نقطة
نقطة

@ablid1

327 تغريدة 16 قراءة Aug 23, 2020
القدس والمسجد الأقصى عبر التاريخ
مع دراسة تحليليك لقصيتنا فلسطين
{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ }
هذه الأرض المباركة جعلها الله مسرى خير رسله وهي أرض الرسالات، وهي أرض المحشر، أخرج ابن ماجة عن ميمونة رضي الله عنها قالت: يانبي الله أفتنا في بيت المقدس؟ فقال: "أرض المحشر والمنشر". حديث حسن
وعن أبي الدرداء أن ﷺ قال "الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف بألف صلاة، والصلاك في بيت المقدس بخمسمائة صلاة". حديث حسن
وفي البخاري ومسلم قال ﷺ "لاتشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى".
وعن أبي ذر قال: قلت يارسول الله ﷺ : أي مسجد وضع على وجه الأرض أولاً؟ قال: "المسجد الحرام" قلت: ثم أي؟ قال: "بيت المقدس وبينهما أربعون سنة"
وهو مسرى الرسول ﷺ كما في الآية السابقة.
وقد عُرِج به ﷺ من بيت المقدس للسماء وفيها فُرِضت الصلاة خمسون وفيها قصة موسى عليه السلام عندما قال له يرجع ليطلب التخفيف، لذلك نرى أن قصة فرض الصلاة مرتبطة ببيت المقدس.
فكلما صليتَ تذكر مسرى نبينا الأسير
والأقصى الآن تحت حكم شرذمة من القردة يدعمهم النصارى البروستانت والصهيونية المسيحية لتحقيق نبوءات العهد القديم خصوصاً ما ذُكر بسِفر حزقيال، وهي:
١-عودة بني إسرائيل إلى فلسطين كما تعود الطير لأوكارها.
٢-عودة أورشليم إلى حكم بني إسرائيل وازدياد العمران فيها.
٣-بناء الهيكل.
وهم يسقطون هذا النبوءات على الوضع الحاضر رغم أنها تحققت بعد هدم نبوخذنصر الهيكل وأورشليم، وعودتهم بعهد قورش الفارسي، وبنائها، وهم يعتقدون اعتقاداً جازماً أن ملك اليهود المسيح( الدجال) لن يأتي إلا بتحقيق هذه النبوءات الثلاث، لذلك نجد دعمهم لعودة اليهود لفلسطين.
وقد كان لبريطانيا البروستانتية أكبر الأدوار بعودتهم، وتم بدخول جيش اللنبي إليها، بعدما كانت الشام تحت حكم العثمانيين التي حولها أصحاب الفكر القومي لدولة قومية مما دفع بردت الفعل تزداد لتصل لدى بعض العرب بقيادة الشريف حسين لثورة ضدهم، وتصديق وعد بريطانيا بالاستقلال
وبالدولة العربية مما أدى لضياع كل الأرض ومنها القدس التي صارت محتلة من بريطانيا التي حولتها لمشروع قيام دولة لليهود، وكان أول مندوب سامي لفلسطين هربرت صموئيل اليهودي.
والفكر الصليبي موجود لدى هؤلاء حتى وإن ادعو غير ذلك، فعندما دخل اللنبي قال "الآن انتهت الحروب الصليبية" وقال لصلاح الدين في قبره في دمشق "ها قد عندنا ياصلاح الدين" -وهو لم يعد إلا باستغلال الشقاق الذي حدث بين الأخوة- وهي ذات الكلمة التي قالها الفرنسي غورو بعد ثلاث سنوات
عندما دخل دمشق، وقيل إن كنائس أوربا دقت عندما دخلت بريطانيا القدس بما في ذلك ألمانيا عدوة بريطانيا.
ننتقل للتعريف بالقدس:
للقدس أسماء كثيرة، منها:
١-أورسالم: وهو أقدم أسمائها، وأور تعني: مدينة وسالم أو شالم أو شاليم، قيل: إله السلام عند الكنعانيين، وقد ذكرها الأكاديون الذين نزلوا العراق، وذُكِرت في لوحات (تل العمارنة) المكتشفة في سيوط بمصر، والتي ترجع لعهد الفرعون أمنوفيس
أمنحتب الثالث، ففي رسالة كتبها حيبا حاكم القدس من قِبل فرعون يطلب فيها مساندته بالعسكر لمواجهة غزوات البدو، وذُكِر في نقوش الحاكم الآشوري سنحاريب الذي ورد اسمها بأوروسليمو، وتحول الاسم بعد غزو الإسكندر المقدوني إلى هيروسوليما أو سوليما، واشتهرت باسم أورشليم،
وقد ذكرها الأعشى بلفظ أورو سَلِمْ:
وقد طُفت للمال آفاقه...دمشق فحمص فأورى سلم
٢-القدس: وهو اسم قديم جداً ذكره المؤرخ اليوناني هيرودوت المشهور لديهم بأبي التاريخ حيث ذكر مدينةً كبيرة في فلسطين سماها "قديتس"، وقد ذُكرت في سِفر أشعيا، ونحميا، وقد ظهر متأخراً عند المسلمين فقد كانت
تذكر باسم بيت المقدس، وقد قال ناصر خسرو في رحلته ٤٣٨هـ"وأهل الشام وأطرافها يسمون بيت المقدس "القدس".
وقد أُطلق على القدس لقب القدس الشريف، وذهب الأستاذ محمد حسن شراب أن أول من وصف القدس بالشريف هو يحيى بن سعيد الأنطاكي في كتابه "تاريخ الذيل" ألفه عام ٤٥٨هـ ثم ذكرهاابن بطوطةوغيره
٣- بيت المقدس: وقد ورد ذكر الاسم في حديث الإسراء وقال الإمام النووي (أما بيت المقدس، ففيه لغتان مشهورتان، إحداهما بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدال المخففة (المَقْدِس)، والثانية: بصم الميم وفتح القاف والدال المشددة (المُقَدِّس)).
وقال الواحدي: من شدد فمعناه المطّهر.
وقال الفارسي: المكان الذي جعل في الطهارة، وتطهيره إخلاؤه من الإصنام.
وقال الزجاج: المكان الذي يطهر من الذنوب.
٤-يبوس: ويبوس هي القبيلة العربية التي سكنت القدس وهم من الكنعانيين، وقيل هم أول سكانها وأنهم هم من بناها، وسموها أورسالم، وقد سكنوها لمدة طويلة حتى نجد
ذكرهم بسِفر يشوع(٦٣/١٥) "وأما اليبوسيون الساكنون في أورشليم فلم يقدر يهوذا على طردهم، فسكن اليبوسيون مع بني يهوذا في أورشليم إلى يومنا هذا". والمقصود بهذا اليوم أي حتى يوم مؤلف هذا السِفر المجهول.
وبقيت تسمى يبوس لفترة طويلة فقد جاء ذكرها في سِفر القضاة (١٩).
وعندما تمكن اليهود من دخولها لم يطردوا اليبوسيين كما ذكر في سِفر القضاة (الإصحاح ٢١:١٢): (وبنو بنيامين لم يطردوا اليبوسيين سكان أورشليم؛ فسكن اليبوسيون مع بني بنيامين في أورشليم إلى هذا اليوم).
