Renad | رِناد
Renad | رِناد

@RenadTWO

29 تغريدة 14 قراءة Apr 20, 2020
خلال اربعينات القرن الماضي حتى خمسيناته بقوم رجل مجهول الهوية معروف بلقب Mad Bomber بإرهاب مدينة نيويورك من خلال زراعة 30 قنبلة صغيرة على مدار 16 سنة, مُستهدف فيها دور السينما وأكشاك الهاتف والأماكن العامة الأخرى. ولسنين طويلة لم يستطع قسم الشرطة في مدينة نيويورك حل هاي القضية..
, حتى قرر المُحققين الاستعانة بطبيب نفسي من نيويورك يُدعى "جيمس بريسل" ليدرس القضية ويُقدم وصف تقريبي لشخصية المجرم المُتوقعة بناء على خبرته وعلمه. بقدّم د.بريسل أوصاف تفصيلية للمُشتبه فيه بتقود الشرطة من خلالها الى هذا المجرم, ليتم القبض عليه حيث يقوم بالاعتراف على الفور.
الأداة الثورية يلي استخدمها د.بريسل في تحديد خصائص ومواصفات المجرمين خلّت اقسام الشرطة في نيويورك واماكن اخرى تستعين بالاطباء النفسيين بشكل دائم في القضايا الصعبة. حتى صارت هاي الاداة جزء اساسي داخل اجهزة الFBI, الامر إلّي غيّر علم الجريمة في اميركا إلى الابد.
تُدعى هذه الاداة بـ (تنميط الجاني او Criminal Profiling) وهي اداة تحقيق سلوكية بتساعد المحققين على التعرّف على مُرتكب الجريمة بناء على تحليل نوع وطريقة الجريمة.
بتقوم هاي الاداة على مبدأ بسيط بيعتمد على معرفة (كيف ارتُكبت الجريمة؟) يلي بقودنا إلى (ليش ارتكبت الجريمة؟) وبالتالي (مين ارتكب الجريمة؟).
في عملية "الCriminal Profiling" بياخد المُحققين عدة عوامل في عين الاعتبار لمعرفة نوع وشخصية الانسان يلي ارتكب الجريمة:
- الVictimology: وبتعني دراسة الضحية من جميع النواحي (الحياة-الرغبات-الدرجة العلمية-الروتين اليومي-العلاقات الاجتماعية-الوظيفة) وحتى آخر القائمة...
لأن المجرم بختار ضحية مُحددة في مكان مُحدد في وقت مُحدد بأُسلوب مُحدد و لسبب مُحدد, وكل هاي القرارات يلي اختارها بتحكيلنا كتير اشياء عن مهاراته وقدراته ورغباته, وبالتالي بتقودنا إليه في النهاية.
-الموقع: موقع الجريمة ايضا بيطلعنا على كتير حقائق. هل حدثت الجريمة في مزرعة بمكان نائي وبعيد, حيث الشاهدين الوحيدين هم الحيوانات البرية؟, ام ان الجريمة وقعت في شارع حيوي بمدينة مكتظة حيث المئات من شهود العيان؟. تنفيذ جريمة في أيّ من الموقعيين يخبرنا الكثير عن المجرم.
-مسرح الجريمة: في مسرح الجريمة نُحلل تصرفات المجرم. كم من الوقت استغرق هناك؟ ماذا كانت طبيعة تفاعله مع الضحية؟ وما هو مستوى التطور الإجرامي عنده؟.
هل استخدم المجرم مسدساً ليقتل الضحية من مسافة معينة؟ ام ان المجرم إقترب للضحية على مستوى شخصي واستخدم السكين؟.
-مستوى التنظيم: انواع المجرمين تتفاوت على سلّم التنظيم, بين المُنظّم والغير مُنظّم.
المُجرم المُنَظّم بخطط للجريمة بشكل مُسبق, وبيحلم باليوم يلي رح ينفذها فيه, بجهز كل الادوات يلي بيحتاجها لإرتكابها, وبتخلّص منهم عند إنتهاءه من الجريمة...
بينما بكون المجرم الغير مُنظَّم تلقائي ومُندفع وما بخطط للجريمة قبل إرتكابها. وقد يكون إندفاعه واستهتاره هاد ناجم عن الكحول او المخدرات. بقوم بإلتقاط سلاح جريمته وهو ذاهب لتنفيذها ومن المُرجّح ان يترُكها خلفه عند انتهاءه, تاركاً الكثير من الادلة الجنائية ضده.
وإذا لم يمتلك المجرم مهارات إجرامية عالية تمكنه من الوصول إلى ضحاياه, بختار ضحايا بتعيش حياة عالية المُخاطرة كفتيات الليل والمدمنين والمشردين.
على عكس المجرمين ذوي المهارات الإجرامية المحنكة يلي ممكن إنهم يستدرجو ضحاياهم بكل سلام ودون إحداث ضجة لأي مكان بشوفوه آمن لتنفيذ جريمتهم.
سلوك المجرم قبل وبعد إرتكاب الجريمة: إذا كان المُجرم مُنظّماً, فقد يقوم على الاغلب بعملية مُراقبة للمكان قبل إرتكاب الجريمة. أيضاً قد يطرأ على الاشخاص اللذين قاموا بإرتكاب جريمة تغيير في سلوكهم بحيث يُمكِن للأشخاص المُحيطين بهم مُلاحظته.
على سبيل المِثال إذا قام مجرم بإرتكاب جريمة القتل فمن المحتمل ان يغادر منطقته او بلدته متعذراً بحِجّة طارئة, ولن يعود إليها إلا عندما تهدأ الامور ويشعر بالإطمئنان من عودته.
