على مدى هذه السنوات، استمرت الأصوات في الظهور وسمعتها عدة مرات وكانت بمثابة "أوامر إلهية" أوكلت جان بمهمة مقدسة لتحقيق نبوءة تقول إن "فرنسا التي أضاعتها امرأة* ستسترجعها عذراء".
*إيزابو البافارية (أم الملك شارل السابع)
*إيزابو البافارية (أم الملك شارل السابع)
استطاعت جان دارك الوصول إلى الملك لإقناعه بمهمتها ولكنه كان مترددًا ويساوره الشك نحو هذه الفتاة التي تدعي أنها مرسلة من الله لتحقيق النبوءة. ولذا، أمر بإرسالها إلى مدينة بواتييه ليفحصها مجموعة خبراء دينيين وقضاة ومنظرين ويحققوا معها للتثبت من كلامها، والتأكد من أنها ليست مجنونة.
بعد التأكد من عدم جنونها، أمر الملك بإخضاعها لتدريبات عسكرية، وأمر بنشر دعاية ترويجية لها في المدن والقرى التابعة له لإبلاغ الشعب أن جان دارك مرسلة من الله لتحرير فرنسا.
كان رهان شارل السابع متهورًا، لأن هذه الفتاة غير معروفة وليس لها أمجاد سابقة. ولكن بالنظر إلى الأوضاع الميؤس منها، فليس لديه شيء ليخسره. ولذا، أمر بتجهيز جيش قوامه ٤٠٠٠ رجل معها لتحرير أورليان المحاصرة.
أرسلت جان دارك للإنجليز تحذرهم وتهددهم برسالة متغطرسة قالت فيها: "يا ملك إنجلترا، أعد مفاتيح المدن الفرنسية التي استوليت عليها إلى العذراء مبعوثة الرب. وإن لم تفعل فأنا قائدة الجيش وأينما أجد جنودك سأطردهم، فإن لم يطيعوني قتلتهم جميعًا".
صدم هذا الانتصار الساحق أعداء مملكة فرنسا في باريس (المحتلة وقتها)، واستغل الملك نصر جان دارك لصالحه لبث دعاية تخدمه.
بعد أن أُنجزت المهمة الأولى بنجاح، تبقى تحقيق النبوءة الأهم: ألا وهي تتويج شارل السابع رسميًا في مدينة رانس (الخاضعة لحكم العدو) لكي يصبح ملكا شرعيًا على فرنسا. وبدأت جان دارك تحاول إقناع الملك بتتويجه.
اقتنع الملك أخيرًا بعدما أيقن أن ملكه وشرعيته تعتمد على تتويجه رسميًا في كاتدرائية رانس كما هو الحال مع جميع ملوك فرنسا السابقين.
وفي اليوم التالي لدخولهم إلى المدينة، توّج الملك شارل السابع رسميًا، في لحظة تعد من أهم الأحداث في تاريخ #فرنسا، لحظة حاسمة حافظت على العرش الملكي. حققت جان دارك أخيرًا النبوءة، وقادت هذه الفلاحة الشابة ملك فرنسا للتويج وهي بعمر ١٧ عامًا فقط.
أرادت جان دارك مواصلة مجدها العظيم، وتتويجه بتحرير #باريس والظفر ببيعة أهلها للملك شارل السابع. ولكن هيهات، فباريس ليست مثل أورليان. فكانت محصنة تحصينًا شديدًا يستحيل اختراقه. كما أن الملك لم يكن متحمسًا بقدر جان دارك لشن هذه المعركة.
بعد حصار دام بضعة أيام، أصيبت خلاله جان دارك في فخذها، فضلًا عن الخسائر التي تلقاها الجيش، أمر الملك جيشه بالانسحاب.
أثر هذا الفشل كثيرًا في جان دارك، لا سيما وأن الملك لم يعد يرغب بمسايرتها وبدأ يبتعد عنها.
أثر هذا الفشل كثيرًا في جان دارك، لا سيما وأن الملك لم يعد يرغب بمسايرتها وبدأ يبتعد عنها.
كأي مقاتل عظيم، لم يهدأ لجان دارك بال وهي ترى مدنًا محاصرة دون أن تهب لنصرتهم. وهكذا خرجت جان دارك لنصرة أهالي مدينة كومبيين المحاصرين من قبل القوات البورغندية المتحالفة مع الإنجليز.
كانت جان دارك مقتنعة بأن الملك شارل السابع، الذي لولاها لما توّج على العرش، سوف يفاوض البورغنديين لفك أسرها. ولكن الملك ظل صامتًا حيال ذلك ولم يتحرك أبدًا في سبيل تحريرها. نعم، لم يعد الملك مؤمنًا بها.
