عبدالله السلوم
عبدالله السلوم

@alsalloumabdul

18 تغريدة 77 قراءة Apr 18, 2020
جميلة تلك الجبهات الاقتصادية، ويزدان جمالها متى ما كان المبتغى منها تحسين الفكرة، أو إصلاح المفهوم، لا التفنيد لمآرب منعدمة الجدوى.
لم أشاهد ندوة د. عبيد الوسمي في جمعية المحامين كاملة، ولكن شدني تعقيب أ. عبدالعزيز الهديب لبعض الجزئيات.
وآتيكم بهذه السلسلة لعلها تعم بالفائدة..
هنا، استنكَر الهديب رفض الدكتور لأي معالجات اقتصادية، وأن الأزمة الحالية ليست اقتصادية.
جاء تفنيد الهديب فيما يخص الشق الثاني بخسارة البورصة لربع قيمتها، وانخفاض أسعار النفط، والعجز المالي. أما للشق الأول فأشار للمعالجات الاقتصادية في دول أخرى.
الجدير بالذكر هنا هو استخدام أدلة في غير محلها، ولا شك في أن هذا الأمر يعي الاقتصاديون بانعدام منطقيته.
فجوهريا، ما تفضل به الوسمي لا غبار عليه. فهي أزمة صحية، نتج عنها تعثر تشغيلي بسبب الإجراءات الوقائية، أدى إلى تعثر اقتصادي.
هنا توضيح للمفهوم..
وبما أن المعضلة تشغيلية، فالمعالجات الاقتصادية لن تجدي نفعا مستداما ما لم تتزامن مع معالجات تشغيلية بحلول صحية تحد من الإجراءات الوقائية.
فالاستدلال بما تقوم به دولة ما من تقديم حزم اقتصادية، والأخذ به كحجة لإثبات جدوى الحزم الاقتصادية في الكويت، لهو أمر لا يقبله لبيب عاقل.
نعم، من الضروري دعم القطاع الخاص في الولايات المتحدة بشكل كبير، وفي المملكة العربية السعودية بشكل متدني نسبيا. لكن، هل ذلك يحتم مناسبته للكويت؟
ففي هذه الأزمة، لا تأتي الحزم الاقتصادية بهدف تحفيز الاقتصاد والنمو، بل لتعدي المرحلة بتوفير متطلبات المعيشة لأكبر قدر ممكن من السكان.
فما هي المفارقات بين تلك الدول والكويت؟ الجواب يأتي بهيكل الاقتصاد وآلية توزيع الثروة القومية.
الكويت ذات آلية هرمية، على عكس الدول المذكورة. بإيجاز، تبدأ بإيرادات نفطية، تمتد على شكل رواتب ودعومات، تصل إلى مناقصات واستهلاك بالقطاع الخاص.
وجزء صغير جدا من القطاع الخاص قائم بذاته تمويليا —معني بناتج الصادرات— هو ما يحتاج تلك الحزم الاقتصادية، ولكن ليس في الكويت، بل في دول قائمة عليه، ولا تقدم "دعم العمالة الوطنية"، في دول "تستقطع الضرائب السنوية" و "ضرائب الدخل" و "ضريبة البيع" أو "ضريبة القيمة المضافة".
فمن المنطقي أن نرى تلك الدول تقدم الحزم الاقتصادية في حين أن الكويت لا تقدمها. والسبب هو اختلاف الهيكل الاقتصادي وآليات توزيع الثروة.
فإنتاجية القطاع الخاص المعني بناتج الصادرات في الولايات المتحدة الأمريكية يشكل جزءا كبيرا من الاقتصاد الأمريكي، على عكس نظيره في الكويتي.
ودعمه في الولايات المتحدة لم يأت بدافع الربحية الاقتصادية بقدر ما هو بدافع استمرارية آلية توزيع الثروة في هيكل غير هرمي لتوفير المسكن والمأكل في ظل هذه الأزمة الصحية.