تنميط الجاني هو ببساطة اخذ هذه العوامل الخمسة ومُلاحظة المعلومات التي يكشفها المجرم من خلالها عن نفسه.
في سنة 2002 في حوادث هجوم DC Snipper الشهيرة تم ترويع منطقة واشنطن لمدة 23 يوم, حيث قام قنّاص مجهول بإصابة عدد من الناس وقتل 10 اشخاص, ستة منهم قام بقتلهم خلال 26 ساعة فقط, لذلك لم يظن المحققين إنّه كان يستهدف نوع معين من الضحايا, اي ان اختياره كان عشوائي.
عادةً في هيك جرائم لما المجرم يرتكب سلسلة من عمليات القتل المتتابعة, بقوم بعمل عدة اخطاء ناجمة عن الخوف والهلع او بسبب جريان الادرينالين في الدم, لكن في هذه الحالة هاي الاخطاء ما كانت تحدث وكأن المجرم كان عبارة عن شبح.
كل هذه الامور كانت تدل على ان المجرم على مستوى عال من الهدوء ورباطة الجأش, هو ايضاً في منتصف او نهاية الاربعينات, واغلب الظن انه قد حظي بتدريب شرطة او تدريب عسكري في مرحلة ما من حياته.
المحققين في بداية الامر اعتمدوا على الاحصاءات السابقة في توقع مواصفات المجرم, التي كانت تشير إلى ان معظم المجرمين القناصين من هذا النوع هم ذكور, بيض العِرق في منتصف العمر, لديهم حقد وغُل على المجتمع او على اشخاص معينين, يقومون بهذه الجرائم لتفريغ هذه المشاعر السلبية على الضحايا.
أيضاً القناصين من هذا النوع لديهم حالة تُدعى عُقدة الإله (God Complex) اي انهم يحبون قتل الناس من مكان عالي ومرتفع, لأن هذا الامر يعطيهم شعور بالسُلطة المطلقة والقدرة على كل شيء تماما مثل الإله.
و لذلك فقد كان من المهم جداً ان يتم إسترضاءهم واستدراجهم .....
وليس تحديهم و التقليل من شأنهم. لكن لسوء الحظ هذا كان عكس ما كانت تقوم فيه الشرطة في ذلك الوقت, فقد نعتتهم الشرطة بالجبناء ثم صرّحت ان الشوارع آمنة و أنّ المدارس آمنة كذلك و انه لا يوجد شيء يدعو للذعر. الامر الذي استفز هذا القناص ليطلق النار على طفل ذاهب لمدرسته في اليوم التالي.
تَرَكَ القاتل رسالة صغيرة عند الانتهاء من هذه الجريمة تشير إلى وجود إزدواجية في شخصية الكاتب. فكان جزء من الملاحظة يقول "نادني بالإله" الامر الذي اكّد وجود عقدة الاله عند هذا القناص...
...جزء تاني من الملاحظة استخدم فيه القناص جملة "هذه الملاحظة لك سيدي الشرطي" فبدا الامر وكأن كاتب الملاحظة ينظر الى الشرطة بنظرة احترام وتبجيل. جزء ثالث من الملاحظة استُخدم فيه اغاني الريغى (reggae songs) مما قد يُشير إلى ان المجرم مُتأثر بثقافة منطقة الكاريبي.
كما انّه تم استخدام عدة مصطلحات في الرسالة يستخدمها عادة الاشخاص المنتمين للجيل الاكبر سناً وليس الشباب, الامر الذي كان متماشي مع مستوى تخطيط الجريمة العالي وتنفيذها ومتماشي مع حقيقة ان المجرم يعاني من "عقدة الاله", لكنه غير مُتماشي مع حقيقة تبجيل واحترام الشرطة.
كانت الشرطة في حيرة من امرها, هل كان المجرم هادئ بارد متمالك لأعصابه اثناء تخطيطه وتنفيذه لجرائمه, بنفس الوقت كان يتدهور ويتعثر عند كتابة الرسائل للشرطة؟, ام ولأول مرة في تاريخ اميركا, المجرم هنا هو فريق من القناصة, احدهم في منتصف العمر والاخر في سنين مراهقته او شبابه.
ليتضح بعد ان تم دمج هذه التخمينات المدروسة مع نتائج اخرى من جهاز الFBI ان المجرم في هذه القضية هو فعلا فريق من القنّاصة مكوّن من شخصين اسوديّ العِرق, قام فيه الاكبر بالسيطر على الاصغر من خلال اعتداءه المستمر عليه, ليتم القبض عليهما (جون ومالفو) خلال 24 ساعة.
حسب الاحصاءات كانت معظم حالات جرائم القناصين في اميركا يتم ارتكابها من قِبل نمط معين من المجرمين, يلي كانوا بالعادة ذكور منفردين, في منتصف اعمارهم و من العِرق الابيض. لكن في هذه القضية تم نسف هذه المعايير تماما.
فكان لعملية تنميط الجاني او ال Criminal Profiling الدور الاهم في القبض على المجرمين وليس الاعتماد على الاحصاءات السابقة عن هذا النوع من الجرائم.

جاري تحميل الاقتراحات...