93 تغريدة 345 قراءة Apr 19, 2020
A thread:
الرّجل يُطارد الفريسة، والمرأة ترمي بشِباكها: ما بين التحرّش والإغراء، وما لن تخبرك به أيّ من الأيدولوجيات المُعاصرة.
1. بما أنّ الموضوع قد فُتح -كالعادة- وأصبح حديث الكلّ فأنا أردت الحديث فيه لكن بدي أركّز على نقاط لم يذكرها أيّ من الأطراف هنا. كلامي لتوضيح كثير من سوء الفهم والتّعبير الي بنشوفه عند قراءة كلام بهيك مواضيع.
2. كلامي من منظور يقف بالمنتصف ما بين الذكورية والنسوية، مع أخذ الجانب العلمي والمرجعية الدينية بالحسبان. كلامي لا يحمل أيّ إساءة لأي طرف كان، اترك ردود فعلك السّريعة على جنب، رجاءً.
الكلام طويل نوعًا ما، حضّر مجّ قهوة وركّز معي.
3. بدايةً التحرّش -بمفهومه العامّ الحالي- هو جريمة كأيّ جريمة أخرى، سواء كان برمي الكلام أو بالاعتداء الجسدي، كاللمس مثلًا، وهو غير مقبول عرفيًّا أو مجتمعيًّا أو دينيًّا.
بالمُجمل هو اعتداء من طرف على طرف آخر، وهو اعتداء غير مقبول بأيّ حال كان.
4. "تبريره" بأيّ طريقة يعني بالضّرورة "شرعنته" بطريقة أو بأخرى، وكونه اعتداء فهو "غير مبرّر"، لكن بالإمكان الحديث عنه باستفاضة من جميع الجوانب وفهم جميع ظروفه وحيثيّاته أكثر.
هذا الموضوع سرمديّ، موجود منذ الأزل وسيبقى للأبد ولا يوجد حلّ له، لماذا؟
5. كلامي في هذا السياق عن عدة مواضيع، منها طبيعة العلاقة بين الجنسين وتطورها عبر الوجود الإنساني، ردود الفعل المختلفة تِجاهه، محاولات البعض تبريره، وبالطبع موضوع فصل جانب المظهر "تمامًا" عن التحرّش إلى درجة أن الإنسان الذي يتعرّض لتحرّش صار يوضّح من البداية إنّه مظهره عادي جدًّا.
6. أنت كإنسان وفي أغلب قرارات حياتك بحاجة إلى "مرجعيّة" ما لتحديد صحّة تصرّفك من عدمها، بالإمكان الاعتماد على عقلك، دينك، عاداتك وتقاليدك، وجميعها فيها ضوابط ومحدّدات للعلاقة بين الجنسين، قد تختلف من مرجعيّة لأخرى لكنها جميعها تمنع الاعتداء من أيّ نوع كان، بل وتُعاقب عليه.
7. يجب توضيح المفاهيم قبل الحديث بالتفاصيل، فكثير من الناس يخلط الحابل بالنّابل في هذا الموضوع بالذّات. التحرّش لُغةً هو مرحلة متقدّمة من مراحل المعاكسة، وتعني استخدام ألفاظ معيّنة من أجل التقرّب إلى الجنس الآخر ولفت نظره وانتباهه أملًا بإقامة نوع من العلاقات الجنسية معه.
8. ويجب التفريق تمامًا بين التحرّش والاعتداء الجنسي، بالمرحلة التي ينتقل بها الفعل من الكلام إلى الحركة يكون قد تحوّل التحرّش إلى اعتداء جنسي، وحتّى قانونًا عقابه يختلف تمامًا.
بمعنى آخر، يمكن اعتبار التحرّش مرحلة متقدّمة -قذرة- من المعاكسة، لكن لا يمكن ضمّ الاعتداء الجنسي إليه.
9. في العادة يُنسب التحرّش للذّكر فقط، فهذا التعريف سواء لغويًّا أم عُرفيًّا هو من وجهة نظر نسويّة فقط وهو مبني على أساس علمي مفاده أنّ الأنثى تُستثار جنسيًّا ابتداءً عن طريق السّمع.
من مرجعيّة دينيّة هذا يفسّر الأمر الإلهي للأنثى بالسّتر.
10. على الجانب الآخر، يُستثار الذّكر جنسيًّا ابتداء عن طريق البصر، وقد برعت الأنثى بالتّقرّب من الجنس الآخر بالاعتماد على حاسّة البصر، عبر الإغراء الجسدي وإظهار تفاصيل الجسد باعتبار أنّ الذّكر يُستثار بشكل أساسيّ بصريًّا.
من مرجعيّة دينيّة هذا يفسّر الأمر الإلهي للذّكر بغضّ بصره.
