ضيّ مبارك
ضيّ مبارك

@will_it0

30 تغريدة 143 قراءة Apr 17, 2020
بالبداية كان الفيروس عشوائياً نوعا ما، يصيب الكل ويقتل كبار السن ضعيفي المناعة، لكنه سرعان ما أنتظم وأظهر نسقاً معيناً .. كان يصيب الكل لكن يقتل الأكبر فالأقل منه في عمر البشرية إلى أن بقينا نحن الأطفال مادون العشرة معافون، يتامى، وحائرون بالأرض العتيقة .. ثريد
قبل سنة من تاريخ كتابتي لهذه المذكرات ظهرت دراسات عدة تتنبأ بهذا النسق لكنها ظهرت في وقت سئم الناس فيه الناس الأخبار .. ملوا خطابات الروؤساء، نصائح الأطباء، إعلانات الشركات -لمن تنبأ بسقوط الرأسمالية حظاً موفقاً- توصيات الاصدقاء، سئموا كل شيء
ظهرت لقاحات عدة في السوق، وتنافست الدول فيما بينها، كل دولة تروج للقاحها، ظهرت أيضاً أدوية شعبية، أدوية روحية، حتى أذكر أنني قرأت خبراً لشخص يدعي إن في لعابه أجساماً مضادة للفيروس وستتفاجأ كم باع منه، لكن الفيروس سريع التأقلم، يظهر بوسيلة دفاعية جديدة كل مرة
لم يصدق النسق أحد عدا أمي التي كانت أحد أفراد البحث العلمي، وعلى ذلك قررت تأهيلي لمواجهة الحياة من بعدها، علمتني خبز العجين، غلق الأبواب باحكام واستخدام البطاريات، علمتني كيف أتصرف كرجل عمره عشر سنوات بالرغم من حدة سعالها
بعد عدة أيام عرفت أمي أن لحظتها قد حانت وحتى لا أتورط في جثتها القت بنفسها من النافذة، ويبدو أن عمال التعقيم قد جرفوا جثتها سريعاً
كانت نهاية العالم بيئة خصبة لظهور العديد من الجماعات والطوائف، خذ مثلاً جماعة كانت تظن الخفاش وآكل الخفاش بريئون من التهمة وأن الفيروسات ما هم إلا المخلوقات الفضائية التي لطالما تمنينا زيارتها
من المضحك إننا نعرف التباين الكبير بين أحجام الكواكب وإذا صوّرنا زيارة المخلوقات الفضائية لنا صورناهم على أنهم مجموعة من المخلوقات التي لاتختلف كثيراً عن أشكالنا وأحجامنا عدا أن جلودهم خضراء
هنالك أيضاً جماعة نظريات المؤامرة الذين يعتقدون بإن الفيروس صناعة أمريكية للقضاء على البشرية الحالية وإطلاق النسخة الجديدة المعدلة جينياً، القادرة على أعمار الكوكب
ثم توالت النظريات حول أوصاف البشر الجدد، منهم من يقول بأنهم يكتفون بساعة نوم واحدة باليوم وآخرون يقولون بأنهم قادرون العيش بدون اوكسجين وآخرون يقولون بإنهم ٨٠% آلة و٢٠% لحم وعظم
طائفة أخرى ظهرت وسمت نفسها بابناء الأرض، معظم أفرادها من النباتيون، عبدوا الفيروس نفسه يؤمنون بأن الخلاص الحقيقي هو خلاص الأرض مِنا، وكانوا يزرعون فوق كل قبر شجرة أملاً ان ينتقل وجوده الانساني الى الشجرة، لأنه على حد وصفهم "أن تكون شجرة، هذا هو الشكل الأمثل للوجود"
بعد شهرين من وفاة أمي قررت الخروج، ليست الوحدة ولا الجوع مادفعني للخروج ولا حتى معرفتي بأنني منيع ضد المرض، أظن أنني اشتقت للخروج فقط
يتبع الليلة ..
لطالما تخيلنا نهاية العالم أو ربما صورتها هوليوود على أنها فوضى عارمة، حرائق من يمينك وحطام المباني من يسارك، سرقات وعصابات لكن مارأيته كان العكس تماما، يبدو أننا أكسل من افتعال كل هذا الصخب، كما لو أن البشرية مرت بمراحل الحزن الخمسة إنكار غضب مساومة اكتئاب وأخيراً تقبلت وضعها
كيف كان شكل الحي عندما خرجت!؟ الحيّ تحول إلى غابة، بفضل جماعة "ابناء الأرض" الذين زرعوا شتلة في كل زاوية وقعت عليها ايديهم .. أو بالأحرى تحول إلى تحفة فنية اختلط فيها الاسمنت بالنبات
كانت نهاية العالم الذي شهدتها هادئة ووديعة كقط في عامه الثاني عشر
