🇸🇦 عبدالله بن عبدالعزيز
🇸🇦 عبدالله بن عبدالعزيز

@AbdelSaeedFr

41 تغريدة 102 قراءة Apr 19, 2020
جان دارك "عذراء أورليان"، الفلاحة الصغيرة ومرسولة الرب التي نزل عليها "وحي سماوي" وسمعت أصواتًا روحانية تدعوها لتحرير مملكة فرنسا من الإنجليز خلال حرب المئة عام، ورمز الشجاعة التي يفخر بها الفرنسيون، حيث قادت الجيوش الفرنسية قبل أن تعدم حرقًا وهي حية بعمر ١٩ عامًا.
ولدت جان دارك في قرية صغيرة لعائلة فلاحة ميسورة الحال عام ١٤١٢، في ذروة حرب المئة عام، وفي وقت كان شمال فرنسا فيه محتلًا وتعاني من حرب أهلية مع البورغنديين المتحالفين مع الإنجليز.
كانت جان دارك وبالرغم من صغر سنها مسيحية متدينة، وكثيرة الصلاة وارتياد الكنيسة، وكانت تواضب على الاعتراف والتوبة في كنيسة قريتها.
ذات يوم وهي في الثالثة عشر من عمرها، وبينما كانت تتجول في بستان والدها، تغيرت حياتها إلى الأبد. سمعت جان دارك أصواتًا روحانية توكل إليها مهامًا عظيمة.
دب في قلب جان الرعب من هول ما سمعت، وأبقت على ذلك سرًا على مدى ٤ سنوات.
على مدى هذه السنوات، استمرت الأصوات في الظهور وسمعتها عدة مرات وكانت بمثابة "أوامر إلهية" أوكلت جان بمهمة مقدسة لتحقيق نبوءة تقول إن "فرنسا التي أضاعتها امرأة* ستسترجعها عذراء".
*إيزابو البافارية (أم الملك شارل السابع)
وصلت الأصوات إلى ذروتها عام ١٤٢٨، وكانت تحث جان دارك على إنقاذ فرنسا، وتتويج شارل السابع ملكًا لفرنسا في كاتدرائية مدينة رانس المحتلة في ذلك الوقت، وهي المكان التقليدي لتتويج ملوك فرنسا.
بعد أن اقتنعت أن الله اصطفاها لتحرير فرنسا، قررت جان دارك الخروج للقاء الملك غير المتوج شارل السابع وإخباره بالنبوءة والأصوات التي تسمعها وأن تطلب منه جنودًا تقودهم لتحرير مدينة أورليان من حصار الإنجليز، حيث كانت المدينة تلفظ أنفاسها الأخيرة.
استطاعت جان دارك الوصول إلى الملك لإقناعه بمهمتها ولكنه كان مترددًا ويساوره الشك نحو هذه الفتاة التي تدعي أنها مرسلة من الله لتحقيق النبوءة. ولذا، أمر بإرسالها إلى مدينة بواتييه ليفحصها مجموعة خبراء دينيين وقضاة ومنظرين ويحققوا معها للتثبت من كلامها، والتأكد من أنها ليست مجنونة.
بعد التأكد من عدم جنونها، أمر الملك بإخضاعها لتدريبات عسكرية، وأمر بنشر دعاية ترويجية لها في المدن والقرى التابعة له لإبلاغ الشعب أن جان دارك مرسلة من الله لتحرير فرنسا.
كان رهان شارل السابع متهورًا، لأن هذه الفتاة غير معروفة وليس لها أمجاد سابقة. ولكن بالنظر إلى الأوضاع الميؤس منها، فليس لديه شيء ليخسره. ولذا، أمر بتجهيز جيش قوامه ٤٠٠٠ رجل معها لتحرير أورليان المحاصرة.
أرسلت جان دارك للإنجليز تحذرهم وتهددهم برسالة متغطرسة قالت فيها: "يا ملك إنجلترا، أعد مفاتيح المدن الفرنسية التي استوليت عليها إلى العذراء مبعوثة الرب. وإن لم تفعل فأنا قائدة الجيش وأينما أجد جنودك سأطردهم، فإن لم يطيعوني قتلتهم جميعًا".
بعد أن ارتفعت معنويات الجيش بالإيمان واليقين بها، استطاعت جان دارك وجيشها هزيمة الإنجليز وفض الحصار عن أورليان، وحققت بذلك وعدها الذي قطعته للملك. وهكذا، عم خبرها أرجاء البلاد ووصل للقاصي والداني وآمن الجميع بأنها هي فعلًا "مرسولة الرب" التي بعثها لتحرير فرنسا ونصرة مليكها.
- فاصل -
المنزل الذي سكنت فيه جان دارك خلال فترة مكوثها في أورليان لتحريرها من حصار الإنجليز.