11. وهذا قد يفسّر أنّ أغلب أشعار الغزل والكلام الرومنسي المعسول يكون صادرًا من الرّجل، لو راجعت أشعار وجمل الغزل التي قيلت منذ فجر التّاريخ ستجد أنّ الغالبيّة العظمى منها أصحابها ذكور. وقد يفسّر أيضًا براعة المرأة تاريخيًّا على استعمال جسدها بقصد الإغراء، كالرّقص مثلًا.
12. هنا تستطيع ملاحظة أنّ المرجعيّة الدينيّة تعامل كلّ جنس حسب ظروفه واحتياجاته، بل أنّ الأوامر والنّواهي من جنس لآخر تختلف بما يلائم عمل نوع من "التّكامل" بين الجنسين.
13. هنا يظهر أوّل مظاهر التناقض عند أصحاب الفكر النّسويّ، وهو موضوع غضّ البصر، فتجد الكثير ممن يحملون بعض "البقايا الدينيّة" مع الفكر النسوي ينادون بعبارات مثل "لو البنت طلعت من غير أواعي أنت وغيرك ما إلك حق تتحرش فيها ولازم تغض بصرك".
14. مع العلم أن الكلام نظريًّا صحيح، فالتحرّش غير مبرّر أبدًا ولا يمكن شرعنته والسّماح به، بل ومن ناحية دينيّة يوجد عقاب رادع له، لكن خلط الحابل بالنابل خاطئ. فموضوع غضّ البصر هو موضوع ديني بحت، أوليس الربّ الذي أمر بغضّ البصر هو نفسه الربّ الذي أمرك بالسّتر؟
"ما لكم كيف تحكمون"؟
15. خلّيني أسهب بالكلام وأوسّع دائرة حديثي لعلّ وعسى أوصّل فكرتي بطريقة أفضل وأوضح.
قيل قديمًا: "الرّجل يطارد الفريسة، والمرأة ترمي شِباكها"، يمكن تفسيرها بأنّ هذا إشارة إلى أنّ التحرّش الذّكري هو استهداف أنثى بعينها، إمّا يدركها أو يدرك سوء تقديره لوضعها والفرق بينهما، فيتركها.
16. في حين تلقي المرأة بشبكتها نحو الأسماك الموجودة لتختار المناسب منها.
وكأنّ المفهوم نفسه بكِلتا الحالتين لكن أحدهما active و الآخر passive. واختلاف الأسلوبين ليس أمر عبثي، فالإنسان نِتاج خبراته، وفي كلّ خليّة يحمل خبرات آلاف السّنين، فخبرة الإنسان في الحياة تراكميّة.
17. خلينا ناخد الموضوع من ناحية علميّة بحتة.
الذّكر قام بالمغازلة/التحرّش/المبادرة، سمّها ما شئت، وهذا شيء active ويحمل نوع من المغامرة والخطر، في حين فضّلت الأنثى خيار الإغراء الآمن وانتظار الأفضل بأكثر الطّرق أمانًا.
ليش؟
18. في الواقع الموضوع معقّد وشائك، لكن السّبب الحقيقيّ وراء تشابه الفعلين مع اختلاف الأساليب بين active و passive هو اختلاف عواقب الجنس على كلّ من الذّكر والأنثى، ليس بسبب "هضم" العالم لحقوق الأنثى كما تنادي جميع النّسويات، وإنما فعليًّا في اختلاف بالنتائج لكلّ من الذّكر والأنثى.
19. بمعنى صحيح أنّ كِلا الجنسين يُستثاران بطرق مختلفة، الذّكر بطريقة بصريّة والأنثى بطريقة سمعيّة، لكن هذا الشيء غير مبرّر لموضوع اختلاف الأساليب بالدّرجة هاي، ومقدار الخطر الي فيه الذّكر والأمان الي فيه الأنثى. صح؟
20. هذا الشيء يمكن تبريره عبر إدراك اختلاف عواقب الجنس عليهما. من جانب بيولوجي فالأنثى تمتلك بويضة واحدة، وفي حالة تخصيبها فحياتها ستتغير وتنقلب رأسًا على عقب لسنوات. في حين يمتلك الرجل ملايين الحيوانات المنويّة وبالتالي يستطيع -نظريًّا- التكاثر مع من هب ودبّ بدون أي عواقب لاحقة.
21. هذا الشيء من الصّعب فهمه عند النظر للإنسان خصوصًا عن التفكير أخلاقيًّا أو دينيًّا، لكن عند التجرّد من العواطف أو محاولة مراقبة الحيوانات مثلًا بالإمكان ملاحظته بشكل جليّ، حاول التّفكير بطريقة نفعيّة بحتة لتفهم كلامي. أنا أتكلم من منظور ذكر/أنثى فقط.
