Khalid AlAttas
Khalid AlAttas

@kaattas

78 تغريدة 184 قراءة May 07, 2020
أحبتي نبدأ التغريد من كتاب
"التاريخ و المؤرخون"
للدكتور حسين مؤنس
دراسة في علم التاريخ
و مدخل إلى فقه التاريخ
أطيب الأمنيات ب قراءة ممتعة و متابعة فيها الفائدة
يحب العربي ان يقرأ التاريخ التماساً للحكمة و مطالعة أسفار التاريخ طلباً للموعظة
و لكن العربي كان اقل الناس اعتباراً بالتاريخ
إنه يقرأ التاريخ ليلتمس الحكمة فينسى التاريخ و الحكمة جميعا
معاوية بن أبي سفيان كان يقرأ عليه تاريخ الفرس ولكن ما من خطأ وقع فيه الأكاسرة إلا وقع هو فيه
وهارون الرشيد قرأ تاريخ الأمويين ولم يعجبه أن عبدالملك بن مروان أوصى لأولاده الأربعة بالخلافة من بعده ومع ذلك أوصى لأولاده الثلاثة بالترتيب فكانت حرب الأمين والمأمون وتضعضع ملك بني العباس
فأين الاعتبار بالتاريخ و الاتعاظ بما وقع فيه
و السبب في ذلك أن العربي لم يقرأ شيئا خارج القران و السنة و علوم الدين قراءة جد وباحتفال
إنما القراءة كلها تسلية و إزجاء فراغ و لا يكاد يدع الكتاب حتى ينساه و ينسى ما فيه
و لكن امماً اخرى عرفت فضل التاريخ بأكثر مما عرفه العرب فأخذوه مأخذ الجد احترموه و درسوه و دققوا فيه و حققوا و حاولوا ان يكتشفوا قوانين و قواعد تحكم مساره و مجراه
التاريخ ينفع في العظة والعبرة فنحن ندرس تواريخ الدول و الملوك لنتعلم
و ندرس سير الأنبياء لنتأسى بهم
و ندرس تجارب الامم و نرى ماوقعت فيه من أخطاء لننجو بأنفسنا عن المزلات و مواطن الضرر و لهذا نجد ابن خلدون يسمي تاريخه الكبير "كتاب العبر"
الملوك في الماضي اكثر الناس مطالعة للتاريخ ولم يتعظ منهم احد بما قرأ
وكل الظلمة في تاريخنا مشغوفين بالتاريخ فأين فائدتهم من ذلك؟
يحدث السخاوي عن شغف سلاطين المماليك وأمرائهم بالتاريخ وهم أجهل الناس بالسياسة والحكم واقلهم معرفة بتجارب الأمم وأكثرهم عدوانا
فأين استفادتهم مما قرأوه
التاريخ هو دراسة الحوادث والحادث هو كل ما يطرأ من تغير في الكون متصلا بحياة البشر وسواء كانت الحوادث صغيرة ام كبيرة محسوسة ام غير محسوسة قصيرة الأمد ام طويلته فان الجامع بينهما هو ان الحال قبلها يختلف عنه بعد وقوعها
فالعبرة في الحوادث التي هي مادة التاريخ ان تعني تغير في الأحوال
فاذا كان نهر الماء يتكون من شيئين الماء و المجرى فان نهر التاريخ يتكون من عنصرين البشر و الزمان و يضاف إليهما عنصر ثالث وهو المكان
سنوات الحرب تكون في الغالب سنوات إسراع في الاختراع و الابتكار لان ظروف الخطر و رغبة الجماعات في النصر و التخلص من الأخطار تشحذ القرائح الى ابعد حد
و من ادلة ذلك ان الاهتمام بالسيرة النبوية و شرحها وبتفاصيلها عندنا نشط جدا في القرنين السادس و السابع الهجريين لان توالي الأخطار على الأمة الإسلامية دفع المؤرخين المسلمين الي الارتداد الي سيرة النبي صلى الله عليه و سلم يلتمسون فيها الحل و المخرج و لتقوية الروح المعنوية
