لو جاز لنا وصف الفترة الواقعة بين ٦ مارس يوم تكوين هذه اللجنة، و ١٥ أبريل يوم تربع على رأسها حميدتي، بأنها فترة الاستسلام التام المشوب بالفرح لكل مواقع النفوذ التي من الممكن أن تجد عبرها الثورة وقواها مساحة للعمل والحركة. هذا إذا استخدمنا اللسان العفيف.
نتخلى عن الذوق والكوميديا ونقول الحقيقة: فترة ٦ مارس - ١٥ أبريل هي مرحلة الخيانة. خيانة مكشوفة بلا حياء.
ومثل هذه الخيانات دائما ما يحاط بدخان كثيف من الأكاذيب والابتسامات. والأكاذيب ضرورية لإلهاء الثوريين بينما تسل السكاكين لذبحهم وذبح الثورة.
ومثل هذه الخيانات دائما ما يحاط بدخان كثيف من الأكاذيب والابتسامات. والأكاذيب ضرورية لإلهاء الثوريين بينما تسل السكاكين لذبحهم وذبح الثورة.
ماذا جرى منذ ٦ مارس؟ نعود للأضابير. رفض الشارع بقوة حزمة التقشف الذي عرضها البنك الدولي على لسان البدوي. كان مجلس الوزراء بقيادة حمدوك في تلك اللحظة بالفعل في أزمة، ولكنها ليست أزمة الندرة في السلع، بل أزمة عجزه عن قيادة الشارع الثوري في اتجاه قبول خطة البنك الدولي. ...
فهذا هو الدور الذي نذر نفسه له. كونت هذه اللجنة للبحث عن شيء كان أمام كل الوزراء عاريا : المال الذي يحتاجه الشعب عند شريكهم الآخر، عند الجنرالات العسكريين. كانت مهمة اللجنة واضحة بالنسبة لحمدوك وهي مسح بوت العساكر "لعله يرأف" ويلقي بالبعض من الفتات ليرقع الميزانية، ...
وهي مهمة مزج الزيت والماء ليكونا محلولا متحانسا. وين يا !. ولأغراض كسر التلج تم تعيين سعادتو حميدتي على رأسها. الثورة ما بتحنس، الثورة تجتاح. وكان من الطبيعي الرفض يجي من الشارع لهذه المهزلة، (حقنا كامل ما بنجامل).
وبتراجع حميدتي، لم يتوقف حمدوك عن محاولة التحنيس، تسنم بنفسه الرئاسة وأتي بمريم الصادق المهدي، التي تمثل هي ووالدها لسان حال أكثر الأقسام رجعية ويمينية وسط زمر كبار ضباط الجيش، ليواصل التحنيس للمرة الثانية. لم يأبه كبار الضباط لكل هذا، ما دام الأمر بالتحانيس فلا تهديد.
والجيوش لا تتحرك في غياب التهديدات. تجاهلوا كل هذا. ومريم لبسوها القفة، عرفت المقلب، استقالت. (حالة التردد و الوجل من اتخاذ قرار و السعي لتحسين الصورة أمام إعلام رقمي قوي و مؤثر عبر المواقع الاجتماعية؛ جعل أقوى مؤثر في صنع القرار السياسي مجموعات الإعلام الرقمي)
قالت في نص استقالتها المنشورة على الانترنت. هو تردد ووجل إذن! القرار معروف تقول مريم، ويعرفه حمدوك والبدوي، ولكنهم يخشون الفضيحة، لماذا التردد؟ تسأل مريم، ...
ويجيب الشارع : ندوسو دوس، وحمدوك يسمع، وهي تسمع، ولكنها تريد الحل الحاسم السريع، أو الدعم السريع بالأصح، وحمدوك ينصح بالتروي لعل الشارع يصمت قليلا ويعيد حميدتي إلى مقعده في رئاسة اللجنة. ٢١ مارس كان آخر يوم يسمع فيه عنها، وانطمرت سيرتها حتى أمس.
وهو إيه سعادته غير السعودية والإمارات والذهب؟. قدام! لم نحضر الاجتماع طبعا، ولكن يمكن تخيل حميدتي وهو يقول لكل هؤلاء الأفندية (يجب فك إحتكار الذهب. وهذا مورد لجميع أبناء الشعب السوداني، من يحتكر الذهب يلعب بقوت الشعب. نحن البلعب بقوت الشعب يمين تعب معانا، وهو الإحتكار أصلا حرام)،
ويأخذ رشفة ماء ويواصل (السعودية والإمارات أخواننا يا جماعة، ولو على التصحيح للمواقف أنا بصححها بكم بريء يمني، وإن شاء الله بيرضو. طيبين الجماعة ديل) والأفندية يهزون رؤسهم موافقين وأعينهم تترقرق بالدموع، وينظر كل واحد للآخر وهم يسرون في أنفسهم (الثورة كده انتصرت)!.