22. حالة الأنثى يمكن تسميتها "استثمار أبوي أعلى"، بمعنى أنّ المرأة تبحث عن الأفضل، تخشى الجنس مع من هبّ ودبّ وتقوم بفرز واختيار أفضل ما في "الشّبكة".
أمّا حالة الذّكر يمكن تسميتها "استثمار أبوي أدنى"، فعواقب الجنس أقلّ على جسده وحياته.
23. من الأمور الي بتحدث بشكل عفويّ بدون أدنى انتباه هو موضوع اللمس. أثناء الحديث بين الجنسين قد يحدث نوع من الاحتكاك -بشكل عفويّ- أثناء الحديث، غالبيّة النّساء رفضوا هذا الشيء وأبدوا انزعاجهم، في حين كثير من الذّكور ما عندهم مشكلة فيه، إلّا من ناحية دينيّة.
سأفسر الموضوع لاحقًا.
24. كإنسان يفترض عندك التزامات أخلاقيّة، لكن مش ممكن الاعتماد على كلمة "يفترض" وترك الأمور على ما هي عليه وبعدين تتغيّر حياة إنسان إلى الأبد بسبب نزوات لحظيّة لآخر.
هون بتظهر مصيبة العلاقات الجنسيّة الحرّة، وهون بتظهر الفائدة من تشريع الزّواج.
25. الزّواج ما هو إلّا ميثاق لحفظ حقوق كلا الطّرفين، وللمرأة قبل الرّجل. وهناك موضوع مهمّ يجب الإشارة إليه هنا، من الملفت أن تدنّي السّلوك الجنسي المحافظ من جانب النساء يوازيه ضعف في إقبال الرّجال على الزّواج، لماذا؟
26. حاول أن تترك رادعك الدّيني والأخلاقي ولتركّز معي وفكّر بطريقة براغماتيّة ونفعيّة وأنانيّة بحتة، لو استطعت الحصول على الجنس والإنجاب والوصول لمرحلة ما من الاستقرار دون أيّ استثمار عاطفي ومادّي بامرأة ما ودون التّوقيع على عقود قد تستخدم لإدانتك في يوم ما فأيّ أحمق سيرفض ذلك؟
27. هنا تتضّح فائدة المرجعيّة الأخلاقيّة أوالدينيّة في العلاقة بين الجنسين، وتتضّح فائدة "الميثاق الغليظ" بين الزّوجين، فهي لحفظ الحقوق ولتحميل كلّ طرف مسؤوليّاته وإعطائه حقوقه.
28. أخذك بالمرجعيّة الأخلاقيّة أوالدينيّة من عدمها هذا خيارك وحدك، بل حتّى أنّ اعتبارك أنّ النموذج المحافظ متخلّف فأيضًا هذا شأنك، لكن لن تستطيع إنكار أنّ نموذجك يعني انهيار الأسرة تدريجيًّا ومن ثمّ المجتمع، هذه حقيقة لن ينكرها سوى أعمى البصر والبصيرة.
29. ما قلته في بداية كلامي يمثّل حالة حيوانية، أو بإمكانك تسميتها "إنسانيّة بدائيّة".
وأثناء بناء الحضارة البشريّة وتطوّرها عبر الأجيال كان لابد من وضع حد لهذه الحالة، ولابد من خلق ظروف أفضل للأطفال والعائلة ككل والي رح تشكل لبنة الأساس للمجتمع، وكان هذا عبر البدء بتشريع الزّواج.
30. الزّواج شكّل نوع من حرمان الذّكر من "الجنس السّهل غير المشروط" أو الجنس بدون أي تبعات، بهدف تحويل "الاستثمار الأبوي الأدنى" عنده إلى "استثمار أبوي أعلى"، استثمار بعائلة كاملة وتحمّل مسؤوليّة من يُنسب إليه.
31. وبالحديث عن "من يُنسب إليه"، في الفِكر الذّكوري قديمًا كان يُنظر للخيانة الزوجيّة من جانب المرأة فقط دون النّظر إلى الموضوع من جانب الرّجل، بل ودون النّظر إلى أنّ من خانت معه كان رجلًا أصلًا. كلامي عن فترة قديمة، يعني ما قبل سَنّ الزّواج الديني حتّى.
32. الدّافع لهيك أمر كان لإنهاء جدليّة ظهرت على شكل سؤال واحد: من هو الأب؟ هاي الجدلية ظهرت في جميع المجتمعات، الشرقية والغربية. في مثل إنجليزي قديم كان يحكي:
"Mama's Baby, Papa's Maybe"
33. كانت الأسرة والقبيلة هي عِماد المجتمع ومركز الحياة الاجتماعية، وبما أنّ المرأة هي من تنجب كان يتمّ النّظر إلى الخيانة اعتباطيًّا من طرفها فقط. وكأنّ كلّ الأيدولوجيا كانت قائمة على حماية الأسرة والمجتمع لكن بطريقة خاطئة.