فظهرت كتب كثيرة مثل دلائل النبوة للبيهقي و الروض الأنف في شرح سيرة ابن هشام و الدرر في اختصار المغازي و السير لابن عبدالبر و الشفا في التعريف بحقوق المصطفى للقاضي عياض بن موسى و غيرها الكثير فقط خلال تلك الفترة العصيبة من تاريخ العالم الإسلامي
ومن الملاحظ ان اهتمام الغرب بدراسة التاريخ نبع الى حد ما
مع قيام القوميات و الدول الكبرى في اوروبا خلال القرنين الثامن عشر و التاسع عشر حين شعروا بالحاجة لمعرفة الماضي ربما ليستنيروا به
من هنا يصدق القول بان للامه الواحده اكثر من تاريخ ولابد لكل عصر ان يكتب التاريخ من وجهة نظره
الوثائق هي مادة تسجيل التاريخ بينما الإنسان هو مادة التاريخ نفسها
وضع العرب الأولون قواعد محددة مقننة لنقد النصوص
ابتكروها لضبط الحديث النبوي ثم أصبحت قواعد عامة للضبط العلمي عند العرب
ولهذه القواعد يرجع ما تمتاز به الاصول العلمية العربية من دقة و ضبط وروح علمي جدير بالإعجاب
هل التاريخ علم أم فن؟
تم الاتفاق على ان التاريخ علم بمنهجه و فن بأسلوب عرضه
يتحدث علماء التاريخ في الغرب عن طفرة الدراسات التاريخية في العصر الحديث و يرجعون بهذه الطفرة الى النصف الاول من القرن التاسع عشر
في هذا الوقت بالتحديد بدأت دور المحفوظات الأوروبية بفتح أبوابها لأهل العلم و للمؤرخين على وجه الخصوص
فأخذوا ينقبون بإجتهاد كبير و يستخرجون كنوزها و ينشرونها على الناس فكانت هذه الثروة الضخمة حافزًا للكثيرين على الاتجاه نحو دراسة التاريخ على أساسها
يميل الكثير من المؤرخين الى اعتبار فولتير مؤسس العلم التأريخي بمفهومه الحالي في الغرب و هو يمثل القمة التي وصل اليها لون من ألوان الفكر الغربي نشأ في عصر النهضة
و من كُتّاب عصر النهضة أيضا نيقولو ميكيافيلي صاحب كتاب الأمير و فرانشيسكو جيشيارديني الذي كتب تاريخ إيطاليا
و ليوناردو بروني صاحب كتاب تاريخ فلورنسا الذي يعد من أحسن المؤلفات التاريخية التي خلفها عصر النهضة
ووسط ذلك الحماس للتاريخ و الاهتمام عند الغرب بجعله علماً محترماً
ظهر إدوارد جيبون في أواخر القرن الثامن عشر و الذي يعتبر من أعظم المؤرخين و أساتذة هذا العلم على مر العصور
حيث كتب كتابه الأشهر
تاريخ اضمحلال الدولة الرومانية و سقوطها
لقد عاش جيبون في صميم عصر الأنوار و عاصر فولتير و مونتسكيو و جان جاك روسو
في ذلك العصر ارتفع مقام المؤلفات التاريخية و اقبل عليها الناس
و لا يمكننا ان نترك عصر الأنوار و مؤرخيه دون الوقوف عند ادم سميث
ادم سميث الذي يعتبر مؤسس لعلم الإقتصاد بكتابه المشهور عن ثروة الأمم و هو كتاب تاريخ في صميمه و في طريقته
حيث كشف ادم سميث عن أهمية العامل الاقتصادي في بناء الدول و الجماعات حيث يعتبر هو صاحب الفضل الأول في ذلك قبل أن يأتي كارل ماركس بعد ذلك ليفيض في هذا الجانب
يؤخذ على مؤرخي القرن الثامن عشر قلة تنبههم لتطور الانسان ومجتمعه
فانسان عصرهم في نظرهم
مثل انسان العصور القديمة دون أدنى تطور في عواطفه و سلوكه
لذا يجمعون على سوء الظن بالناس وتصرفاتهم والسخرية من البشر وأعمالهم
لذلك لم يستطيعوا ان يصلوا بالتاريخ لمرتبة العلوم التي تدرس بالجامعات