*من تصويري أثناء زيارتي للمدينة خصيصًا لهذا الغرض
صدم هذا الانتصار الساحق أعداء مملكة فرنسا في باريس (المحتلة وقتها)، واستغل الملك نصر جان دارك لصالحه لبث دعاية تخدمه.
بعد أن أُنجزت المهمة الأولى بنجاح، تبقى تحقيق النبوءة الأهم: ألا وهي تتويج شارل السابع رسميًا في مدينة رانس (الخاضعة لحكم العدو) لكي يصبح ملكا شرعيًا على فرنسا. وبدأت جان دارك تحاول إقناع الملك بتتويجه.
اقتنع الملك أخيرًا بعدما أيقن أن ملكه وشرعيته تعتمد على تتويجه رسميًا في كاتدرائية رانس كما هو الحال مع جميع ملوك فرنسا السابقين.
شق جيشها طريقه نحو رانس فاتحًا المدينة تلو الأخرى في طريقه ومنها: أوكسير، وتروا وغيرها من القرى الخاضعة لسيطرة الإنجليز، أو سيطرة البورغنديين الممتدة حتى مقاطعة شامبانيا، حيث سلّمت الواحدة تلو الأخرى. إلى أن دخل جيش الملك بقيادة جان دارك إلى مدينة رانس مساء يوم ١٦ يوليو ١٤٢٩.
وفي اليوم التالي لدخولهم إلى المدينة، توّج الملك شارل السابع رسميًا، في لحظة تعد من أهم الأحداث في تاريخ #فرنسا، لحظة حاسمة حافظت على العرش الملكي. حققت جان دارك أخيرًا النبوءة، وقادت هذه الفلاحة الشابة ملك فرنسا للتويج وهي بعمر ١٧ عامًا فقط.
أرادت جان دارك مواصلة مجدها العظيم، وتتويجه بتحرير #باريس والظفر ببيعة أهلها للملك شارل السابع. ولكن هيهات، فباريس ليست مثل أورليان. فكانت محصنة تحصينًا شديدًا يستحيل اختراقه. كما أن الملك لم يكن متحمسًا بقدر جان دارك لشن هذه المعركة.
بعد حصار دام بضعة أيام، أصيبت خلاله جان دارك في فخذها، فضلًا عن الخسائر التي تلقاها الجيش، أمر الملك جيشه بالانسحاب.
أثر هذا الفشل كثيرًا في جان دارك، لا سيما وأن الملك لم يعد يرغب بمسايرتها وبدأ يبتعد عنها.
- فاصل -
فوائد من تحليل رسالة لجان دارك:
• تهجئة اسم (Jeanne) في القرون الوسطى كانت لا تزال متأثرة باللاتينية وتكتب (Jehanne).
• الفلاحون لم يكن لهم اسم عائلة.
• كانت تتكلم بلهجة جرمانية وهذا ما يظهر من خطأ الكاتب الذي تلقنه شفويًا في كلمة (Joyeux) وكتبها (Choyeux).
كأي مقاتل عظيم، لم يهدأ لجان دارك بال وهي ترى مدنًا محاصرة دون أن تهب لنصرتهم. وهكذا خرجت جان دارك لنصرة أهالي مدينة كومبيين المحاصرين من قبل القوات البورغندية المتحالفة مع الإنجليز.
وصلت قوات جان دارك إلى كومبيين وبدأ القتال مع البورغنديين ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان: وقعت جان دارك أسيرة بيد البورغنديين.
كانت جان دارك مقتنعة بأن الملك شارل السابع، الذي لولاها لما توّج على العرش، سوف يفاوض البورغنديين لفك أسرها. ولكن الملك ظل صامتًا حيال ذلك ولم يتحرك أبدًا في سبيل تحريرها. نعم، لم يعد الملك مؤمنًا بها.
وبعد أسرها لمدة ستة أشهر، باع البورغنديون جان دارك للإنجليز مقابل مبلغ ١٠ آلاف جنيه وأُرسلت إلى مدينة روان شمال فرنسا. وهناك بدأت محاكمتها الشهيرة والظالمة التي ثبتت بها جان دارك، وتعاملت معها بذكاء.
أراد الإنجليز تشويه صورة الملك شارل السابع عبر تقويض أداته الدينية المتمثلة بجان دارك. ولذا فقد وصمت بأنها ساحرة وزنديقة وليست سوى أداة للشيطان لا مرسولة من الرب.
ولهذا السبب أيضًا، تمت محاكمتها محاكمة دينية.
في محاكمتها، وقفت جان دارك وحيدة أمام قاضيين وعدد من مستشاريهما. جميعهم كانوا يحاولون استخراج الكلام منها وإيقاعها في الفخ. عرفت جان دارك أن أي زلة لسان أو أي كلمة غير محسوبة قد تقودها إلى الهلاك.