34. فكّر معي قليلًا، لم تكن تستطيع الأم طرح سؤال "هل أنا الأمّ الحقيقية أم لا" على نفسها، في حين كان يستطيع الذّكر طرحه بكلّ وقت. ولو ضاجع الذّكر آلاف النّساء وعاد إلى بيته لن يدخل البيت حاملًا طفلًا بين يديه ويقول لامرأته هذا ابنك. في حين تستطيع المرأة ذلك.
35. هذه المعضلة بيّنت ضرورة وجود طريقة لنسب أطفال الرّجل إليه، وربّما تشكّل مدخل جيّد لإيضاح سبب أن يُنسب الطّفل في السجلّات إلى أبيه لا إلى أمّه، وأن يُنادى عليه باسم أبيه لا باسم أمّه. الهدف هنا هو تحميل الرّجل مسؤوليّة وتبعات من يُنسب إليه وضبطه من ناحيّة جنسيّة.
36. بكلمات أخرى فالزّواج هدفه تغيير نظرة الرّجل الجنسيّة وإعادة صياغتها بطريقة "أرقى"، وبطريقة أقرب لنظرة المرأة العلويّة للموضوع. وهذا قد يفسّر تنحّي الرّجل عن المرأة التي تبرز مفاتنها للكلّ حين يقرّر الزّواج.
37. ومن مرجعيّة دينية، تجد الله سبحانه وتعالى يصف الزّواج بالميثاق الغليظ.
{وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا}.
38. الثّورة الجنسية آثارها على العالم كانت أكبر من آثار سقوط اتّحادات وتحالفات ودول. فالعالم تغيّر مع الثّورة الجنسيّة وسقطت المنظومتين الاجتماعيّة والأخلاقيّة، تفكّك الارتباط بين الجنس والزّواج وتمّ شرعنة حريّة العلاقات الجنسيّة حتى ضمن أبناء الجنس الواحد.
39. هذا السّقوط بالمنظومتين الاجتماعيّة والأخلاقيّة أدّى لإعادة كِلا الجنسين إلى الوضع السّابق، الحيوانيّ أو الإنسانيّ البدائيّ، سمّه ما شئت. وبالتّالي تمّ إعادة كِلا الجنسين إلى حالة الإغراء الجنسي والتحرش، أو حالة العرض والطّلب.
40. لماذا التحرّش اعتداء أمّا الإغراء لا؟
هذه القناعة تشكّلت نتيجة الأيدولوجيا المسيطرة حاليًّا وهي النسوية، فالقواعد يضعها الأقوى. النسوية قائمة على التفوق الأنثوي على الذكر، ولهذا تم تجريم التحرش الذكوري دون تجريم ما يقابله من إغراء أنثويّ، في حين قديمًا كان يتمّ تجريم كِلاهما.
41. هذا الأمر كان بالتّوازي مع إعادة تعريف كثير من المصطلحات الجنسيّة للوصول إلى نتيجة مفادها أنّ الأنثى القويّة والجريئة هي المرتاحة مع الجنس والجريئة فيه بأيّ وقت ومع أيّ شخص كان. لهذا بعض تصرّفات الأنثى التي يتمّ وصفها بالجرأة لو بدرت من ذكر لتمّ وصفها بالتحرّش.
42. وفي حالة التفكير، مجرّد التفكير، بمخالفتهم الرّأي يتعرّض الشّخص لكميّة كبيرة جدًّا من التنمّر والقذف والشتم، بالنّسبة للذّكر يتمّ وصفه بالمنحرف، المتحرّش، الشّهوانيّ. أمّا بالنّسبة للأنثى فيتم وصفها بأنها تريد إثارة الرّجال ولفت انتباههم.
43. هذا الشيء بالإمكان ملاحظته على منصات السوشال ميديا، الكثير من الردود على الذّكور المخالفين للحركة النسويّة تجد بها كلمات مثل: "يا متحرش، شهواني، ممحون، مش قادر تسيطر على أعضاءك". أمّا عند الإناث المخالفات للحركة النسويّة تجدها في ردود على شاكلة: "إن شاء الله يتجوزك".
44. هذا التشدّد في الخطاب والخطأ فيه تجده بالجانب الآخر يصل حدّ استخدام كلمات جنسية بحتة لوصف قوّة المرأة واستقلاليتها، مثل bit*h التي تغيّر معناها في كثير من المعاجم لوصف المرأة القويّة
للمزيد عن الموضوع بإمكانك مراجعة الكلام المرفق بالتويت هنا
45. وفي نفس السّياق تمّ تعريف الرّجل الصّالح بالرّجل الذي لا يهتمّ بالجنس ولا يخطر على باله ولا ينجذب لجسد المرأة حتّى لو كان عريانًا تمامًا، ومن هنا تمّ فصل موضوع اللباس عن التحرّش بشكل تامّ.
