كنا في الصف الثاني من (الثانوية) حين تجرأ زميلٌ لي وألقى بين يدي المعلم إحدى محاولاته الشعرية.. كان يلقي شعره بزهوٍ يطلّ من صوته ومن ملامح وجهه، لكن سرعان ما تحطم هذا الزهو على تعقيب المعلم:
"مالك في الشعر يا فلان، الشعر شيء وهالخرابيط شيء ثاني" !
ضحكنا وقتها. وضحك ضحكة كالبكاء!
"مالك في الشعر يا فلان، الشعر شيء وهالخرابيط شيء ثاني" !
ضحكنا وقتها. وضحك ضحكة كالبكاء!
وبعد أسابيع قدم الزميل للمعلم نفسه ورقة مطوية، كانت هذه المرة محاولة نثرية أدبية..
قرأ علينا المعلم جزءًا منها، وكان يرفع رأسه بعد كل جملة، يصحح له خطأ، أو يقلل من أسلوب، أو يسخر من صورة..
كان أقل حدة هذه المرة لكن الرسالة هي الرسالة:
"مالك في الأدب يافلان"
ويضحك ونضحك معه !
قرأ علينا المعلم جزءًا منها، وكان يرفع رأسه بعد كل جملة، يصحح له خطأ، أو يقلل من أسلوب، أو يسخر من صورة..
كان أقل حدة هذه المرة لكن الرسالة هي الرسالة:
"مالك في الأدب يافلان"
ويضحك ونضحك معه !
تجاوزنا الثانوية وأخذ كل واحد منا طريقه، ونسيتُ مع الأيام زميلي والمعلم والقصيدة..
وقبل أشهر قابلته صدفة، فاستعدتُ المشهد بتفاصيله قبل أن ننهي عناقنا، استحضر اسمي (بعد خمسة وعشرين عاماً) وضيعتُ اسمه، فدافعتُ الحرج بقولي: (أذكرك، وهل يُنسى الشاعر)؟
شاعر؟
نعم، بل أمير الشعراء !
وقبل أشهر قابلته صدفة، فاستعدتُ المشهد بتفاصيله قبل أن ننهي عناقنا، استحضر اسمي (بعد خمسة وعشرين عاماً) وضيعتُ اسمه، فدافعتُ الحرج بقولي: (أذكرك، وهل يُنسى الشاعر)؟
شاعر؟
نعم، بل أمير الشعراء !
اتفقنا على لقاء بعدها بأيام، واستدعينا فيه الموقفين.. فاجأني وهو يستحضرهما بكل مافيهما من تفاصيل صغيرة، وأدهشني وهو يمسرح لي رد المعلم بصوته وصورته حتى كأنه أمامي!
وتضاعفت دهشتي حين أسمعني أبياته، فبدت لي اليوم جيدة (بمقاييس طالبٍ في تلك المرحلة)، بل دالة على موهبة واعدة واعدة!
وتضاعفت دهشتي حين أسمعني أبياته، فبدت لي اليوم جيدة (بمقاييس طالبٍ في تلك المرحلة)، بل دالة على موهبة واعدة واعدة!
كشف لي تألمه وقتها مما حصل، وقاسمتُه الألم حين عبّر لي عن تأثر أمّه ليلة القصيدة، وعن محاولاتها البائسة لترميم ثقته بنفسه، وازددتُ ألماً حين علمت أنها هي من دفعته إلى عرض محاولته النثرية على المعلم نفسه.
ربما كانت على وعي بأن الكلمة القاسية لا تداوى إلا بكلمة لينة من الفم نفسه!
ربما كانت على وعي بأن الكلمة القاسية لا تداوى إلا بكلمة لينة من الفم نفسه!
قال لي:
"لم أجرؤ بعدها على عرض محاولاتي على أحد، وحين كبرتُ كبر الأثر معي، فصرت لا أجرؤ على الكتابة حتى لنفسي، وعوضتُ هذا الغياب بالقراءة الواسعة في الأدب.
وقال:
"أشعر بالثقة حين أُسْمِعُ الآخرين شيئاً من شعر نزار.. أتداوى بتفاعلهم معي، حتى كأنني أبحث عن زهوي بين كلماتهم"!
"لم أجرؤ بعدها على عرض محاولاتي على أحد، وحين كبرتُ كبر الأثر معي، فصرت لا أجرؤ على الكتابة حتى لنفسي، وعوضتُ هذا الغياب بالقراءة الواسعة في الأدب.
وقال:
"أشعر بالثقة حين أُسْمِعُ الآخرين شيئاً من شعر نزار.. أتداوى بتفاعلهم معي، حتى كأنني أبحث عن زهوي بين كلماتهم"!
فهمتُ بعد هذه السنوات سرّ غياب صوته وزهوه عن محاولته النثرية، وفهمتُ سرّ تقديمه الورقةَ مطوية لا مفتوحة..
كان يقاوم وحده الغرق ممسكاً بيد أمه، وبالبقية الباقية من ثقته بنفسه..
لكن كانت موجة المعلم أقوى، وكنا مع الفراغ منحازين لهذه الموجة الفارغة!
كان يقاوم وحده الغرق ممسكاً بيد أمه، وبالبقية الباقية من ثقته بنفسه..
لكن كانت موجة المعلم أقوى، وكنا مع الفراغ منحازين لهذه الموجة الفارغة!
واكتملت اللوحة البارحة، حين وقعتُ على حساب المعلم في تويتر، وراجعت طرفاً من تغريداته فوجدته على سيرته الأولى، يتفنن في تقزيم الآخرين، ويسابق نفسه في التقليل من مستوى مايقدمون، ولم يسلم من قسوة أحكامه شاعرٌ كبير، ولا روائي ولا فيلسوف!
معلمٌ قادمٌ من اللاشيء تماماً..
معلمٌ قادمٌ من اللاشيء تماماً..
أتته الفرصة لاكتشاف المواهب وصقلها فضيعها كما ضيع نفسه، وهاهو بعد ربع قرن في المكان ذاته.. لسان طويل وجيوب خالية! وليس في سيرته مايراهن عليه اليوم إلا طول عمره في التعليم، وكثرة طلابه!
أوقدتْ هذه الحادثة فيّ نارَ الأسئلة:
كم كسرنا من رغبة؟
وكم دمرنا من موهبة؟
وكما أعدمنا في قاعات الدرس من قدرات كان يمكن أن تهتزّ بنا اليوم وتربو؟
هامش:
والسؤال كجروح الكلام مدى!
كم كسرنا من رغبة؟
وكم دمرنا من موهبة؟
وكما أعدمنا في قاعات الدرس من قدرات كان يمكن أن تهتزّ بنا اليوم وتربو؟
هامش:
والسؤال كجروح الكلام مدى!
جاري تحميل الاقتراحات...