقات ضمنية فيما يتعلق بماهية الكلمات وما هي الأشياء التي ترمز إليها.
7-وهكذا يصير أعضاء كل مجتمع وكل ثقافة متحدون بسبب روابط التواصل التي تستند إلى أنواع من الاتفاقيات على تصنيف وتقييم الأفعال والأشياء.
8-وبالتالي فإن مهمة التعليم هي جعل الأطفال يتكيفون ليعيشوا في المجتمع عن طريق إقناعهم بالتعلم وقبول قوانينه المتمثلة في قواعد واتفاقيات التواصل التي تؤدي إلى تماسك المجتمع.
9-هناك أولاً اللغة المنطوقة، حيث يتعلم الطفل على قبول كلمة "شجرة" كعلامة متفق عليها، ولذلك (نشير بها إلى ذلك الشيء المعروف) ولا نواجه صعوبة في فهم هذه الكلمة "شجرة" فهي مسألة قد تمت المواضعة عليها.
10-الأقل وضوحاً، هو أن المواضعة تحدد الشيء الذي تعنيه الكلمة. وبالتالي فإن واجب الطفل، ليس فقط أن يعلم ما الكلمات وما الأشياء التي تعنيها، بل يجب أيضا أن يتعلم الأسلوب الذي أقرّته ثقافته ضمنياً لتفصل الأشياء عن بعضها، ولترسم به الحدود داخل تجربتنا اليومية.
11-المواضعة العلمية هي التي ستقرر إذا كان "ثعبان البحر" سمكة أم ثعباناً. وهي التي ستحدد القواعد النحوية ما هي التجارب والخبرات التي ستعتبرها "أشياءً" وتلك التي ستعتبرها "أفعالاً". المواضعة هي التي ستحدد هذا وأكثر منه.
12-هذه المواضعات والاتفاقات عشوائية تماما.
13-يأتي بعد اللغة في الأهمية، مسألة الدور. سنواجه صعوبة في التواصل مع بعضنا، ما لم نتمكن من التعريف بأنفسنا بناء على الأدوار التي نقوم بها : الأب والمعلم والفنان والإنسان العادي والرياضي وهكذا.
14-وقد نعرّف بأنفسنا من خلال هذه القوالب النمطية وقواعد السلوك المرتبطة بها، ونحن أنفسنا يشعر واحدنا بأنه شخص ما، لأن زملاؤنا يقبلون بنا على هذه الصفة، ويشعرون ونشعر بأننا قد تم تحديدنا بوضوح.
15-وعندما يلتقي غريبان في حفلة يكون من المحرج إلى حد ما، عندما لا يقدمهما المضيف عند التعارف بناء على الدور الذي يلعبونه، لأنهما حينها لن يعرفا قواعد الحديث والأفعال والأقوال التي يجب مراعاتها.
16-الرجل يكون أباً وقد يكون أيضاً طبيباً وفناناً، كما قد يكون موظفاً وأخاً. ومن الواضح أنه حتى مع هذا المجموع الكلي لهذه العلامات التي تميز دوره، إلا أن كل هذا بعيد عن إعطاء وصف مناسب للرجل نفسه.
17-لقد تعلمنا أن نحدد أنفسنا بشكل شامل للغاية وأقل صراحة، وبنظرة تساوي في تواضعيتها استخدام التعريف "نفسي".
18-"ذاتي" التقليدية أو "شخصي" يتكون بشكل أساسي من تاريخ مكوّن من ذكريات مختارة تبدأ من لحظة الولادة. وفقا للتواضعية، أنا لست ببساطة ما أفعله الآن، بل أنا أيضا ما فعلته في السابق، ونسختي التي حَررتْها المواضعة من ماضيّ لتبدو تقريبا أكثر "حقانية عني"، مما أنا عليه في هذه اللحظة.
19-"ما أنا عليه" يبدو عابراً وغير ملموس للغاية، بينما "ما كنت عليه" يبدو ثابتاً وختامياً. هذا هو الأساس المتين للتنبؤ بما سأكون في المستقبل، لذلك نخرج بأنني قد تم تحديد هويتي (بما لم يعد موجوداً الآن) بدلاً من الموجود فعلاً.
20-من المهم أن ندرك أن الذكريات والأحداث الماضية التي تشكل الهوية التاريخية للإنسان ليست سوى اختيار من الواقع الفعلي للأحداث والتجارب، تم انتقاؤها وتجريدها وأعطيت أهمية، وهذه الأهمية كانت بناء على معايير المواضعة. ومن طبيعة المعرفة الاتفاقية، أن تقوم على نظام كامل من التجريد.
21-عملية التفكير مثل كاميرا التلفزيون تنقل المشهد الطبيعي من خلال سلسلة خطية من الدفعات التي يمكن تمريرها عبر سلك. والتواصل من خلال علامات المواضعة يعطينا ترجمة مجردة لكَون تحدث فيه الأشياء دُفعة واحدة، كَونٌ حقيقته الثابتة تهرب دائماً من الوصف الكامل، إلى تلك المصطلحات المجردة.
22- لعلي أكثرت في موضوع شديد التعقيد، لكني سأقول كلمة ولن أزيد. لكي تتضح الصورة أكثر، لا بد من ذكر نقيض المعرفة القائمة على المواضعة والاتفاق وقيود اللغة والعقل، إلا وهي المعرفة المأخوذة من ربط النفس بالفهم المباشر للحياة.
جاري تحميل الاقتراحات...