46. وبإمكانك ملاحظة أنّ الطّريقة الوحيدة لإرضاء النّسويّة هو بتبنّي الفِكر والسّلوك النّسوي حتّى من قِبل الذّكور. وفي حالة أيّ مخالفة يتمّ إعادة تعريف الشّخص ووصفه بالمنحرف والمتحرّش لو كان ذكرًا، أمّا لو كانت أنثى فيتم وصفها بأنها "تبحث عن زوج/عريس" وهذا له دلالة مهمّة جدًّا.
47. فعبارات مثل "إن شاء الله تلاقي عريس" بتلاقيها في كثير من الردود على أي أنثى خالفت الأيدولوجيا النسوية، وكأنّ النسوية في عقلها الباطن تدافع عن نفسها وطريقة عرضها لذاتها و"رميها لشبكتها" عبر اتّهام الأخريات بهذا الشيء:
"أنا بدي ألفت الشباب بلبسي؟ أنتِ بدّك تلفتيهم بكلامك ضدّي".
48. لاحظت ذلك أم لم تلاحظه، أنكرته أم أقررت به فالأيدولوجيا النّسويّة هي واحدة من أقوى الحركات وأكثرها تشدّدًا وانتشارًا كونها جزء من الدّول الداعمة لها وليس كما يصفن أنفسهنّ "بالثّائرات". الكثير منهم يعتاشون من هذه القضيّة أصلًا.
49. الحركة قامت على عدة أجيال، جيلها الحالي يتخبّط بطريقة غريبة. النسوية بجيلها الثاني كانت تعمل على إقناع المرأة بأن تكون كالرجل، محاولة إقناعها بالفصل بين العواطف والجنس والقيام بعلاقات مع كل من هب ودب دون القلق تِجاه اختلاف العاقبة على كلّ من الجنسين، لكنها بالنهاية فشلت بذلك.
50. أما النسويّة في جيلها الثّالث المعاصر فتحاول تحويل الذّكر إلى أنثى عبر "تدجينه" بطريقة أو بأخرى. وبالطّبع تناقض نفسها بطريقة عجيبة.
51. فتجد في الكثير من المقابلات التلفزيونية إحداهنّ تصف تعدّد الزّوجات للذّكر بالشيء الحيوانيّ واللاإنسانيّ، وتصف الذّكر الذي يعدّد زوجاته بالشّهواني، وفي نفس المقابلة يسألها المقدّم هل أنتِ مع تعدد الأزواج للأنثى؟ فتجيب بنعم!
52. أيضًا بالإمكان مشاهدة هذا التناقض ينعكس على شكل "تبرير" السبّ والقذف والتكلّم بعبارات وكلمات قذرة لو كان هذا الشيء صادر من الأنثى.
53. بالنّسبة للإنسان الرّاشد والعاقل فالخطأ هو خطأ، سواء بدر من ذكر أم أنثى. أمّا بالنّسبة للنّسويّين فرأيهم أنّ الخطأ من الأنثى محمود من باب عمل نوع من المساواة، أو حتى "الانتقام" من زمان كان فيه الذّكر مسيطرًا.
54. أما من مرجعيّة دينية فالبذاءة مُدانة من كلا الطرفين، قال الله تعالى: "وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا". وقال رسول الله (ﷺ): "ليس المؤمنُ بالطَّعَّانِ ولا باللَّعَّانِ. ولا بالفاحشِ ولا بالبذيء".
55. ويظهر هذا التناقض -عند النسويّة- في أعظم تجلّياته على شكل تطهير ممزوج بالتحرّر الجنسي لأبعد الحدود، ليس انفصامًا فالفِصام مرض، لكنه بسبب ازدواجيّة بالمعايير عندها.
56. فالنّسويّة مع التحرّر الجنسي بالمطلق فيما يتعلّق بالأنثى، وضد أيّ تقييد لها ولتعبيرها عن نفسها بأي طريقة أو حدّ كان، وبنفس الوقت تحاول نزع صفة "الجنس" عن التصرّفات هذه لتحافظ على الصّورة المثاليّة لطهارة وبراءة المرأة.
57. أما على الجانب الآخر، الرّجل، فتم اعتباره كائن نجس ويحتاج للتطهير ليصل مرتبة المرأة، ولهذا تولّد عندهنّ نوع من "الهوس" بشيطنة كلّ ما يميّز الذّكور، فأقلّ تصرّف ذكوري يتمّ وصفه بأقبح الألفاظ: تحرّش، عنف، اعتداء.