في سؤالها عن الأصوات، رفضت جان رفضًا تامًا الكشف عن "الوحي" الذي نزل إليها من السماء، وأصرت أنها - بأمر من الله - لن تحكي عن الأصوات التي سمعتها إلا لمليكها شارل السابع فقط.
لقد كانوا يتوقعون لقاء فتاة وديعة، ولكنهم صُدموا بجرأتها وتمسكها بحجتها.
- فاصل -
"لا أعلم إن كان الله يحب الإنجليز أم يمقتهم. ولكنني على يقين بأنهم سيُطردون خارج #فرنسا، باستثناء أولئك الذين سيهلكون على أرضها".
جان دارك
١٥ مارس ١٤٣١
قمة العجرفة والجرأة والشجاعة اجتمعت في هذه الفتاة (١٩ عامًا) وهي في موقف ضعف أثناء محاكمتها.
سألها القضاة سؤالًا مفخخًا: هل تعلمين إن كنتِ بنعمة من الله؟ إن قالت نعم فقد أدانت نفسها بالهرطقة لأنه في المسيحية لا أحد يعلم يقينًا إن كان نعمة من الله. وإن أجابت بلا، فقد اعترفت بالذنب...
أجابت جان دارك إجابة تنم عن ذكاء حاد وفطنة بالغة أذهلت بها كل من حضر المحاكمة. وقالت: "إن لم أكن، فلعل الله يجعلني كذلك. وإن كنت كذلك، فلعل الله يحفظني".
كانت جان دارك مفعمة بالإيمان لدرجة أن تهديدها بالتعذيب لم يجدِ نفعًا.
"لن أقول إلا ما قلته مسبقًا حتى وإن كنت تحت التعذيب".
استبعد القضاة حل التعذيب بعد أن أيقنوا أنه لا طائل منه.
وأخيرًا، جمع القاضي الناس في إحدى المقابر في مشهد مهيب، وعرض أمامها المحرقة وكان بصدد النطق بالحكم عليها إن لم تتراجع عن زعمها.
هنا انهارت الفتاة الصغيرة أمام هذا المشهد المهيب، ووافقت على "التوبة والتراجع" مقابل الحكم عليها بالسجن.
سُجنت جان دارك وأعطيت ملابسًا نسائية قبلت للمرة الأولى أن ترتديها بدلا من لباسها العسكري الرجالي.
وبعد أربعة أيام، دخل عليها القضاة زنزانتها ووجدوها عادت ترتدي ملابس الرجال...
والأسوأ من ذلك، سألوها إن كانت ما زالت تؤمن بما كانت تؤمن به. وأجابت بأن الأصوات عادت إليها ليلة دخولها للسجن ووبختها على خيانتها. هنا أجمع القضاة والمستشارين أنها عادت للهرطقة.
في صباح ٣٠ مايو ١٤٣١، اقتيدت جان دارك إلى ساحة (فيو مارشيه) وسط مدينة روان، وربطت على منصة خشبية وجمع حولها أكوام من الحطب وأوقدت النيران من تحتها لتموت حرقًا وهي حية أمام أعين المتفرجين وأعين ٨٠٠ جندي إنجليزي.
بعد إعدامها، جمعت رفات جان وألقيت في نهر السين - الذي يمر وسط مدينة روان - حتى لا يستعيد جثتها أحد من أنصارها أو يقدسها أحد فيما بعد.
وبعد تنفيذ الحكم بأسابيع، كتب هنري السادس، ملك إنجلترا وفرنسا، لجميع ملوك أوروبا ونبلائها رسائل مطولة أعلن فيها أن "العرافة المخادعة قد تلقت عقوبتها"، بل وصل به الأمر أنه قال: "لقد اعترفت بأكاذيبها قبل أن تموت".
وبعد ٢٥ عامًا من ذلك، أعيدت محاكمتها بطلب من أمها ومن البابا كاليستوس الثالث، وألغي الحكم الذي اتهمها بالسحر والهرطقة.
حول الملك شارل السابع عائلتها إلى عائلة نبيلة وأعطاهم لقب (D’arc).
في عام ١٩٠٩، أعلنت الكنيسة الكاثوليكية عن تطويب جان دارك، تمهيدًا لإعلانها قديسة. وفي عام ١٩٢٠، أعلنت جان دارك قديسةً رسميًا.
وفي عام ١٩٧٩، بنيت كنيسة القديسة جان دارك في نفس الساحة التي أعدمت فيها قبل حوالي ٦٠٠ سنة في مدينة روان.
- انتهى -

جاري تحميل الاقتراحات...