وبعد أسرها لمدة ستة أشهر، باع البورغنديون جان دارك للإنجليز مقابل مبلغ ١٠ آلاف جنيه وأُرسلت إلى مدينة روان شمال فرنسا. وهناك بدأت محاكمتها الشهيرة والظالمة التي ثبتت بها جان دارك، وتعاملت معها بذكاء.
في سؤالها عن الأصوات، رفضت جان رفضًا تامًا الكشف عن "الوحي" الذي نزل إليها من السماء، وأصرت أنها - بأمر من الله - لن تحكي عن الأصوات التي سمعتها إلا لمليكها شارل السابع فقط.
لقد كانوا يتوقعون لقاء فتاة وديعة، ولكنهم صُدموا بجرأتها وتمسكها بحجتها.
لقد كانوا يتوقعون لقاء فتاة وديعة، ولكنهم صُدموا بجرأتها وتمسكها بحجتها.
- فاصل -
"لا أعلم إن كان الله يحب الإنجليز أم يمقتهم. ولكنني على يقين بأنهم سيُطردون خارج #فرنسا، باستثناء أولئك الذين سيهلكون على أرضها".
جان دارك
١٥ مارس ١٤٣١
قمة العجرفة والجرأة والشجاعة اجتمعت في هذه الفتاة (١٩ عامًا) وهي في موقف ضعف أثناء محاكمتها.
"لا أعلم إن كان الله يحب الإنجليز أم يمقتهم. ولكنني على يقين بأنهم سيُطردون خارج #فرنسا، باستثناء أولئك الذين سيهلكون على أرضها".
جان دارك
١٥ مارس ١٤٣١
قمة العجرفة والجرأة والشجاعة اجتمعت في هذه الفتاة (١٩ عامًا) وهي في موقف ضعف أثناء محاكمتها.
سألها القضاة سؤالًا مفخخًا: هل تعلمين إن كنتِ بنعمة من الله؟ إن قالت نعم فقد أدانت نفسها بالهرطقة لأنه في المسيحية لا أحد يعلم يقينًا إن كان نعمة من الله. وإن أجابت بلا، فقد اعترفت بالذنب...
أجابت جان دارك إجابة تنم عن ذكاء حاد وفطنة بالغة أذهلت بها كل من حضر المحاكمة. وقالت: "إن لم أكن، فلعل الله يجعلني كذلك. وإن كنت كذلك، فلعل الله يحفظني".
وأخيرًا، جمع القاضي الناس في إحدى المقابر في مشهد مهيب، وعرض أمامها المحرقة وكان بصدد النطق بالحكم عليها إن لم تتراجع عن زعمها.
هنا انهارت الفتاة الصغيرة أمام هذا المشهد المهيب، ووافقت على "التوبة والتراجع" مقابل الحكم عليها بالسجن.
هنا انهارت الفتاة الصغيرة أمام هذا المشهد المهيب، ووافقت على "التوبة والتراجع" مقابل الحكم عليها بالسجن.
سُجنت جان دارك وأعطيت ملابسًا نسائية قبلت للمرة الأولى أن ترتديها بدلا من لباسها العسكري الرجالي.
وبعد أربعة أيام، دخل عليها القضاة زنزانتها ووجدوها عادت ترتدي ملابس الرجال...
وبعد أربعة أيام، دخل عليها القضاة زنزانتها ووجدوها عادت ترتدي ملابس الرجال...
والأسوأ من ذلك، سألوها إن كانت ما زالت تؤمن بما كانت تؤمن به. وأجابت بأن الأصوات عادت إليها ليلة دخولها للسجن ووبختها على خيانتها. هنا أجمع القضاة والمستشارين أنها عادت للهرطقة.
بعد إعدامها، جمعت رفات جان وألقيت في نهر السين - الذي يمر وسط مدينة روان - حتى لا يستعيد جثتها أحد من أنصارها أو يقدسها أحد فيما بعد.
وبعد تنفيذ الحكم بأسابيع، كتب هنري السادس، ملك إنجلترا وفرنسا، لجميع ملوك أوروبا ونبلائها رسائل مطولة أعلن فيها أن "العرافة المخادعة قد تلقت عقوبتها"، بل وصل به الأمر أنه قال: "لقد اعترفت بأكاذيبها قبل أن تموت".
وبعد ٢٥ عامًا من ذلك، أعيدت محاكمتها بطلب من أمها ومن البابا كاليستوس الثالث، وألغي الحكم الذي اتهمها بالسحر والهرطقة.
حول الملك شارل السابع عائلتها إلى عائلة نبيلة وأعطاهم لقب (D’arc).
حول الملك شارل السابع عائلتها إلى عائلة نبيلة وأعطاهم لقب (D’arc).
جاري تحميل الاقتراحات...