58. بالإمكان مشاهدة هذا الشيء بشكل واضح في "حملات فضح المتحرّشين" إن صحّ تسميتها بذلك.
عندما يضايقك أي إنسان بطريقة جنسية يحبذ الرد بطريقة تمنعه من إيذاء غيرك وبالتالي لن يلومك عاقل لو قمتِ بفضحه بعد أن تقومي بتقديم شكوى رسمية لحفظ حقوقك، فعقاب التشهير أكبر من عقاب التحرّش للأسف.
59. لكن عند البحث في منشورات فضح المتحرّشين هذه، تجد مئات المسجات على شاكلة "مرحبًا" أو "كيفك"، وأيضًا يتمّ وصفها بالتحرّش، وهذا مثال بسيط على اعتبار كلّ ما يصدر من الذّكر هو نجس ويحتاج للتطهير، ويُبرّر وصفها له بالتحرّش.
60. بالوقت الحالي، الجيل الثالث من النسويّة يحاول أن يبني نوع من "الشرطة المجتمعيّة"، ليس من باب الاهتمام بالمجتمع وإنما من باب تحقيق الأسطورة والوهم السّرمديّ: المساواة. ولن يصلوه.
61. هذا الشيء وصل إلى حدّ متقدّم جدًّا من التشدد وأخذ الأمور إلى أقصاها، ففي بعض الدّول يُعاقب زبون المومس أو من يشتري الجنس بالمال، لكن نفس القانون لا يعاقب المومس على فعلها بل ويعتبرها ضحيّة. وهذا الأمر كان من باب تجريم السلوك الجنسي الذّكوري.
انظر الصّورة المرفقة.
62. فالمحظور هنا ليس الدّعارة بحدّ ذاتها وإنما السّلوك الذّكري واستعمال المال للوصول للأنثى والجنس، هذا الأمر أشبه ما يكون بمعاقبة مشتري المخدرات دون معاقبة البائع، درجة ازدواجيّة المعايير بلغت أقصاها وتمّ تقنينها وإعطاؤها الشّرعيّة القانونية.
63. "للمرأة الحقّ في كلّ شيء، لكنها غير مسؤولة عن أيّ شيء".
الأنثى ضحية فقط لأنها أنثى، وإذا حدث وصدر منها ما قد يجعلها عرضة للمحاسبة والمساءلة فالمسؤولية تقع على الذّكر، هذا أحد المبادئ النّسويّة في معالجة هذه الأمور.
64. وبنفس الطّريقة ونفس الازدواجيّة والقوانين المطّاطة تمّ استحداث الفرق بين الإغراء والتحرّش، فالإغراء حريّة شخصيّة، أما التحرّش جريمة ولا يمكن إدراجه تحت بند حريّة التعبير.
في حين قديمًا كان يتمّ تجريم كلا الإغراء والتحرّش، ومعاقبة مرتكبي كلاهما.
65. الوضع الحالي لا يترك الأمور على طبيعتها "الغرائزيّة والبدائيّة"، ولا يرقى لتسميته بالوضع المتحضّر الذي يقوم بتقييد كلّ جنس حسب "ظروفه وحاجاته"، ضع مئة خطّ تحت ظروفه وحاجاته. الوضع الحالي فوضوي ومشوّش لأقصى الحدود.
66. الأدهى أن التحرش موضوع مطاطي، فالمرأة قد تقبل كلام من شخص ما لن تقبله من آخر. فمثلًا، كلمة "مرحبًا" من شخص ما تعتبر تحرش، أما من آخر فأكثر الكلمات الجنسية لا تعتبرها تحرش، وهذا طبيعيّ، فنظرتها تختلف من شخص لآخر وهذا الشيء تم إيضاحه في بداية كلامي حول الشّبكة والشخص المناسب.
67. لكن هذه المطّاطيّة تشكّل نوع من العائق الذي يُحيل حلّ موضوع التحرّش إلى الاستحالة، فلا يمكن تقييم التحرّش وتصنيفه حسب تقييم الشخص المتعرّض له كلّ حالة على حِدة، وليس من المنطقيّ ولا الأخلاقيّ حتّى تجريم المتحرّش بناءً على وضعه الشخصي ومدى قبوله وليس بناء على فعل التحرّش كفعل.
68. بمعنى أنّ تجريم التحرّش يجب أن يكون للفعل من أيّ شخص كان، لا للشّخص حسب نظرة المتلقّي له، سأوضّحها بمثال بسيط.