٥-إليليا كاپيتولينا (إيلياء): عندما كانت ضمن دولة الرومان قام اليهود بعدة ثورات منها: ثورة بركوكبا (أب: ابن الكوكب؛ وهو شخص ادعى أنه المسيح المنتظر) وهاجم الرومان واحتل بعض المناطق لمدة خمس سنوات فأرسل الإمبراطور إيليوس هدريانُ جيشاً فقتله وأباد اليهود، ولم يترك بها أحداً منهم،
وجاء للهيكل وأقام عليه معبداً لحوپتير كبير آلهة الرومان ( وهو مقابل زيوس كبير الآلهة عند اليونان)، وغير اسم المدينة إلى إيلياء، أي: مدينة إيليوس نسبةً إليه، وأكمله باسم كاپيتولينا، أي: الكاپيتول، وهو اسم معبد جوپيتير الكبير.
قلت: ولا يزال اسم الكاپيتول يطلق على المبنى الكبير في واشنطن حيث يجتمع الكونغرس، وقد سموه بهذا الاسم على المعبد الضخم المقام على تل الكاپيتول في روما لكبير الآلهة.
النفس النصراني مازال مشتعل داخلهم حتى البعيد منهم فكيف بمركز النصرانية أوربا.
وقد مُنِع اليهود من دخول القدس وكان عقوبة من يدخلها الموت، ثم سمح لهم بالدخول ليوم واحد في السنة.
وقد اشتهر عند المسلمين هذا الاسم فقد ورد ذكره بصحيح البخاري، وكذلك في العهد الذي أعطاه الفاروق لأهل إيلياء.
٦-صهيون: (بكسر الصاد وسكون الهاء وفتح الياء) وهو جبل من جبال القدس، وقد أقام اليبوسيون أول حصن لهم عليه، ومن معانيه: الجبل أو الحصن.
لذلك لاتسموا اليهود بالصهاينة، وسموهم باليهود أو المحتل أو أي شيء يجيب أن نغير بعض مصطلحاتنا الخاطئة، والله أعلم.
*تحليلية لقضيتنا
******أكره الأخطاء الإملائية
٧-مصروث. ٨-بابوس. ٩-كورشيلا: ولعله مركب من اسم الحاكم الفارسي كورش (قورش) الذي أعاد اليهود بعد السبي البابلي وأمر بإعادة بناء القدس والهيكل، ومعنى إيل: إله.
١٠-كيركومش: مدينة كومش.
١١-قادس: اسم ساميٌ، يعني: القدس أو المقدس.
١٢- حور اشليم: أي:غار المتوحدين أو المتعبدين: حورا: مغارة ومنه بالعربية حراء، وشليم جمع شليو وهو المتعبد في لغة الكلدانيين.
أما جغرافية القدس: تقع على خط طول ٣٥ درجة و١٣ دقيقة شرقاً، وخط عرض ٣١ درجة و٥٢ دقيقة شمال خط الاستواء، وترتفع نحو ٧٥٠ متراً عن البحر، وهي تقع وسط فلسطين كالقلب لها، وشرقاً تقع أريحا وغور الأردن، والشمال رام الله ونابلس، والجنوب مدينة الخليل، والغرب اللد والرملة ثم يافا فالبحر.
وتبعد ٢٢ كيلو عن البحر الميت، و٥٢ عن المتوسط، و٨٨ عن عمان.
وجوها قاري، حار صيفاً إذ تصل الحرارة إلى ٣٠ وفوق، وتنخفض شتاءً لما تحت الصفر، ومطرها شتوي.
وليس في القدس أو ما حولها أي نهر، وإنما تحيط بها عيون، وقد تندفع بعض الجداول في وقت المطر،
وكانت تعتمد على تجمع مياه المطر في صهاريج وآبار أعدت لذلك.
وتقع على هضبة متوسطة الارتفاع تتراوح بين ٢١٣٠ و ٢٤٦٩ قدماً (حوالي٧٥٠ متراً)، وتتوزع لعدة مرتفعات وجبال أهمها:
١-جبل الزيتون: أو جبل الطور -وهو غير طور سيناء- ويقع جنوبي جبل المشارف وارتفاعه ٢٧١٠، ويطل على المنطقة الجنوبية الشرقية من القدس، ويواجه أسوار الحرم الشرقية، ويفصل بينهما وادٍ عميق ذو انحدار شديد هو وادي قدرون.
وفي أسفل الجبل توجد حديقة المعصرة (جتسماني) التي يعتقد النصارى أن عيسى عليه السلام صلى عندها وهو في النزع الأخير -بزعمهم-، وأعلاها مغارة التقى فيها بالحواريين قبل صعوده للسماء بزعمهم، وفي هذا الجبل دفن من المسلمين في الفتح العمري قبل الصلح،والفتح الأيوبي بعد ذلك بأكثر من ٥٠٠ سنة.
٢-جبل المشارف: سُمي بذلك لإشرافه على القدس، ويسمى أيضاً جبل المشهد، واسمه الروماني جبل سكوبس، ويقع شمال القدس، وارتفاعه ٢٨٤٠ قدماً، ويطل على المنطقة الشمالية المتصلة بمدينة رام الله، ويفصل بينه وبين جبل الزيتون من الشمال الشرقي منخفض عقبة الصوان.
٣-جبل النبي صموئيل: ويقع شمال غرب القدس، وارتفاعه ٢٩٢٠ قدماً، ويبعد ٥ أميال عن وسط القدس القديمة، ويشرف على المنحدرات الغربية والمنطقة الساحلية.
٤-جبل المكبر: يقع جنوب القدس، ومنه دخل عمر بن الخطاب لتسلم المدينة، ويقال إن عمر عندما علاه كبر فكبر المسلمون ومن هنا جاءت التسمية، وعلى جانب منه يوجد قبر الشيخ أحمد أبي العباس الملقب بأبي ثور-لم أجد ترجمته-؛لأنه كان يركب ثورا، وهو من المجاهدين مع صلاح الدين وتصل قمته ٢٦٢٣ قدماً.
٥-جبل العاصور: وهو "بعل حاصور" بمعنى "قرية البعل" حيث كانت عبادة البعل منتشرة هناك، وارتفاعه ٣٣٥٢ قدماً، ويقع بين قريتي جرير وسلواد.
٦-جبل بطن الهوا: وهو امتداد لجبل الزيتون في الزاوية الجنوبية الشرقية للقدس، ويفصلهما وادي سلوان الذي يتصل في هذه النقطة بوادي قدرون،
ويسميه اليهود الجبل الفاضح، ويزعمون كذباً أن سليمان عليه السلام أقام المعابد الوثنية لنسائه الأجنبيات كما في سِفر الملوك ١/١١-٨.
قتلهم الله من كفار.
أما الجبال الواقعة داخل سور المدينة أربعة:
١-جبل موريا: أو جبل الحرم المقدسي وهو قديم وورد في التوراة، ويقع شرقاً وفيه المسجد الأقصى.
٢-جبل بزيتا: وهو متصل بجبل الزيتون في الشمال الشرقي للمدينة بين باب الزاهرة وباب حِطة. كما أنه متصل بجبل موريا.