يعتبر هيردر مؤسس المدرسة الألمانية في علم التأريخ حيث كان أديبًا و ناقدًا أدبيًا
و تقوم فلسفة التاريخ عند هيردر على القول بأننا لابد ان ندرس الماضي لنفهم مشاكل اليوم و الغد
ولقد شابه بذلك المؤرخ العربي الفذ ابن خلدون في تشبيه الجماعات الإنسانية بالمخلوقات الحية
يرجع الفضل إلى اعتبار التاريخ علماً قائماً بذاته له أصوله و قواعده و أقسامه في القرن التاسع عشر الى المؤرخ ليوبولد فون رانكه
و الذي تأثر بإتجاه هيردر نحو الإعتراف بالجانب الإنساني في التاريخ و قال بفكرة التطور العضوي للجماعات و بأهمية العامل الفردي في توجيه الأحداث
لكن ليوبولد فون رانكه
أنكر إستخدام التاريخ للعظة و العبرة و هو مذهب مؤرخي العرب و معظم مؤرخي القرن الثامن عشر في أوروبا
حيث كان يقول بأن التاريخ ينبغي أن يدرس لذاته
لا كوسيلة للتعليم و التهذيب و استنباط العبر منه
كان كتابه الأول المسمى
تواريخ الشعوب اللاتينية والجرمانية طراز جديد من التأليف التاريخي يقوم على الإعتماد على الأصول
لكنه لم يوفق فيما كتبه عن مواضيع تاريخية غير أوروبية
كمقاله عن النبي محمد عليه الصلاة والسلام فهو دليل على قلة علمه في ذلك المجال وعدم إدراكه حقيقة الإسلام ورسوله
و كذلك كان فهمه قليلًا عن الحركة الصناعية في أوروبا كلها و ما كان لها من نتائج و لم يكتب شيئاِ قيماً عن الولايات المتحدة الأمريكية
و لكن الذي أعطى رانكه مكانه الكبير في تاريخ علم التأريخ هو اهتمامه بالوثائق و المنهج الدقيق الذي وضعه لتنظيم تلك الوثائق و مراجعتها و دراستها
مهمة المؤرخ الأساسية عموماً
ليست الحكم على أحداث الماضي و إنما فهمه
و عند تحقق الفهم الصحيح للأحداث الماضية تنتهي مهمة المؤرخ كمؤرخ
فإذا تعدى مهمته و نصب نفسه قاضياً تعرض للخطأ
لذلك قيل عن رانكه ب إنه كولمبوس العلم التاريخي
و لا يمكن ان نغفل أيضاً عن ذكر نيبوهر في هذا المجال حيث كانت دراسته منهجاً غاية في الدقة و الإحكام
و لكن كان من أكبر ناقدي رانكه هو يعقوب بوركهارت حيث نفر من جمود رانكه و قضائه على الجانب الشاعري من التاريخ فقام بتأليف ثلاثة من احسن ما كُتب في التاريخ على المذهب الجديد
عصر قسنطين الكبير
وحضارة عصر النهضة في ايطاليا
وتاريخ النهضة في ايطاليا
وتأملات في التاريخ العالمي
حيث تجمع بين المنهج التاريخي الدقيق والاحساس الإنساني والجمالي
كتب بعده تلميذه ادم ميتز
كتاب نهضة الإسلام
حيث ترجمه د عبدالهادي ابو ريده ونشره باسم الحضارة الإسلامية في القرن الرابع
ظلت أفكار هيجل تسيطر بقوة على الفكر الأوروبي حتى تمكن الماديون من زحزحتها عن مكان الصدارة في عالم الفكر الأوروبي
يعتبر هيجل في جملة المثاليين الذين يقولون بأن الفكر أساس كل ما هو موجود و ان الأفكار و الآراء هي التي تسير التاريخ
فالنهضة الأوروبية قامت على أساس أفكار النابهين من أهل الغرب الأوروبي من نهايات القرن الثالث عشر فصاعداً
و الثورة الفرنسية عنده قامت بسبب آراء المفكرين الفرنسيين في عصر الأنوار
يقسم هيجل التاريخ إلى
تاريخ أصيل و تاريخ نظري