69. سين قال كلمة ما، وتم قبولها
صاد قال نفس الكلمة، ولم يتم قبولها
موضوع قبول الكلمة من سين وعدم قبولها من صاد هو أمر طبيعي وحرية لدى المرأة، لكن لا يمكن محاسبة صاد عليها، لأن محاسبته ستكون على عدم قبول الكلمة منه بسبب عدم قبوله كشخص، وليس على الكلمة بحد ذاتها، وصلت الفكرة؟
70. لكل قاعدة شواذ، وتجريم التحرش بصرف النظر عن تقييم الفاعل بالإمكان في حال كانت الأنثى واحدة من اثنتين:
- امرأة محافظة تعيش بمنظومة ذات حدود صارمة بين الجنسين، غالبًا منظومة دينية.
- امرأة نسوية ترفض كل ما يذكرها بأنها أنثى وأن الذكور ينجذبون لها جنسيًّا، غالبًا تكون سحاقيّة.
71. يمكن تشوف كلامي فيه تطرّف أو تتهّمني بأخذ الأمور إلى أقصاها. لكن تقول الناشطة النسويّة الرّاديكاليّة تي غريس أتكينسون:
"إذا كانت النسويّة هي النظريّة، فالسّحاق هو التّطبيق"
"Feminism is the theory; lesbianism is the practice"
72. أسهبت بالكلام، شكرًا لو وصلت معي لهون
بالمجمل، هلّ لبس المرأة "مبرّر" للتحرّش؟ لأ
هل هو "سبب" للتحرّش؟ كمان لأ
لكن هو يعتبر "محفّز" نوعًا ما
73. خلّيني أكون دقيق بكلامي أكثر في سياق المحفّزات وخصوصًا اللباس، الكثير رغم احتشامهنّ يتعرّضن للتّحرّش، صحيح، فاللباس ليس سببًا ولا مبرّرًا للتحرّش، لكنه محفّز، ومن الطبيعي والعلمي أنّ إبراز المرأة لمفاتن أكثر سيؤدي لتعرّضها لتحرّش أكثر.
74. في تجربة اجتماعيّة أقيمت في الولايات المتحدة بتحكي عن الفرق بين لبس الحجاب من عدمه في موضوع التحرّش، والغريب أنّ من لبسن الحجاب لم يتعرّضن للتحرّش في حين نفس المرأة عند خروجها بدون حجاب تعرضت لتحرش.
75. أمّا في كثير من المجتمعات الشرقية والعربيّة الي أغلبها مسلمين فحتى المرأة المحجبة وأحيانًا المتسترة تمامًا تتعرّض للتحرش، لماذا؟
وجدوا إنّه زيادة التحرّش مرتبط ارتباط وثيق "بالتجاوب" مع التحرّش.
76. فامرأة محتشمة لكنها تتجاوب مع التحرّش أو تكون ذات تصرّفات غير محافظة بالرّغم من احتشامها ستجعل الرجال يخرجون بنتيجة مفادها أنه حتى المحتشمة "معها فرصة" وبالتالي يتجرّأون على باقي المحتشمات.
77. ولهذا السبب في الولايات المتحدة وبالتجربة الاجتماعية لم تتعرض المحجبات للتحرّش، فهناك اعتقاد سائد أن المحجبة محافظة ترفض فعل التحرّش، في حين تم هدم هذا الاعتقاد في كثير من المجتمعات الشرقية والمسلمة، نتيجة للتّجاوب.
78. الإغراء، المكان، الزّمان، البيئة الاجتماعيّة، التربية
كلها وغيرها الكثير لا تشكل مبرر للتحرش، لكنها تشكل نوع من "المحفزات أو المثبطات" له.
احتمالية التحرّش تختلف من إغراء (لباس) لآخر، من الليل للنهار، من القرية للمدينة، من بيئة محافظة لبيئة منفتحة.
ستكون أعمى لو أنكرت ذلك.
79. كثرة هذه العوامل التي تلعب أدوارًا مهمّة تصعّب من حلّ هذه الظاهرة.
ومن المُلاحظ أنّ كلّ موضة باللباس تبرز مفاتن أكثر من التي قبلها للدّرجة التي تجعل الكثير من الإناث يبدين استيائهنّ من هذا الموضوع والكثير منهنّ يشكوا من عدم إيجاد لباس جيّد "حديث وجميل وساتر".
80. هذا الشيء مرتبط بالإغراء، فالإغراء هو نوع من المنافسة بين الإناث، ولن ترضى إحداهنّ أن تتميّز عليها أخرى وتستفرد بالأنظار، وهذا الشيء انعكس على شكل "موضة".
يقول الفيلسوف رينيه جيرارد: "المنافسة تؤدّي إلى التقليد".
بإمكانك فهم كلامه إلى أنّها تؤدي إلى خلق حالة من "الموضة".