كان من المفترض أن تستمر اللجنة حسب جدول أعمالها الاول حتى انعقاد المؤتمر الاقتصادي، ٢٩ مارس. وكانت قوى الحرية والتغيير توهم الشارع أن الميزانية غير مجازة وأن المؤتمر الاقتصادي سيعدل كل شيء.
حتى ظهر دكتور آدم بريمة حريكة وصرح على سونا (ميزانية العام المالي 2020-2021 مجازة من قبل المجلس التشريعي ممثلا في مجلس الوزراء والمجلس السيادي مما يعني ان الحكومة لن تتاثر بعدم انعقاد المؤتمر الاقتصادي الذي اجل بسبب جائحة الكرونا.) فيم كان المؤتمر الاقتصادي أصلا؟
كان لمجرد إعطاء الضوء الأخضر للمواصلة في الميزانية المجازة أصلا، بخطة البنك الدولي، على لسان حمدوك والبدوي. يقول حريكة. أذاع السر يوم ٢٤ مارس بعد أن أعلنت حالة الطوارئ الصحية وأصبح التظاهر سلاحا غير قابل للإستعمال. نجحت إذن خطة حمدوك بالتمهل على حساب كلام مريم عن الجرأة.
وبدأ الهجوم هذه المرة بخطوات ثلاثة (حملة دعائية عنيفة لصالح سياسات البنك الدولي، إعلان حالة طوارئ دون تحديد مدة سريانها، رشوة عاملي قطاع الدولة بزيادة في سلسة الرواتب سرعان ما سيبتلعها التضخم).
حيث السلطة الإقتصادية تتمركز غالبية الحياة السياسية. ويفكر حمدوك أنه بدون خدمة السلطة الإقتصادية القائمة بالفعل بين يدي الضباط، لن تنجح الثورة. وكلما واجهته عقبات العجز عن إقناع الشارع الثوري إلتجأ إلى أصحاب السلطة الإقتصادية أكثر فأكثر، وأصبح تحت رحمتهم أكثر فأكثر، ...
وغاص بلا قعر في خراء العمالة. تحل جائحة الكورونا فلا يهب على تجار الدواء والعلاج فيضع الحقنة حيث يحتاجه المريض، بل ينظم مؤتمرات لتبرع المضاربين ذوي القلوب الرحيمة، يطلب شفقتهم على الشعب، ...
وينقص الخبز فيتفاوض مع أصحاب المخابز ويعطي محتكري الدقيق ضوءا أخضر للتلاعب بالإنتاج على حساب الجوعى، ويرفع سعر الخبز دون أن يزيد الضرائب على أرباح المحتكرين، ويطبع العملة ويرفع الأسعار ويقول (زدنا المواهي).
ولنتمكن من سبر قوة حمدوك في تمرير سياسة عجز عنها الفاشيون الإسلاميون سبع سنوات من سبتمبر ٢٠١٣م علينا لا أن نتفحص ملكاته الشخصية، أو مكنونات كلامه، بل الشروط الاجتماعية التي يشتغل ضمنها بالذات، لا خارجها.
فحمدوك يقتات من وهم الجماهير التي لازالت تؤمن بإمكانية تعايش الإحتكار الإقتصادي الذي يسيطر عليه الضباط الكبار في الجيش والمضاربون ورأسماليو التجارة، مع الديمقراطية والعيش الكريم. ومن رصيد الوهم هذا يغذي حمدوك حسابات شركات الجيش والدقيق بالدولارات لأنه يكسب لها الوقت، ...
ويقسم صفوف الجماهير الثورية بالخلافات المصطنعة، ويعطل إتفاقها على سؤال "ماهو العدو"، فتتشتت. ويستمر الاستغلال كما هو. ليس هنالك من هو أسعد من الإسلاميين بمثل هذه المعادلة، تلت أموالهم ولا كتلته، حكومة كهذه ستواصل الإقتراض، ...