٣-جبل أكرا: يقع جنوب جبل موريا، ويفصله عن جبل صهيون وادٍ ضيق يعمل فيه أصحاب الجُبّن، فسمي وادي الجبّانة، وقد بنى انطوخيوس قلعة سامها أكرا فسمي الجبل بها.
٤-جبل صهيون: جنوب غرب القدس، وكانت عليه قلعة اليبوسيين وهو من أقدم، وربما أقدم أجزاء القدس؛ إذ هو أول بناء يبنيه اليبوسيون،
وصهيون تعني جبل أو تل بلغتهم، وقيل منه دخل داود عليه السلام القدس، فسمي جبل داود وهناك مقام يدعى مقام النبي داود، وبنى فيه صلاح الدين مسجداً باسم النبي داود يقال أنه موضع قبره -وهو ظن إذ حسب علمي لا يُعلم مكان قبر نبي سوى خاتمهم ﷺ -،
وتوجد كنسية مريم يزعم النصارى أنه موقع العشاء الأخير للمسيح عليه السلام .
وديان القدس:
ولها وديان عديدة تفصل بين جبالها ومرتفعاتها، أهمها:
١-وادي سُلْوان: وهو اسم النبع الموجود فيه، وينساب منه مجرى ماء بعد هطول المطر يسمى جيحون، ولا علاقة له بنهر جيحون.
وتقع عين أم الدرج في قرية سلوان.
وهذه العين نبع منخفض يخرج من الصخر في الشرق من تل الضهور،
وينزل إليها بواسطة درجات توصل لكهف طبيعي عند منتصف وادي هَنَّم (جهنم).
وقد شُبهت عين سلوان بزمزم، قال شيخ المعرة:
وبعين سلوان التي في قُدسها...طعم يوهم أنه من زمزم
٢-وادي جهنم: قيل أنه يحمل اسم قبيلة من قبائل بني إسرائيل تدعى هَنَّم، وكلمة وادي في لغات سامية متعددة هي كلمة (جي) فيقال جي هنَّم، فصارت جنهم.
وبما أنها وثنية فقد كانت تقدم ضحايا بشرية لإلهها "مولك"؛ حيث كانت تُذبح الضحية وتلقى في النار، فمن هنا جاء اسمها مناسباً لها،
ويمتد على طول جنوب القدس حتى الجنوب الشرقي من جبل صهيون، و من أسمائه: حقل الدماء، وادي النار، وادي ستي مريم، وادي سلوان.
ويعتقد أهل الكتاب أن عليه سيقام الصراط يوم القيامة.
وهناك من يجعله هو ووادي قدرون واحداً.
٣-وادي قدرون: اسم لجدول الماء الذي يجري عند سقوط المطر، وقد مر سابقاً أنه ووادي جهنم واحداً.
٤-وادي الربابة: ينحدر من باب الخليل في السور الغربي إلى بئر أيوب، ويفصل جبل صهيون عن تل أبي ثور، ويلتقي بوادي جهنم عند بئر أيوب، وهناك من يجعلهما وادياً واحداً.
٥-وادي تيروبيون: أو الجبّانة يفصل جبل صهيون عن غرب القدس، ويبدأ حيث ينتهي وادي سلوان.وقد مرّ عند ذكر جبل أكرا أنه مكان لصانعي الجبن.
وكانت ترمى به القمامة فسمي وادي القمامة، ويمتد من شمال غرب إلى جنوب شرق حيث يتصل بوادي سلوان.
٦-وادي الأرواح: وبه مدافن للموتى،ويقع غرب جبل صهيون.
وتعتبر القدس مدينة حصينة حيث أنها محاطة من جهاتها بالجبال والأودية ماعدا الشمال، لذا كل من هاجم القدس أتاها من الشمال، وكانت بدايتها حصن يبوس الذي بناه اليبوسيون الذي عُرف بجبل صهيون، ويُعرف الجبل الذي أُقيم عليه الحصن بأُوفل،ثم تحول الحصن ومبانيه إلى مدينة، وهي أقدم مباني القدس،
وقد تمكن اليبوسيون من حفر أحراض وأنفاق، ومنها نفق تحت الأرض في الصخر يصل مابين المدينة وعين أم الدرج.
سور مدينة القدس وأبوابها:
لقد بنى اليبوسيون سوراً منيعاً حول مدينتهم وكان كما قلنا أول أمره قلعة، وكلما كانت تتسع كان يُبنى حولها سور، وآخر من جدد سور القدس هو السلطان سليمان القانوني عام ٩٤٧ بطول ٤ كيلو، وله سبعة أبواب وبُنيت الأحياء على ثلاث مرتفعات، هي: جبل الزيتون شمال شرق،
وجبل موريا شرقاً، وجبل صهيون جنوب غرب، ويحيط السور بالمدينة كإحاطة السوار بالمعصم، ويبلغ ارفاعه ١٢ متراً، وهو لايزال على حاله لم يجدد منذ ٤ قرون ونصف.
وأبوابه: الساهرة (الزاهرة)، والعامود أو دمشق من الشمال، والخليل غرباً، والنبي داود والمغاربة جنوباً، والأسباط شرقاً،
والجديد أو عبدالحميد وفُتح بمناسبة زيارة إمبراطور ألمانيا -مناسبة لاتستحق حتى الذكر!- وهو آخر ما فُتح شمال غرب، وهناك ثامن مغلق ويسمى الذهبي شرقاً ويسمى أيضاً باب الرحمة، بالإضافة لأخرى هي: الواحد، والمثلث، والمزدوج.
وتنقسم القدس لقسمين:
١-القسم القديم: وهو المدينة التاريخية المحاطة بالسور الذي بناه القانوني، سكانه المسلمون.
٢-القسم الجديد: وهو خارج السور على قسمين شرقي وسكانه مسلمون، غربي وكان أغلب سكانه مسلمون حتى احتله اليهود، وفي حرب ٦٧ احتل اليهود الشرقي والجزء القديم من القدس،
وهدموا حي المغاربة الملاصق لحائط البراق، وقد قاموا بهدمه بعد إنذار أهله بمغادرته خلال ساعتين، وقد كانت ١٣٥ داراً، ووجد تحته بعض الجثث لأشخاص لم يتمكنوا من المغادرة في الوقت المحدد وهنّ عجائز، وبذلك دمروا حي كان مسكوناً منذ صلاح الدين وابنه الذي جعله وقفاً عليهم.
سكان القدس قبل ٦٧:
قام اليهود بطرد المسلمين من حي الشرف أو مما يسميه اليهود بـ(حي اليهود) وزادوا في مساحة هذا الحي وسرقوا ممتلكات أهله كما في كل مرة.
وازداد اليهود في الجزء الشرقي أيضاً التي لم يكن بها أي يهودي حتى حرب ٦٧، حتى بلغوا عام ٩٣ قرابة ١٥٣ ألفاً، وفي ذات الوقت كان
المسلون ١٥٠ ألفاً، وبهذا ولأول مرة في تاريخ القدس في الجهة الشرقية يزيد اليهود على المسلمين، كما سبق أن طبقوا ذلك في الجهة الغربية ٤٨.