التاريخ الأصيل وهو ما يكتبه أهل العصر عن عصرهم سواء شاركوا في أحداثه أو شهدوها بأنفسهم
أما التاريخ النظري فهو ما كتبه المؤرخ عن غير عصره سواء برواية الأحداث دون التدخل فيها إلا بالترتيب الزمني أو أن يستخلص المؤرخ من الأحداث التي كتبها المعاني و المغازي و الحكم و العبر
ظهر كارل ماركس و هو ألماني من أصل يهودي في القرن التاسع عشر و ركز على العامل الإقتصادي الإجتماعي في تحريك التاريخ و صاغ منه نظرية متكاملة الأطراف
كان صحفي رأي وقد ظهرت آراءه في التفسير المادي للتاريخ في رسالة صغيرة بعنوان بؤس الفلسفة
كارل ماركس هو الذي نشر بيان الحزب الشيوعي وهي دعوة صريحة للعمال في العالم كله إلى الثورة وإنتزاع السلطة وإنشاء الدولة الاشتراكية أو الشيوعية
فكان داعية لإنقلاب سياسي إجتماعي كبير
واشتهر بالدفاع عن حرية المستضعفين و كان يرى في مساندة الإمبريالية الإنجليزية إضعافاً لروسيا القيصرية
كانت إنجلترا موئل اليهود و سندهم الأكبر قبل أن ينتقل مركز الثقل اليهودي بصورة نهائية إلى الولايات المتحدة الأمريكية
كان كارل ماركس صهيونياً و له كتاب لا يكاد يذكر إلا في النادر بعنوان "الدولة اليهودية"
وهو الأصل الذي استلهم منه
تيودور هرتسل كتابه الذي ألفه و حمل نفس الإسم
اشتهرت آراء ماركس على يد الثوريون الروس خصوصا لينين الذي وجد في كتابات ماركس مصدر لإلهامه وأساساً فكرياً للثورة الروسية الشاملة التي كان يدعو لها
الأوضاع المادية و أحوال الملكية وصراع الطبقات بعضها مع بعض هي العوامل التي تدفع حركة التاريخ كله وهذا ما يسمى بالتفسير المادي للتاريخ
يتجه الماركسيون في إثبات صحة نظرياتهم إلى إستخدام طراز خاص من الجدل يسمى بالجدلية المادية
و يقول هذا الجدل الماركسي
بأن كل التقدم التاريخي يتم عن طريق صراعات شاملة بين أسس قديمة و ظواهر جديدة للتنظيم الإجتماعي و هم يرون أن الصراع ينبغي أن يكون شاملاً و عنيفاً
و حيث ان الماركسيين لا يوافقون على الإصلاحات التدريجية التي لا تقضي على النظام القديم و تزيله من الوجود تماماً بل تكتفي بتحريره أو بمجرد تعديله
فإن الطريق الوحيد في وجهة نظر الماركسيين للتغيير الشامل عندهم هي الثورة الشاملة
و يرى الماركسيون أن كل مذهب من مذاهب التنظيم الإجتماعي تمثله طبقة معينة
فالنظام الاقطاعي يمثله الملوك
و الأشراف
والنظام الرأسمالي يمثله المقاولون وأصحاب الأعمال والسماسرة والوسطاء
والنظام الاشتراكي يمثله العمال
و لا توجد مصلحة مشتركة بين هذه الطبقات ومن ثم فهي لا تستطيع ان تتعايش
و الصراع بين هذه الطبقات حاسم فلا يتوقف حتى تموت الطبقة القديمة تماماً
و فرض ما يسمى بالحكم المطلق للطبقة العاملة أو دكتاتورية البروليتاريا
و يتضح بأن الماركسية سواء كمذهب في تفسير التاريخ أم في تغيير قواعد علم الإقتصاد مليئة بالمتناقضات و أوجه الضعف
حققت الماركسية نجاحاً لم تحققه أي فلسفة أخرى مماثلة ولقيت من كثير من الناس وشعوب الأرض إقبالاً فاق كل تصور
لأنها أظهرت إلى الوجود الأهمية الكاملة للعمل والعمال