وستأتي إليهم حابية متوسلة لأجل تأجيل ميعاد سداد شهادات شهامة القادمة التي حل أجلها، وهم الذين يسيطرون على الإصدار ويمتلكون منها ما يعادل تريليونات الجنيهات. لقد اكتشف الكيزان أخيرا وبفضل حمدوك أنهم ليسوا بحاجة إلى الحكم كي يقودوا البلاد عبر خنقها إقتصاديا.
اسمعوا الكوز أنس مصطفى يتبجح في اللايف وسيدرك أي طفل ذلك. وما قيمة الأموال التي يصادرها تكنوقراطيو لجنة التفكيك، أمام الأموال التي تلد أموالا؟ دون أن تتحرك شبرا وهي القروض؟ وهي التي لن ولم يتحدث عنها حمدوك على الإطلاق بل يتجنبه. والإشارة واضحة.
ننظر إلى لائحة الأشياء التي تخلى عنها حمدوك لضباط الجيش الأكابر. تخلى عن العلاقات الخارجية في قضيتي لقاء نتنياهو واحتلال مقر لوزارة الري بواسطة قوة من الجيش بأوامر مباشرة من برهان تلبية لطلب مصري، وصعد البرهان لهجة التعامل مع إثيوبيا لسبب لم يعلن عنه، ولم ينطق حمدوك.
وتخلى عن التفاوض مع مسلحي البلاد لحميدتي ويلعب التعايشي دور كابو ألتراس المشجعين، ولجنة التفكيك في يد الفريق ياسر العطا، وينوبه ود الفكي كصبي ميكانيكي يمد المفكات والمعلم ياسر يفكفك صواميل النظام القديم، والقضاء لم يزل في النظام القديم بالكامل تعيينات وبنية وأفرادا وقوانين، ...
واخر الأمور هو تسليم التحكم بحالة الطوارئ في يد وزير الداخلية الذي يعينه المجلس العسكري، ولا كمان يحاول بناء شرطة سياسية يسميها جهاز الأمن الداخلي ولازال ضباط البشير برتبهم كما هم آمنين من المحاكمات الثورية والبلاغات، تحت شعار "حماية الثورة"، ...
تحت رئاسة وزارة الداخلية التي يعين وزيرها البرهان، وهو ينتوي في حقيقة الأمر حماية الثورة، ولكن من تحقيق أهدافها. إذا أردنا استنتاج قانون تاريخي من كل، فسيكون أن من يحكم هو من يملك، وضباط الجيش والمضاربون يملكون البلاد بالبنك والشركات والسلاح، ولا تملكهم، ...
نفكر في حالتنا الراهنة،
مهربون مهمتهم منع التهريب، إسلاميون يحضون على الربا، ضباط جيش كبار يتآمرون ضد جنودهم، ويعدون النياشين لرجل مليشيا تبختر اليوم كأنه نابليون، قتلة يطالبون باحترام حقوق الإنسان، جوعى يجب إقناعهم أن بطونهم مملوءة بما لذ وطاب، أمنجية يزعزعون الأمن، ...
مهربون مهمتهم منع التهريب، إسلاميون يحضون على الربا، ضباط جيش كبار يتآمرون ضد جنودهم، ويعدون النياشين لرجل مليشيا تبختر اليوم كأنه نابليون، قتلة يطالبون باحترام حقوق الإنسان، جوعى يجب إقناعهم أن بطونهم مملوءة بما لذ وطاب، أمنجية يزعزعون الأمن، ...
ثوريون يخشون الإطاحة بأعداء الثورة كي لا يهب عليهم قوادو شكرا حمدوك، رجعيون يناضلون من أجل إسقاط حكومة رجعية، أفندية عملوا طوال أعمارهم في الحوكمة يطلبون حسم خلاف الإقتصاد بالسلاح، قوم صدعوا رؤوس الشعب بحكم أصحاب الكفاءات جعلوا أقلهم تأهيلا رئيسا عليهم، ...
تجار عملة أصحبوا محسنين طيبي القلوب، وزارات تنتظر الأوامر من القيادة العامة، ستة عنصرا في مجلس السيادة، سبعة عشر وزيرا، يزحفون الآن على بطونهم مستجدين في معسكر الضباط الكبار، ...
في وسط هذا التمثيل السخيف، وسط بحر الكذب، والتخوف، والهواجس، يقتحم شخص ما المشهد ويهتف #تسقط_ثالث. ويبدأ العمل لا على مشهد تمثيلي، بل على الحقيقة. ضد أول رئيس وزراء حول نفسه إلى عضو في تيراب الكوميديا.
كل السلطة والثروة للشعب!
كل السلطة والثروة للشعب!
جاري تحميل الاقتراحات...