وبفضل شركة نوفارتيس التي استطاعت تصنيع أجهزة تنفس منزلية حديثة في سرعة قياسية استطيع القول بأن الجميع ماتوا في منازلهم .. على أسرتهم الدافئة برفقة عائلاتهم بهدوء .. تبدو ميتة هانئة، كأن أمنا الأرض بالرغم من كل فظائعنا نحوها قررت أن تنهينا بأقل الطرق إيلاما
مشيت على طول الشارع، وقد لايفاجئكم بأن أول مكان قررت زيارته هو الحديقة، كان المشهد سيريالياً بحق، حيوانات كثيرة سكنت المكان؛ قطط كلاب بغال قرود أعشاش الطيور، الاشجار المتسلقة تغطي الألعاب، الجو غائم ولطيف وكنت أنا وحدي، لأول مرة في حياتي العب بهذا الصخب
في الأسابيع اللاحقة التقيت بعدة أطفال، ٢١ طفلاً بالضبط، استطعنا العيش في أحد المنازل، توقف كل واحدٍ فينا على التصرف كطفل وتصرف على أنه ناج، مر ٢٦٠ يوماً على عيشنا معاً
قد تتساءلون كيف تدبرتم أمر الطعام! في الحقيقة فاض الطعام علينا .. بعد بدء إعلان الجائحة بفترة قليلة شركات كثيرة قررت دخول مجال تصنيع الأغذية تلبية للطلب العالي عليها لذلك لن تتفاجئ لو وجدت على الرف "كبسولات قوقل للشبع الفوري" "تويتر للوجبات المجمدة" "نودلز آبل ب٧٩٩ ريال فقط!!"
هذا بالإضافة إلى أن كل منزل في الحي يحتفظ بمخزون هائل من الاطعمة طويلة الأمد ... وفوق هذا كانت طائرات الدرون المبرمجة لاتزال تُسقط المزيد من الأطعمة على أسطح بعض المنازل، لذلك لم يكن الطعام مصدر قلق
الليلة ٢٧٠ من وفاة أمي، رغم أن الكهرباء انقطعت منذ مدة إلا أن هنالك شعاعاً غريباً يصلنا من السماء، بعض الاطفال فسرها على أنها رسائل حُب من أهاليهم بالسماء، لذلك لم نتوقف عن التلويح طوال الليل
اليوم ٢٧١ بعد وفاة أمي، رياح شديدة بالجو، غيمة سوداء ضخمة تغطي السماء وتحجب نور الشمس، يتدلى من الغيمة عدة كرات تهبط على الأرض بهدوء، بعد مدة قليلة يخرج من بطون الكرات مخلوقات ضخمة لكنها في ذات الوقت رشيقة، أظن أنني أعرفها لكن لاتزال الصورة مشوشة في عقلي
يصرخ أحد الأطفال "ديناااصور!" وفعلا هذا ماكان، ديناصوراً لكن بدون اسنانه المتوحشة وبيدين أطول مما رأيته في المجلات المصورة، ويبدو أن ذهولها لرأيتنا أحياء أكثر من ذهولنا نحن الأطفال لرؤيتها
تبيّن لاحقاً أن الديناصورات -الذكية!- لفقت قصة انقراضها بالكامل وغادرت الكوكب وحينما أصابها الحنين لكوكبها الأم وقررت العودة كان لابد لها من إفساح المجال ..
أما عن لماذا لم يؤثر فينا الفيروس نحن الأطفال، تبين أيضاً بأن الديناصور المسؤول عن ابتكار الفيروس ملزم بشروط أخلاقيات المهنة والتي تنص على عدم إيذاء أي طفل في أي حضارة متقدمة ام متخلفة
من كان يتخيل أن البشرية بادت لأن ديناصوراً ما في مجرة لعينة بعيدة أصابه الحنين ليلاً فقرر في صباح اليوم التالي العودة وعمل reset لكوكب الأرض ليعرّف ابناءه بمسقط رأسه وثقافته الأصلية
ماحدث بعد أن هبطوا على الأرض أننا تبادلنا النظرات فقط، لم يجروا معنا حديثاً ولا اتصالاً من اي نوع، اكتفوا بضغط بضعة أزرار على أجهزتهم الذكية ليعرفوا عددنا وأعمارنا وأماكن تواجدنا وعلى ذلك قرروا حشرنا في كرة أخرى من كراتهم
"هل قرأت قصيدة ستموت محزوناً لعبدالعزيز جويدة" هذا ماسألني أحد الديناصورات قبل مرافقتنا إلى كرة غريبة تبدو صغيرة من الخارج لكنها فسيحة وواسعة من الداخل، اتسعت لنا جميعاً .. آخر الأطفال الأحياء على الكوكب
اليوم ٢٧٣ اكتب من داخل الكرة المجهولة سأبلغ عامي الحادي عشر قريباً، إما أنني سألتقط العدوى قريباً أو سأموت فريسة لديناصور يستعرض طريقة صيده في الماضي لابناءه .. سنموت جميعاً يا أمي
النهاية ...

جاري تحميل الاقتراحات...