لولا الإلحاد والإصرار على إنكار الأديان لكان للماركسية نجاح أكبر ولكن ذلك الإلحاد جزء لا يتجزأ من الآراء الماركسية نفسها
فهي ترى في الدين أساساً من أسس النظام القديم الذي يجب القضاء عليه
معظم الفضل في النجاح الذي حققته الماركسية يرجع إلى اعتناق الثوار الروس إياها و خاصة لينين
فهو الذي حول آراء ماركس إلى ثورة دموية حولت إمبراطورية من أضخم دول الارض إلى دولة شيوعية
و مركز لنشر الشيوعية في العالم
لولا لينين لما كان لماركس هذا الأثر كله في التاريخ
دخل لينين ميدان الصراع محملاً بالأحقاد والشوق للدماء
وقد اشتهر في حياته
قبل ثورة 1917
في روسيا بالعنف مع خصومه وسوء الأدب فلم يكتف بهزيمة خصومه بل لجأ إلى الإبادة
فأباد في سنوات حكمه القليلة التي لا تزيد عن خمس سنوات طبقات كاملة
و أغرق روسيا كلها في الدماء و بعد موته واصل سياسة الإبادة ستالين
و أساليب لينين هذه هي التي تسمى في مجموعها باللينينية الماركسية
الفكر الماركسي غير النظرة لتاريخ البشر تغيراً حاسماً حيث أخذت مسائل الاقتصاد و صراع الطبقات و الأجناس تحتل المكان الاول من إهتمام أهل التاريخ
أصبح العمل والعمال وصراع الطبقات ومستوى المعيشة وطموحات الجماهير
هي محاور التاريخ الرئيسية التي يدور حولها
انقلب علم التاريخ رأساً على عقب حيث أصبح الرجل العادي هو محور التاريخ وأسلوب حياته هي موضع إهتمام المؤرخين
وانتقلت قيادة التاريخ من الأبطال والملوك ومؤسسي الدول إلى الجماهير
أي أن علم التاريخ انتقل من عالم الثقافة الصرفة و الأدب إلى حياة الناس
وقد كان هيجل يحسب أن تطور البشر قد وصل في عصره الى أرفع درجاته و أن الحضارة قد وصلت ذروتها و أن النظم السياسية و الإجتماعية قد وصلت الى أقصى ما يمكن أن تصل إليه و لهذا فقد نسب إليه أنه قال
"عندي ينتهي التاريخ"
اعتبر الناس هيجل أعظم مفكر في التاريخ
أبيدت في البلاد الشيوعية الطبقة البرجوازية وأصبح المجتمع اشتراكي أو شيوعي
تغيرت الأوضاع السياسية في العالم بقيام عصر جديد وتطور علم التاريخ نفسه وأصبح محور إهتمام المؤرخين هو العدالة الإجتماعية والمساواة الفعلية بين الناس في الحقوق والواجبات
هيجل والمؤرخون المثاليون ظنوا بأنهم على قمة الفكر العالمي
فقال هيجل عندي ينتهي التاريخ
فرد عليه كارل ماركس
"عندك ينتهي تاريخ العلم
وعندنا يبدأ التاريخ"
والحق أن تاريخ البشر تأثر بالتحول الاشتراكي العظيم الذي شمل العالم كله حتى البلاد الرأسمالية مثل إنجلترا التي نشأ فيها حزب العمل
نجحت التجربة الشيوعية في روسيا والصين عن طريق إبادة مجتمعات كاملة وإحلال اخرى محلها
وليس بتغيير بنية المجتمع
إن خير الإنسان بين العنف العسكري والاستبداد والحرمان من الحريات وبين المجتمع الرأسمالي الأناني المستبد
سيختار أهون الشرين حتى تتيسر ظروف يجد فيها السعادة والرخاء والعدالة
مصطلح الاستابلشمنت او النظام القائم من مبتكرات المدرسة الماركسية
يراد بها كل العناصر المكونة للمجتمع اي الحكومات وأهل السلطان السياسي والجاه المالي والتفوق الفكري بالإضافة للعمال والفقراء ويدخل فيها ايضا الوسطاء واللصوص والقائمون على نواحي الرذيلة والمشتغلين بها من حرافيش وصعاليك