والخطر يتزايد على المقدسيين الذين يواجهون الضغوط لطردهم؛ لأن اليهود يعملون على تطبيق مشروع القدس الكبرى بحيث يشمل القدس بجهتيه الشرقي والغربي
ومدن رام الله والبيرة وبيت جالا وبيت ساحور بالإضافة ٤٥ قرية تتبعها.
ولا ننسى إعلان القرد بن غوريون عندما قال: لا معنى للدولة بدون أورشليم ولا معنى لأورشليم بدون الهيكل.
قلت: نسخة للمناضل أبي مازن وباقي الرفاق معه.
أهم الآثار والمعالم الإسلامية في القدس:
في القدس أكثر من مئتي أثر إسلامي أهمها:
١-المسجد الأقصى: يطلق المسجد الأقصى على المسجد الموجود في القبلة وكل ما دار عليه السور "فإن هذا البناء الموجود في صدر المسجد وغيره، من قبة الصخرة والأروقة وغيرها محدثة والمراد بالأقصى ما عليه السور"
كما قال مجير الدين الحنبلي في كتاب الأنس الجليل.
وهو يشمل المسجد القبلي وقبة الصخرة ومسجد النساء والأروقة وجميع الساحات.
وقال -أي مجير الدين- إنه قاس المسجد فكان من الجنوب إلى الشمال فكان ٦٦٠ ذراعاً -بذراع البَنّاء بزمانه-، ومن الشرق للغرب ٤٠٦ ذراعاً كان هذا عام ٩٢٠.
وذكر محمد كرد علي مقاساته: طول الجهة الغربية ٤٩٠ متراً، وشرقاً ٤٧٤، وشمالاً ٣٢١، وجنوباً ٢٨٣، ويحيط بها سور بختلف ارتفاعه بين ٣٠و ٤٠ متراً.
وذكر الدباغ أن مساحته الكلية ١٤٠,٩٠٠ متراً مربعاً.
وقد صلى الفاروق بالمسجد القبلي بعد تنظيفه من القمامة التي كان يلقيها النصارى، وهو الذي
صلى فيه الأنبياء عليهم السلام، ولم يكن في موقع الأقصى بناء قائم، وكذلك الصخرة كانت مكشوفة، وبعد عمر بُني مسجد بسيط، ثم وسعه معاوية، حيث كان مربع الشكل يسع ٣٠٠٠ سخصاً، ثم قام عبدالملك ببنائه وبناء القبة وزاد ابنه الوليد عليها حتى صار تحفة.
ومن ضمن الأقصى الصخرة وقبتها: وقال مجير الدين أن تحتها من جهة القبلك مغارة يُنزل إليها بسلم، وهي مأنوسة ذات أبهة ورونق.
وقد تسربت كثير من الأخبار عنها لاتصح.
وقد زار الإمام الألباني قبة الصخرة وقال: " شددت الرحال للبيت المقدس عام ١٣٨٥/٥/٢٣ وزرت الصخرة للإطلاع فقط،
فإنه لا فضيلة لها شرعاً، خلافاً لزعم الجماهير من الناس، ومشايعة الحكومات لها، ورأيت مكتوباً على بابها من الداخل حديثاً فيه أن الصخرة من الجنة، ولم يخطر في بالي آنئذ أن أسجله عندي لدراسته، وإن كان يغلب على الظن أنه موضوع".
قلت: وحديث الإمام حول الصخرة وماينسب لها إذ يقال أن منها عُرج بالنبي ﷺإلى السماء وهذا لم يثبت عنه ﷺ ، وهذا لايعني أنها ليست جزءاً من المسجد الأقصى.
وكذلك يقال أنها متصلة بعرش الرحمن وأنها معلقة بين الأرض والسماء ومن تحتها تخرج جميع مياه الأرض وغيرها مما لا يصح.
وقال مجير الدين: "وبناء الصخرة مثمن -له ثمان أضلاع- يعلوه قبة خشبية، وله أربعة أبواب، وقد اهتم بها عبدالملك بن مروان وابنه الوليد كثيراً كما تذكر كتب التاريخ.
وقد تهدم عدة مرات.
المسجد القبلي: وهو الموجود في الجهة الجنوبية، ويروى أن به صلى النبي ﷺ بالأنبياء عليهم السلام وبه صلى عمر، والله أعلم.
وقد تعرض لزلزال عام ١٣٠ ولانشغال الدولة بالضطرابات لم يتم إصلاحه إلا بعدهم في عهد المنصور، ثم زلزال عام ١٤١ بعهد المهدي١٥٨ فجدده وأنفق عليه كثيراً،
ثم زلزال أيام المأمون ٢١٥ فجدده مع قبة الصخرة، وحدث غيرها.
وله أربع مآذن، هي: مئذنة باب المغاربة (المنارة الفخرية)، ومئذنة باب السلسلة (منارة الحكمة)، ومئذنة الغوانمة (منارة السرايا)، ومئذنة الأسباط.
ويتصل به في الزاوية الشرقية مسجد صغير يُعرف بمسجد عمر،
كما يتصل بغربية جامع النساء.
وكان به منبر نور الدين زنكي.
عندما تسلم الحاج أمين الحسيني مسؤولية المجلس الأعلى الإسلامي في فلسطين وجدوا الأقصى في حاجة للترميم فسافر وفد للعالم الإسلامي لجمع التبرعات، ثم وفد آخر برئاسته وتم جمع تبرعات ضخمة وتم ترميمه.
ومن آثار الأقصى: قبة السلسلة، وتقع شرق قبة الصخرة وبها صفان من الأعمدة، وكانت أولاً قبة الخزنة -لبيت المال- ثم جعلت مصلى.
وقد جددها الظاهر بيبرس.
وهناك قباب أخرى: قبة المعراج بجانب قبة الصخرة -لايعلم من أين عُرج بالنبي ﷺ منها أو من الصخرة ولم يثبت فيهما شيء-،
والقبة النحوية -لله أنتم أيها النحويون-، وقبة الشيخ الخليلي، وقبة الخضر، وموسى، وسليمان.
وكان يمد الحرم بالمياه ٢٧ بئراً قبل الاحتلال، وعدد من الأسبلة كسبيل قايتباي، وشعلان، وباب الحبش من عهد المماليك، وسبيل البديوي من عهد العثمانيين.
المدارس في القدس:
ولا وُجد مسجد إلا ووجدت عنده مدرسة، لذلك كان هناك العديد من المدارس بدأت قديماً، لكن كانت الدروس تقام في المساجد، وأما المدارس بشكل واضح لم تظهر إلا في عهد صلاح الدين، والمماليك، ومنها: المدرسة الأشرفية، والأفضلية، والأرغونية، والإبراهيمية، والأباصيرية،
والأسعردية، والأمينية، وغيرها مما يطول، إذ تفوق الخمسين.
الآثار النصرانية، أهمها:
وذكر آثار النصارى كونهم من سكان القدس ولحفظ ما هو حقهم حتى يرجع لهم بعد تحريرها من اليهود، ففي ٢٧٠ أثر منها ٢٠٠ إسلامي، و٥٩ نصراني، وهي قديمة، و١٤ يهودي ليست قديمة إذ أقدمها لا يتجاوز ٢٠٠ عاماً.