81. وبالطّبع إبراز مفاتن أكثر في كلّ صيحة وموضة جديدة أدّى لتولّد نوع من "الاعتياد" عند الذّكر، يعتاد الرّجل على جسد المرأة وبالتالي يقتل كل فضول في عقله تِجاهها. أدّى هذا الشيء تدريجيًّا إلى عدم مبالاته بها مما سبب ضغطًا أكبر عليها لتزيد من "جرعة الإغراء" لإعادة لفت النظر إليها.
82. أصبح الرّجل كالمدمن الذي يحتاج أن يزيد جرعته كلّ فترة وفترة، وهذا الشيء قد انعكس على شكل انحرافات جنسية لدى بعضهم، وعلى شكل ممارسات جنسية "جديدة" لإيقاظ الغرائز الذّكريّة الميّتة أصلًا.
83. للوهلة الأولى قد يظنّ أحدهم أنّ القوانين الرّادعة والصّارمة تشكل عائقًا لدى الذكر من القيام بالخطوة الأولى أو كما أسميتها سابقًا فعل active، لكن هذا الشيء يجعل من الأنثى تبالغ في إبراز مفاتنها لدفع الرّجل إلى تحدي الخطر والتوجّه إليها، وبالتالي هذا الحل سيدخلنا في حلقة مفرغة.
84. تعقيبًا على النقطة السابقة وكدليل آخر على ازدواجيّة المعايير، تجد نفس الأنثى التي تريد معاقبة أحدهم على خطوته الأولى تجاهها هي نفسها التي تريد آخر -وتحديدًا من تراه كفء لها- أن يبادر تِجاهها، ولو لم يفعلها لوصفته بالشّاذّ.
85. في هذا السّياق، انتشر مقال يتكلّم عن تذمّر الإناث في كندا من هذا الشيء واصفين الذّكور "بالمخصيين"
"Canadian men have no balls"
ومقال آخر على elitedaily بعنوان:
"Why Women Need To Start Asking Men Out… Because Men Have No Balls"
راجع الصّورة المرفقة.
86. وبالطّبع هذا الشيء بإمكانك رؤيته على السوشال ميديا على شاكلة ردود بعض الإناث على الرّجال المخالفين لهم بالرّأي بجمل غريبة مثل "روح اشتري قضيب"، وبتشوف الكثير من هاي الردود مؤخّرًا على شكل اتّهام للرّجل بذكورته.
87. من المُلاحظ أيضًا وبغضّ النظر عن أيّ مرجعيّة دينيّة أو محافظة أنّ بعض النساء عند ارتباطهنّ يتخلّين عن إبراز المفاتن بعض الشّيء، وبعضهنّ الآخر لا. هذا الشيء بالإمكان فهمه عند طرح موضوع الثّقة المتبادلة بين طرفي العلاقة.
88. الثقة بين الطرفين من أهم ما يمكن الحديث عنه، فغالبًا المرأة التي تشعر أن شريكها قد يتخلى عنها ببساطة أو أن باستطاعته الحصول على من هي أفضل منها نتيجة شدّة الطلب عليه يتشكّل عندها نوع من انعدام الثقة تِجاهه، وبالتّالي ستحاول ضمان عدم خروجها من المنافسة وترفض ترك إبراز مفاتنها.
89. عند الحديث عن هذا الموضوع وأيّ موضوع يُعنى بالأسرة دائمًا ما أحبّ مشاركة النصّ المرفق بالصّورة هنا لفارج فيكرنس.
90. الخيار كاملًا لك، واختيارك لأيّ سبيل تسلكه أو فكر تتبعه أيضًا عائد إليك وحدك، لكن حاول ألّا ينتهي بك الحال بعد أن تنقضي سنين عمرك كحال إحداهنّ التي تكلّمت عن نفسها هنا. لا تؤجّل ندمك حتّى الوقت الذي لن ينفعك به الندم.
91. وبرأيي لا يمكن إنهاء موضوع التحرّش أبدًا، فمحدّداته كثيرة تختلف باختلاف عشرات العوامل، وكِلا الجنسين ليس لديهم استعداد حقيقي للرّجوع للمنظومة القديمة التي جرّمت كلّ من التحرّش والإغراء على حدّ سواء ووضعت أسس سليمة للتعامل بين الجنسين وبناء العلاقة بينهم.
92. أخيرًا، اُترك عالمك المثالي الطّوباوي الملائكي وتعال عِش معنا على الأرض بشكل واقعي. الوضع الحالي وصل مرحلة ما فوق طبيعية من ترامي الاتهامات والشتائم بين كِلا الجنسين، وبلغ مرحلة متقدمة من الفوضى، فتكيفوا معها، ومن كان لديه حل مناسب "وقابل للتطبيق" فليتفضل مشكورًا :)

جاري تحميل الاقتراحات...