وهذا يشدنا إلى ما فنده الهديب بشأن دور القطاع الخاص..
نعم، القطاع الخاص بالبنوك يشكل نسبة عالية من إجمالي الناتج المحلي.
ولكن، علينا الإدراك بأن معيار تحفيز القطاع الخاص من عدمه لا يتمثل في دور القطاع الخاص في إجمالي الناتج المحلي ككل، بل يتمثل بدوره ووزنه بعاملين فقط، وهما "ناتج الصادرات" و "الاستثمار"..
فقط، فقط، فقط!
إجمالي الناتج المحلي = الاستهلاك + الاستثمار + مصروفات حكومية + ناتج الصادرات.
فهل هذا يعني بأن علينا دعم القطاعات المحفزة للاستهلاك؟ أو المعززة للمصروفات الحكومية؟ بالطبع لا! والسبب هو قيام تلك العوامل على آلية توزيع الثروة الهرمية سالفة الذكر.
فمتى ما كانت آليات توزيع الثروة مبنية على هيكل اقتصادي غير هرمي يشكل به القطاع الخاص جزءا كبيرا من إجمالي الناتج المحلي فقط بعاملي "الاستثمار" و "ناتج الصادرات"، فهنا وجب اعتبار الحزم الاقتصادية المتينة.
عدا ذلك، فتلك الحزم لن تحقق الجدوى المطلوبة.
نعم، البنوك تمثل شريان الاقتصادات غير الهرمية. أما في الهرمية —الكويت— فيمكن إغلاق بنك وافتتاح آخر دون أي تأثير اقتصادي حقيقي غير مفتعل.
وبالنسبة للوظائف، فـ "دعم العمالة الوطنية" و "الدعومات" وحدها دون الراتب كفيلة بتوفير الحياة الكريمة في هذه الأزمة.
نأتي الآن لجانب تبرير الهديب لسحوبات الاحتياطي العام..
أين التبرير؟ حسب الجدول، ١٨,٧ لم تسحب من الاحتياطي العام، بل ٣١٣ مليون. أما ١٨,٤ فهي ١٠٪ من إيرادات الميزانية.
مع ذلك، كيف يعد السحب بحجة سد العجوزات أو ذكر تلك الإخفاقات تبريرا؟
جاء ذكر الوسمي لتلك السحوبات لإثبات وجهة نظره في سوء الإدارة المالية لا أكثر، وذلك لإبراز وجهة نظره غير المختصة في مسألة قانون الدين العام. وهي وجهة نظر منطقية!
ولكن، رغم ذلك، فالسحب من احتياطي الأجيال القادمة لا يعد الحل الأمثل.
التعقيب..
دون الرجوع للندوة كاملة، ومن سلسلة الهديب، يمكنني الافتراض بأن الوسمي لم يتطرق في هذه الندوة لما يثير الريبة أكثر مما ذكر في تلك المقاطع القصيرة.
وعليه، نؤيد نسبيا "مضمون" ما قيل في تلك المقاطع.
وفيما يخص ما تفضل به الهديب فهو تفنيد لأخطاء مصطلحية دون اعتبار جوهر المفهوم.
على الصعيد الشخصي، وبالرغم من انعدام التأييد المطلق لكلا التوجهين، إلا أني أشيد باستطراد الوسمي في شرح الأوضاع بتسريح فكره خارج حدود الصندوق، بما "يضيف" للمحتوى جوهريا في مداه وأفقه.
وعلى الناحية الأخرى أرى أن الهديب — مشكورا— اجتهد بسلسلته فلم يوفق ولم يصيب بإضافة تذكر.
ختاما، أُهيب أيها السادة بأننا وفي ظل هذه الظروف، نركب مركبا واحدا، وتعصف بنا رياح واحدة، نحن اليوم في أمسّ الحاجة للموضوعية والإنصاف أكثر من أي وقت مضى.
عضدا بعضد، تعاونا لا تخاذلا..
انتهى.

جاري تحميل الاقتراحات...