والآثار المسيحية في القدس كلها بنتها الملكة هيلانة، والدة قسطنطين -باني القسطنطينية- ويسمونها القديسة، وكانت تتخيل مكان صلب عيسى عليه السلام -حسب زعمهم، وقيامته والتقائه بالحواريين، إذ كانت تحدد الأماكن بناءً على رؤى ومنامات تظهر لها حسب زعمهم.
منها:
١-كنسية القمامة أو القيامة: حيث يزعمون أن في موضعها تم صلب عيسى عليه السلام في يوم الجمعة، ثم قام من قبره يوم الأحد ومن هنا جاء اسمها، وأول من شيدها الملكة هيلانة، وقد دمرها الفرس بالتعاون مع اليهود في عهد كسرى الثاني، وقد أحرقوا كل المعالم المسيحية في القدس،
وذكر الإدريسي ت٥٦٠ أنها كانت تسمى كنيسة القمامة، لأنها بنيت بموضع قمامة قبل دخول قسطنطين النصرانية؛ إذ كان اليهود جعلوا موضع الصلب قمامة نكاية بالنصارى، ثم وصفها، لكن نكتفي بهذه المعلومة منه، وقد سمعتها أيضاً من الشيخ عثمان الخميس، وهي أهم كنائسهم في العالم،
والمبنى الحالي عمره ١٥٠ فقط بعد أن شبّ بها حريق، وقد تعرضت لقصف من اليهود ٤٨، وسرقوا ممتلكاته عن احتلال القدس ٦٧.
قلت: هذا متوقع من محتل فعندما دخل عمر القدس، ثم أدركته الصلاة طلب منه بطريرك القدس أن يصلي فيها فرفض، حتى لا يتخذها أحداً من المسلمين ذريعةً، فيأخذها من أهلها،
وأيضاً الفرق بين ما فعله النصارى بالمسلمين عند احتلالهم القدس، وعندما استعادها صلاح الدين.
ومفاتيح هذه الكنيسة بيد عائلتين مسلمتين منذ قرون، فنتيجة لخلاف قام بين النصارى حول من يمتلك المفاتيح وقتالهم عليه جعلوه بيد أسرتين مسلمتين هما عائلة آل جودة وآل نسيبة، وإلى اليوم هم من
يفتحون الكنيسة كل صباح، ويغلقونها كل مساء، وبموجب ما هو معمول به، فإن عائلة جودة تحمل مفاتيح الكنيسة، بينما عائلة نسيبة لديها الحق في إغلاق وفتح الأبواب، وعلى هذا فإن فرداً معيناً من آل جودة يحمل المفاتيح يومياً، ويسلمها أمام الكنيسة لآخر من آل نسيبة، الذي يقوم بفتح وإغلاق الباب،
قبل أن يعيدها إلى حاملها من آل جودة.
وقد وصفها الرحالة ناصر خسرو (٤٣٨هـ) بأنها تسع ٨٠٠٠ رجل، ومزخرة ومزينة بالديباج الرومي والصور، ومزينة بطلاء من الذهب، وتحوي الآن الكثير من التحف والمجوهرات، وبها إنجيل قديم، وسيف بطرس الأكبر قيصر روسيا.
ومن الكنائس: الجلجلة، والمهد، والصعود.
٢-كنيسة الجشمانية: وتقع خارج سور القدس، بنتها هيلانة، ويزعمون أن المسيح قضى آخر أيامه متعبداً في هذا المكان، وبها ١٣ قبة ترمز لعيسى عليه السلام وللحواريين.
٣-كنيسة سانت ماريا: وهي حديثة أقامها الإمبراطور غليون الثاني عندما زار القدس، وقد أهداه الأرض عبدالحمد الثاني!، ويعتقدون
أن مريم عليها السلام قضت آخر أيامها في هذا المكان تبكي ابنها، ولذا يسمون المكان: بستان النياحة، احتلها اليهود وغيروا معالمها.
٤-مريم المجدلية: ويزعمون أن مريم جاءت لزيارة قبر عيسى عليهما السلام، فوجدته أمامها على جبل الزيتون حيث طلب منها أن تدعو الحواريين، فاجتمع بهم وأعطاهم
العشاء الأخير وصعد للسماء، بنتها العائلة الروسية الحاكمة قبل ١٣٠ عاماً لذلك طرازها روسي.
ننتهي من ذكر بعض الآثار لننقل شيئاً من التاريخ عنها:
الكنعانيون واليبوسيون في القدس:
يقال إنهم من العرب وهم من سكن القدس وبنوها كما مرّ ، ويرى الأستاذ كينون أن العموريين (الأموريين)، سكنوا شرق الأردن، والكنعانيين غربه، وكلتيهما من العرب.
وقد ذُكر في سِفر حزقيال : أن الرب خاطب أورشليم و ذُكر بأنها من أرض كنعان.
والأسماء التي تذكرها التوراة لسكان فلسطين: الكنعانيون، واليبوسيون، والفرزيين، والآموريين، والآراميين -وحسب علمي مازال هناك من يتحدث بالآرامية في معلولا ومناطق أخرى قليلة بسوريا- ،
وهم عرب، وقد سكن بعض الحثيين بها غير أنهم ليسوا عرباً.
قلت: وتذكر التوراة قصة لداود عليهم السلام مع قائد جيشه (أوريا الحثي)، وهي قصة منحطة قذرة لا تدل إلا على قلة أدب هؤلاء اليهود مع الأنبياء عليهم السلام.
قلت: قد يقول قائل وما تسمي وجودهم بفلسطين وهم لديهم كل شيء، الجواب أنه احتلال والدولة لا تكون دولة إلا في حال أقرّ بوجودها من بداخلها ومن هم حولها، ووجودهم بفلسطين لا يرضاه أهل فلسطين ولا يرضاه من حول فلسطين، ثم عدا ذلك الدولة تكون مستقلة، ووجودهم ليس مستقلاً، بل هم يعيشون على
مساعدات لاتنقطع من الكفار والخونة، فلو افترضنا أن من بها وحولها رضي لا تصبح دولة لكونها تفقد أهم مقومات الدولة هو العيش بالاعتماد على الذات، وهذا شيء يفتقدونه ولن يجدوه، وسيظلون عالة على الكفار حتى نخرجهم إن شاء الله.
ولا يتعدى حكمهم لفلسطين منذ دخلها داود عليه السلام ٤٥٠ عاماً.
ويقول صاحب كتاب البلاد (العربية قبل محمد):
إن معظم الفلاحين الفلسطنيين الحاليين هم أنسال تلك الأقوام التي سبقت اليهود، وقد عاش اليهود أقلية ضئيلة، واختفوا بعد تدمير تيطس للقدس، ثم تدمير هادريان، وقد جدد البيزنطيون حظر دخول اليهود للقدس، ولم يُرفع إلا بعد دخول المسلمين، وفُرض من
جديد عندما احتل النصارى القدس في الحروب الصليبية لمدة ٨٨ عاماً.
وهو ما يؤكده اليهود حتى اليوم، وأنه من وُجد فيها من اليهود يطرد أو يُقتل.