هاجم أدولف هتلر النظام السابق في ألمانيا الذي تشكل من اليهود والماسون (البنائين الأحرار) والشيوعيين وأعتبرهم جزء من الاستابلشمنت الفاسد او النظام الذي أتى للقضاء عليه
كان القضاء على هذه الجماعات مرحلة أساسية لإقامة هتلر لنظامه الجديد وهو الاشتراكي الوطني الذي يعرف بالنظام النازي
في أمريكا تدخل المافيا والجريمة المنظمة عناصر أساسية في النظام القائم ولها دور كبير فيه هناك
ولدراسة النظام القائم في كل عصر لابد من دراسة مكونات النظام سواء كانت فاضلة أو غير فاضلة أساسية أم ثانوية
والنظام أو الريجيم هو الصورة العامة الظاهرة للبناء الاجتماعي والسياسي في اي دولة
كان علم التاريخ سبب في أكبر حركة سياسية واجتماعية بعد الثورة الفرنسية وهي الثورة الماركسية وما كان لها من أصداء بعيدة في كل ناحية من نواحي الحياة في عالمنا المعاصر
وقد رأينا كيف أن كارل ماركس بدأ فيلسوفاً ولكنه إعتمد في انشاء فكره الاشتراكي على دراسة التاريخ
قال لانجلوا و زينوبوس إن التغير الحاسم في تاريخ العلم التاريخي تم حوالي سنة 1850م
عندما استقل التاريخ بنفسه و لم يعد فرعا من الأدب و قالا انه ليس من هدف التأليف في التاريخ جلب المتعة الى القارئ و إنما الهدف الحقيقي هو المعرفة الخالصة البسيطة للموضوع الذي يدرس
و في نهاية القرن التاسع عشر حفلت أوروبا بعدد من أعظم المؤرخين الذين افادوا من صراع سابقيهم في وضع التاريخ في مكانه بين العلوم ووضعوا مناهجه مثل تيودور مومسن و في إنجلترا وليام ستابز
و بيوري و جورج ماكورلي تريفليان و الذان يجمعان بين صفات المؤرخ و الفيلسوف
اتجه الإنجليز إلى الإقتصاد في تقدير التاريخ وحدوده ومكانته بين العلوم
بيننا نجد أن الألمان والفرنسيين ساروا في طريق العمل التأريخي المحكم الدقيق ومن المؤرخين الألمان العظماء فريدريخ ماينكه وهو من عظماء أعلام التاريخ على مذهب رانكه و بوركهارت حيث وجه اهتمامه لدراسة الأفكار وتطورها
و في فرنسا نقف عند إثنين لابد من ذكرهما في حديثنا عن بناء علم التاريخ الحديث
هما المؤرخ الحكيم إيرنست رينان
وقد كان لرينان أثر كبير في تاريخنا الفكري الحديث فقد ترسم خطاه طه حسين في الكثير مما كتب أيام كفاحه الاول الطويل في سبيل تحرير الفكر العربي
و في سياق كلامه عن الأديان قال في الإسلام كلمة جارحة تدل على انعدام فهمه للإسلام و قد بناها على ما رآه من تصرفات المسلمين و إساءتهم لبعضهم البعض و هي إساءات شوهت صورة الاسلام في نظر الكثيرين فنحن ننكر رأي رينان و لكننا لا نلوم إلا المسلمين
الفرنسي الثاني هو هنري فوستل دي كولانج الذي يعتبر مؤسس المنهج العلمي في دراسة التاريخ في فرنسا
ونختم بالمؤرخ البلجيكي هنري بئرين فهو عني بالناحية الاقتصادية لا كعامل محرك للتاريخ كما فعل ماركس بل كجزء من الإطار العام للحقائق التاريخية و هو أيضا أحسن من طبق ما يسمى بالتاريخ الكلي