ويؤكد ذلك صاحب كتاب (الفرع الذهبي)، وهو عالم في علوم الإنسان بقوله:
إن فلاحي فلسطين الناطقين بالعربية هم سلالة القبائل التي استقرت في البلاد
قبل الغزو اليهودي، وهم ما يزالون متمسكين بالأرض، إنهم لم يغادروها ولم يُقتَلَعوا منها.
ويقول صاحب كتاب (فلسطين: الأرض المحمدية المقدسة):
إذا كان هناك رأي يردده أُناس، ومفاده أن العرب هم مجرد متطفلين في فلسطين وأن عليهم أن يُخْلوا الطريق لعودة المالكين الشرعيين والتاريخيين لأرض
المقدس، فلا بد أن نقول كلمة حول أصول الأجناس التي سكنت هذه الأرض، الحقيقة البسيطة هي أن الشعب العربي في فلسطين في أكثريته ليس من أحفاد أولئك القادمين الجدد الذين دخلوا البلاد مع الفتح الإسلامي إن أكثرية الفلسطينيين هم من سكان البلاد الأصليين سواء المسلمون منهم أو المسيحيون ترجع
صلتهم بالبلاد لفجر التاريخ، إن الفاتحين العرب لم يكونوا يشكلون إلا أقلية ضئيلة إذا ما قورنوا بالسكان الذين استقروا في البلاد منذ عهد سحيق القِدَم، وكانوا بهذه الصفة سكانها التاريخيين.
ويقول كولن ثبرون صاحب كتاب القدس: إن المسلمين كانوا متسامحين مع اليهود، وعاشوا معهم بسلام
في الوقت الذي كانت أوربا منغمسة انغماساً كاملاً في الاضطهاد.
وكنت أود أن أنقل قصة إعطاء الله فلسطين لإبراهيم عليه السلام من التوراة نصاً، لكن القصة كلها قلت أدب وتجرؤ على الله وإبراهيم؛ إذ تظهر الله محباً للحم، لذلك يتقرب إبراهيم له بهذا اللحم، لعنهم الله ولعن تحريفهم، حتى عندما
حرفوا لم يحرفوا بأدب، فالله الذي بيده ملكوت كل شيء يتقرب له نبيه باللحم المشوي! لكي يعطيه أرضاً تفيض لبناً وعسلاً، هل الله الذي يملك الأرض التي تفيض لبناً وعسلاً لايستطيع أن يأتي باللحم لنفسه!!!
ثم لإبراهيم ابنان إسحاق وإسماعيل، وبنظرهم أنه -أي إسماعيل- ابن جارية فلا يستحق
الوراثة، لذلك يبقى إسحاق الذي رزق بابنيْن توأمين، هما عيسو ويسميه مؤرخو العرب العيص، وهو الذي خرج أولاً فله البكورية حسب قانونهم، ثم خرج يعقوب، ولكن يعقوب استطاع بحيلة دنيئة أن يكذب ويخدع والده إسحاق بعد أن كبر وعمي وزعم أنه العيص، وقدم لأبيه خمر وجدييْن كاملين فأكلهما إسحاق حسب
زعم التوراة، وبعد الأكل والشرب بارك إسحاق يعقوب وأعطاه العهد والبركة وكل الأرض له ولنسله إلى الأبد، وجعل إخوته عبيداً له.
وكما نرى لا يُذكر نبي في التوراة إلا ونجد اليهود ينسبون له قصص قذرة ودنيئة لا يقوم بها حتى أفجر خلق الله، ومع ذلك لا يتورعون بنسبتها لهم.
وليس هناك نص ثابت في أول من بنى المسجد الأقصى، ولكن لا خلاف أن بيت المقدس أقدم بقعة على الأرض عرفت عقيدة التوحيد بعد المسجد الحرام في مكة المكرمة، وأن الفرق بين مدة وضعهما في الأرض أربعين سنة.
بناء آدم عليه السلام:
يقول القرطبي في (الجامع لأحكام القرآن ج4 ص138):
"واختلف في أول من أسس بيت المقدس، فروي أن أول من بنى البيت يعني البيت الحرام آدم عليه السلام، فيجوز أن يكون ولده وضع بيت المقدس من بعده بأربعين عامًا، ويجوز أن تكون الملائكة أيضًا بنته بعد بنائها البيت بإذن الله، وكل محتمل والله أعلم".
وأورد ابن حجر في الفتح (كتاب أحاديث الأنبياء):
"إن أول من أسس المسجد الأقصى آدم عليه السلام، وقيل الملائكة، وقيل سام بن نوح عليه السلام، وقيل يعقوب عليه السلام"، وقال كذلك: "وقد وجدت ما يشهد ويؤيد قول من قال: إن آدم عليه السلام هو الذي أسس كلا المسجدين، فذكر ابن هشام في
(كتاب التيجان) أن آدم لما بنى الكعبة أمره الله بالسير إلى بيت المقدس وأن يبنيه فبناه ونسك فيه".
وذكر السيوطي في شرحه لسنن النسائي:
"أن آدم نفسه هو الذي وضع المسجد الأقصى، وأن بناء إبراهيم وسليمان تجديد لما كان أسسه غيرهما وبدأه".
بناء إبراهيم عليه السلام:
أشار ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري- ج6- ص407) إلى أن ابن الجوزي ذكر في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أربعون سنة" إشكالا لأن إبراهيم عليه السلام بنى المسجد الحرام وسليمان بنى بيت المقدس وبينهما أكثر من ألف سنة، ثم أجاب ابن الجوزي عن هذا الإشكال بقوله
: "إن الإشارة إلى أول البناء ووضع أساس المسجد وليس إبراهيم أول من بنى الكعبة ولا سليمان أول من بنى بيت المقدس"، ثم قال ابن الجوزي: "فقد روينا أن أول من بنى الكعبة آدم، ثم انتشر ولده في الأرض، فجائز أن يكون بعضهم قد وضع بيت المقدس، ثم بنى إبراهيم الكعبة بنص القرآن".
وكذا قال القرطبي: "إن الحديث لا يدل على أن إبراهيم وسليمان لما بنيا المسجدين ابتدأ وضعهما لهما، بل ذلك تجديد لما كان أسسه غيرهما".
واستمرت إمامة المسجد الأقصى وبيت المقدس في يد الصالحين من ذرية إبراهيم عليه السلام كما ذكر ابن كثير في (البداية والنهاية- ج1- ص184): أنه في عهد يعقوب
بن إسحاق عليهما السلام أعيد بناء المسجد الأقصى بعد أن هرم بناء إبراهيم عليه السلام. وذكر شهاب الدين المقدسي في (مثير الغرام- ص134): "وكان هذا البناء تجديدًا".
بناء سليمان عليه السلام:
والثابت بالأدلة الشرعية المعتمدة لدينا نحن المسلمين أن سليمان عليه السلام بنى المسجد الأقصى،
وأن بناء سليمان عليه السلام بناء التجديد والتوسعة والإعداد للعبادة لا بناء التأسيس.
روى النسائي وابن ماجة وغيرهما بالسند إلى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما فرغ سليمان بن داوود من بناء بيت المقدس، سأل الله ثلاثًا: حكمًا يصادف حكمه، وملكًا لا ينبغي
لأحدٍ من بعده، وألا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما اثنتان فقد أعطيهما، وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة».
قال النووي في شرح مسلم:
"ورد أن واضع المسجدين آدم عليه السلام، وبه يندفع الإشكال بأن إبراهيم بنى المسجد الحرام وسليمان بنى بيت المقدس، وبينهما أكثر من أربعين عامًا، بلا ريب فإنهما هما مجددان".
ويقول الإمام البغوي في تفسيره: قالوا:
فلم يزل بيت المقدس على ما بناه سليمان حتى غزاه بختنصر، فخرب المدينة، وهدمها ونقض المسجد، وأخذ ما كان في سقوفه وحيطانه من الذهب والفضة والدر والياقوت وسائر المجوهرات، فحمله إلى دار مملكته من أرض العراق.
وقد بقي المسجد الحرام، واندثر الأقصى لفترة طويلة وإن بقيت أثاره، يجتمع فيها الأنبياء كما في حادثة الإسراء عليهم السلام.
وبقي قرابة ألف عام مندثراً حتى جاء داود عليه السلام واشترى أرضاً من رجل يبوسي يدعى "أرونة أو أنان" ليبني المسجد، وكان الله أعله بموقع المسجد، والله أعلم.
وعندما يصور التوراة داود عليه السلام وهو يريد أن يبني المسجد يصور الله وداود بصورة قبيحة دنيئة كعادتهم يصورون أن الله لما أراح داود من أعدائه أن داود قرر أن يبني بيتاً لله ، فيصورون الله سبحانه وهو يخاطب داود بأنه سعيد أن داود قرر أن يبني له بيتاً ويقول أنه منذ أخرج بني إسرائيل
من مصر وهو معهم وهو يعيش في خيمة، وأنه في زمن التيه كان كعمود سحاب في النهار وعمود نار في الليل حتى يدلهم على الطريق، ورغم ذلك بقوا ٤٠ عاماً تائهون، ولم يستطع أن يدلهم -لعنهم الله - وكان الوسيط بين الله وداود النبي ناثان؛ لأن داود ليس نبياً عندهم، بل ملك فقال الله كما يزعمون
لناثان "هو يبني لي بيتاً لاسمي وأنا أثبت كرسي مملكته إلى الأبد".
انظروا للتناقض الغريب فالله عندهم لايستطع أن يبني لنفسه بيتاً بينما يستطيع أن يثبت ملك حاكم دولة وللأبد، وأيضاً لايستطع الله عندهم أن يأمر، بل يقايض داود يبني لي بيتاً مقابل أن أثبت حكمه سبحان الله جل جلاله الذي لو
أراد شيئاً يكون في (كن) فيكون دون أن يستطيع البشر من رد قضائه.
وهذا لا شيء مقابل أمور أخرى يذكرها اليهود عن الله في توراتهم المحرفة، فتعالى العزيز القادر عن كفرهم.
وعندما نرى جرائم اليهود في المسلمين يجب ألا نستغرب، فعندهم أن داود عليه السلام قاطع طريق وكذاب مخادع وأنه هرب من
بني إسرائيل خوفاً من ملكهم (شاول)، وذهب للملك أخيش ملك الفلسطينيين وانضم له، وأنه كان يخرج بالليل يقتل الفلسطينيين ويخرب حرقهم، ولما شكوه للملك تظاهر بالجنون وصدقه الملك وجعله من فرسانه، ولكن حسب زعمهم عاد للقتل في الليل، ثم إنه كون فرقة سفاكين، وأخذ يقطع الطرق ويقتل الفلسطينيين
"وضرب داود الأرض، ولم يستبقِ رجلاً ولا امرأة، وأخذ غنماً وبقراً وحميراً وجِمالاً وثياباً" سِفر صموئيل.
وكل ذلك وهو مستمر بخداع الملك، ويقسم له أنه بريء، وكل مرة يصدقه الملك، ثم إن الملك أخيش أعد حملة ضخمة لقتال بني إسرائيل، وجاء داود لكن قادة الحيش اعترضوا، لكن الملك المغفل قال
: إني أرى داود مخلصاً وفيّاً. ولما أصر القادة على عدم حضوره أراد الملك الاعتذار منه، لكن داود بكى وقال: "ماذا وجدت في عبدك من يوم صرت أمامك إلى اليوم، حتى لا آتي معك وأحارب أعداء سيدي الملك"
ثم استطاع داود إقناع ابنير قائد جيش بني إسرائيل ليتحالف معه ويخون ملك بني إسرائيل
ايشبوشت بن شاول، وبذلك استطاع داود أن يكون ملكاً على بني إسرائيل، ثم قام داود بقتل الفلسطينيين والقيام بإبادات واسعة للفلسطينيين وجميع سكان الأرض حتى وصل لبني عمون -وهي عمّان- فقتل النساء والأطفال والرجال والشيوخ، ووضعهم تحت المناشير والفؤوس، وأحرقهم، وهكذا صنع في جميع مدن
بني عمون، ثم رجع داود وجميع الشعب إلى أورشليم" صموئيل الثاني
إن كان هذا داود بنظرهم فلا نتعجب من جرائم شارون في صبرا وشاتيلا وجرائم بيريز في قانا، وجرائم باراك وشارون في انتفاضة الأقصى.
ويصورونه كيف زنا بامرأة أحد قادته، ثم تآمر وقتله، وتزوج امرأته وبهذا الزنا ولد سليمان.
تالله لو لعنتهم حتى قيام الساعة ما شفى غليلي.
وذكرت هذا لتبيين أن هؤلاء اليهود لا علاقة لهم بأنبياء الله ، ونحن أحق بهم منهم، ولو لم يكن موضوعاً عن القدس لاستفضت بذكر صور التوراة عن الأنبياء فما نبي ذُكر إلا وأنه قام بخدعة أو عمل دنيء أو زنا والغريب العجيب أن الزنا لا يكون إلا
بأخت أو زوجة صديق أو امرأة أب أو ابنة، فمثلاً عندما علم داود حسب زعمهم بأن ابنه زنا بأخته من أبيه لم يقل أي شيء!!!
حاشا أنبياء الله من هذا العمل الذي يشمئز منه حتى الفجار.
واليهود لا يجعلون داود نبياً كما مرّ سابقاً كذلك سليمان، قال محمد بن إسحاق : لما ذكر رسول الله ﷺ سليمان
في المرسلين قال بعض أحبارهم : يزعم محمد أن ابن داود كان نبيا ! والله ما كان إلا ساحرا ، فأنزل الله عز وجل {وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا}، أي: ألقت إلى بني آدم أن ما فعله سليمان من ركوب البحر واستسخار الطير والشياطين كان سحراً.
ويقول سِفر الأيام الأولى: "إن الرب منع داود من أن يبني له بيتاً لأن يداه ملطختان بالدماء البريئة، وجعل مهمة بناء البيت لسليمان الذي لم يتلطخ بالدماء البريئة"
ثم يأتون ويصدعون رؤوسنا بالهيكل.