التاريخ الكلي هو أن تدرس العصر الذي تريد من كل نواحيه سياسية و اجتماعية و اقتصادية و حضارية و تعطي عنه صورة كاملة
و من اجلاء أساتذة مدرسة التاريخ الكلي جورج ليفيفر الذي أطلق مقولته المشهورة
"لا وثائق ، لا تاريخ"
أعلام المؤرخين في القرن العشرين
كروتشي
كان مؤرخا وفيلسوف
شارك في سياسة إيطاليا قبل استيلاء موسوليني والفاشيين على الحكم
إشتهر بكتابه الكبير فلسفة الروح الذي قسمه إلى أربع مجلدات في علم الجمال والمنطق وفلسفة السلوك والرابع في نظرية التاريخ وتاريخه
كان يرى نفسه فيلسوفاً بمستوى هيجل
يقول كروتشي
لا تستطيع أن تؤرخ لعصر إن لم تلم بروح العصر ولن تستطيع أن تؤرخ لرجل إن لم تلم بظروف عصره كلها
هذه الروح التي يتحدث عنها كروتشي هي ما يعبر عنها كبار مؤرخي عصرنا ممن يؤرخون على مذهب التاريخ الشامل بجو العصر أو المناخ التاريخي
وهو أخر المذاهب التاريخية المعتمدة في عصرنا
كولونجوود
علامة إنجليزي إهتم بالتقريب بين الفلسفة والتاريخ
جمع آراءه في كتاب فكرة التاريخ
تحمس لقول كروتشي بأن التاريخ كله معاصر
توينبي
أشهر مؤرخ معاصر
له تأثير على الفكر الفلسفي التاريخي
وجه اهتمامه لما يسمى بما وراء التاريخ أي البحث عن القوى والعوامل والمناهج التي تسير التاريخ
أوجوست كونت
مفكر فرنسي معروف أنشأ ما يسمى بالإيجابية التاريخية أي التزام الدقة العلمية في كتابة التاريخ
فيكو
يرجع التصور الجديد للتاريخ العالمي لآرائه في قيام الدول وسقوطها
وذلك لعوامل بيولوجية ليحاكي ابن خلدون في تشبيه الدول والحضارات بالنباتات والحيوانات وأن لها أعمار ستمر فيه
يذكر ابن خلدون أن الأمم في صعودها تتطلع نفوس أهلها لعظائم الأمور و تستسهل الصعاب و في أيام هبوطها تسقط همم أهلها و تصعب عليهم الصغائر
و هذه لمحة عبقرية سماها المؤرخ الألماني فونت بإسم نفسية الشعوب
وتحدث عنها أيضا كارل لامبرخت في تأريخه للحضارات على أساس نفساني
وقد تناول هذه الفكرة أيضا و سار بها إلى مدى أبعد مؤرخ ألماني أصيل هو أوزفالد شبنجلر
الذي قال بأن كل حضارة تمر في مراحل عمرية تشبه مراحل أعمار البشر
أي مؤرخ ناجح لابد أن يكون متتبعاً لأحداث عصره في نفس الوقت الذي يدرس فيه ما مضى من الأحداث
لأن مادة التاريخ واحدة و هي الإنسان
فلا بد لمن يدرس حمورابي أو أخناتون أن يتتبع رجال عصره مثل غاندي ولينين وأتاتورك وروزفلت
وتلك هي ميزة نظرة المؤرخ الإنجليزي توينبي للتاريخ
فهو يدرسه على أنه تجربة واحدة تمت على مراحل أو دورات
فهو من أدخل التجربة الحضارية للهنود الحمر قبل الكشف الكولومبي فكانت دراسته إنسانية عامة
التاريخ الشامل أو الكلي
وتعني الدراسة الشاملة للفترة أو الظاهرة التي تدرس
أتباع هذا المنهج هم أبناء المدرسة الفرنسية التي عرفت بمدرسة الأنال أي الحوليات
حيث تعرض المشكلة بشمولية وهو مايسمى الرأي
ثم تدرس دراسة نقدية شاملة وهو ما يسمى بالرأي المضاد
ثم تصدر الخلاصة التحليلية المركزة
لا يطلب من المؤرخ بأن يكون قاضياً يحاكم الناس و الجماعات و إنما وظيفته أن يعد للناس ملفات قضاياهم التاريخية و يدعهم بعد ذلك يحكمون إذا شاءوا
عرف الباحثون في تاريخ الأفكار و في تاريخ الحضارات مئات الأمثلة التي تثبت أن مسار التقدم البشري يأخذ شكل تنمية و تطوير لمبدأ قديم
و أدرك الباحثون أن التصورات الأساسية التي نفهم بها عالمنا الحالي كانت موجودة من قبل و إن كنا قد نميناها و عقدناها
حيث عرفوا أن طريق العقل البشري لا يمثل انتقالًا من الظلام إلى النور و من الجهل إلى المعرفة و لا يسير في خط مستقيم كذلك الذي يقول به دعاة التقدم المستمر
المستويات العالية لدراسات علوم الدين من تفسير وحديث واستخراج أحكام تصل بأهلها لمرتبة يسمونها الفقه وهو الفهم
والفقيه هو العالم الفاهم الواسع الإدراك لما يدرس
تطور العلم جعل أهل الإدراك الواسع والنظر البعيد هم الفقهاء وكلامهم هو الفقه
فهناك فقه السنة وفقه عمر وفقه علي بن أبي طالب
و بعد فقه الفحول من أعلام الأمة و أجلاء الصحابة نجد أنفسنا أمام علم النوابغ الذين اجتمعت لهم حصيلة من الأحكام جعلتهم أصحاب مذاهب
و مذهب كل واحد منهم هو طريقته في الاستدلال و استخراج الأحكام من الأصول
مع حسن الإدراك لطبائع الناس و ما يشوبها من ضعف و أخطاء تعفيهم أحيانا من العقاب
الإمام مالك بن أنس يوصف بأنه صاحب الرأي و مذهبه هو مذهب الرأي
والإمام أبو حنيفة النعمان يجري مجراه في صدق النظر و الفطانة فهو يرفق بالناس حيث يتشدد مالك و هو يستحسن بعض ما ينكره صاحبه بسعة ذكاء و فهم و حسن إدراك بطبائع البشر
و الإمام الشافعي يختلف مع صاحبيه حيث يدعو للرجوع الى الأصول و من الأصول يشق طريقه مبتكرًا مذهبه القائم على أصول العلم و أصول الفقه
فهؤلاء الأئمة ليسوا فلاسفة تاريخ و لا حكماء تاريخ و إنما هم فقهاء تاريخ و ما يكتبونه هو فقه التاريخ
لذا فإن كتابات ابن خلدون و فيكو و بوسويه و شبنجلر و توينبي و هويتسنجا هي فقه التاريخ
و في هذه الأمة كثيرون من فقهاء التاريخ غير ابن خلدون ومحمد شفيق غربال
حيث يوصف عبدالرزاق السنهوري بأنه فقيه المشرعين وكتاباته تدخل في مجال فقه التشريع
اتسعت آفاق التاريخ و مطالب دراسته و مسئوليات المؤرخين
فلم يعد المؤرخ حارساً على تراث الماضي و لا سادناً لمعابده
و إنما هو عضو عامل في حياة الجماعة الانسانية يدرس أحوالها في ماضيها و حاضرها و مستقبلها
لا تنس أيها المؤرخ أن الحرية
حرية الفكر و القول و العمل هي أساس كل تقدم
و أن الأمان
أمان الناس على أنفسهم و أموالهم و عقائدهم و أهلهم و حريتهم أساس اضطراد التقدم
و تذكر أيها المؤرخ بأننا اليوم نعيش في عالم واحد فلا بد من إتقان لغة من تكتب عنهم و تؤرخ لهم
إتقان عدة لغات مختلفة لا شك يساعد المؤرخ على التعرض و التعرف للفكر العالمي
لأن اعتماد المؤرخ على لغته وحدها فقط يعد أمراً معيب
و تذكر دائماً بأن صدق المؤرخ و أمانته هي رأس ماله
فما قيمة تاريخ يكتبه المؤرخ و يكون فاقداً للمصداقية
تم بحمدالله الإنتهاء من كتاب
"التاريخ و المؤرخون"
للدكتور حسين مؤنس
دراسة في علم التاريخ
و مدخل إلى فقه التاريخ
أطيب الأمنيات ب قراءة ممتعة و متابعة فيها الفائدة

جاري تحميل الاقتراحات...