ويسهب التوراة بذكر بناء الهيكل وكم كلف وماذا صُرف لأجله من الذهب والخشب والمجوهرات
وغيرها من المواد اللازمة، وعدد العمال فمثلاً كان هناك ٧٠ ألف حمّال، و ٨٠ ألف نحات، واستغرق البناء سبع سنوات، وقد بنى كما تزعم التوراة سليمان بجواره قصره واستغرق ثلاثة عشر عاماً، وأحاط الهيكل بالمحكمة وقاعة الاجتماعات وقيادة الجند.
وقد ذبح سليمان بزعمهم ٢٢ ألف بقرة، و١٢٠ ألفاً من الغنم.
والسؤال هل يمكن لبناء ضخم كهذا أن يختفي بكل سهولة؟ أم هو دليل على تحريف اليهود للتوراة؟
ثم لما مات سليمان كما تقول التوراة ورثه ابنه رحبعام فجاءه جماعة من بني إسرائيل يطلبون منه أن يخففهم عنهم القسوة التي كان يعاملهم بها
سليمان لكي يخدموه فأجاب "أبي ادّبكم بالسياط وأنا أؤدبكم بالعقارب" وهذه كالعادة كذب على سليمان عليهم السلام، وثار يربعام بن ناباط من نسل أفرايم بن يوسف عليهم السلام، وكان عبداً لسليمان بزعمهم، وذهب لملك مصر وتبعه عشرة أسباط من بني إسرائيل وطلب المدد والعون وأقام دويلته في الشمال
شكيم (نابلس) وبنى معبداً على جبل جرزيم حتى لا يذهبوا للهيكل في أورشليم، وجعل فيه عجلان من ذهب هو يعرف غرام بني إسرائيل بعجول الذهب فعبدوهاوذبحوا لها، وسميت مملكة إسرائيل الشمال، وكانت تدين بالولاء لمصر وتتبعها
ولم يبقَ مع رحبعام بن سليمان سوى سبطي يهوذا وبنيامين وصارت مملكة صغيرة
وقلت: لذلك من يظن أن توسع اليهود سيتوقف اليوم عند ما احتلوه فهو واهم جداً وهم يرون أن حتى نابلس من حقهم، ولن يتوقفوا إلا عند حد الفرات والنيل، وأيضاً لا أحد متأكد إن كانوا سيرضوا بهذه الحدود حتى، تحية للمناضل أبي مازن والرفاق.
بالطبع مؤرخو الغرب مثل ويلز وديورانت وغوستاف وغيرهم
يقللون من شأن مملكة سليمان عليه السلام وأنها صغيرة ولم تقم إلا بسبب ضعف الدول المحيطة بها، ونحن لانوافقهم بهذا أبداً إذ أن سليمان عليه السلام أعطاه الله سبحانه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وسخر له الحيوان والجن والريح وغيرها.
وتذكر التوراة المحرفة أنه بعد انقسام المملكة قامت
حروب بينهما وانتشرت عبادة الأوثان والفجور فيهما خصوصاً مملكة الشمال (المسماه بمملكة إسرائيل)، وظهر بها عدد من الملوك الظلمة منهم آخاب بن عمري وزوجته الصيدونية الوثنية إيزابيل والتي نشرت عبادة البعل والأوثان وتقديم البشر ضحايا لهذه الآلهة، وقد قتلت الكثير من أنبياء بني إسرائيل،
ثم جاء بعده ابنه أخزيا فسار سير أبيه وهكذا حتى دمر الله مملكتهم على يد سرجون الثاني الآشوري.
وبقيت مملكة يهوذا في أورشليم في الجنوب مدة أطول بفارق ١٣٠ سنة تقريباً، فقد قدمت الطاعة والمال لملك آشور، وهي أقل شراً من المملكة الشمالية إلا أنها شهدت عدد من الحكام الظلمة الفجار، منهم
منسيّ عابد الأوثان، الذي يقال أنه قام بنشر النبي أشعيا بالمنشار. وقد عاصر النبي أشعيا عدد من ملوك يهوذا هم عزيا ويوئام وآحاز وحزقيا، وكلهم فسقة عُباد أوثان، ويضعون الفاجرات والمأبونين لخدمة الكهنة ورواد الهيكل -ثم يصدعون رؤوسنا بالهيكل-، لكن حزقيا تاب على يد أشيعا وطهر الهيكل من
الأوثان والفجار وحاول تطبيق الشريعة وجعل أشيعا مستشاراً له؛ فتحسنت الأوضاع، لكن الأمور عادت بعد موته للأسوأ بعد ظهور الملك منسي، وذكر التوراة كلاماً لأشعيا يسب ويذم بني إسرائيل، ويتنبأ بخرابها هو والنبي ميخا فبعد كلام عن فسقهم وعصيانهم يقول "لذلك بسببكم تُفلَح صيهون كحقل، وتصير
أورشليم خراباً، وجبل البيت شوامخ وعر" سفر ميخا.
النبي أرميا ونبوءاته بدمار أورشليم وبيت الرب (الهيكل):
وقد كان والده هو الذي أظهر نسخة من كتاب الشريعة وبالذات سِفر تثنية الاشتراع بعد أن فُقد، ووالده من أقنع الملك جوشيا بالتوبة وتطهير الهيكل، ولكن الفسق عاد بعد موته وتولي يهويا،
ثم خليفته صدقيا.
وقد تميز النبي أرميا بنبوءاته التي ذكرفيها خراب أورشليم على يد البابليين وتهديم الهيكل، وعندما دخل نبوخذنصر أورشليم كان أرميا في السجن بسبب النبوءات، فأخرجه وخيّره بين الذهاب معه أو البقاء في أورشليم بعد خرابها ففضل البقاء.
وكما تنبأ بخراب أورشليم تنبأ بعودة بني
إسرائيل إلى أورشليم وبناء الهيكل مرة أخرى.
ويهددهم الرب بشرٍ آتٍ من الشمال "لأني آتي بشرٍّ من الشمال وكسر عظيم. قد ثعد الأسد من غابته وزحف مهلك الأمم".
ويذكر حبهم للمال حباً جمّاً وجمعه بالحرام "لأنهم من صغيرهم إلى كبيرهم كل واحد مولع بالربح ...كل واحد يعمل الكذب"
"هكذا قال الرب شعب قادم من أرض الشمال وأمة عظيمة تقوم من أقاصي الأرض تمسك القوس والرمح هي قاسية لاترحم صوتها كالبحر يعج وعلى خيل تركب مصطفة كإنسان لمحاربتك يا ابنة صهيون".
ويطول التحذير والنذير والوعيد، لذلك نكتفي.
غزو نبوخذنصر لمملكة يهوذا وهدمه للهيكل:
بعد أن انتهت مملكة الشمال على يد سرجون الثاني الأشوري بقيت مملكة الجنوب خاضعة وتدفع المال له، وعندما انتهت الدولة الآشورية وظهرت بدلاً عنها البابلية هجم الملك البابلي على أورشليم عندما رفضت الدفع له، وقبض البابليون على ملك أورشليم يهواقيم
ونفوه لبابل ووضعوا مكانه صدقيا بن يواقيم، لكنه تمرد فهجم عليه نبوخذ نصر، وهدمها وأجلى عشرة آلاف يهودي لبابل، ثم أعلن صدقيا الخضوع، لكن عاد وتمرد عندما رأى أن نبوخذ مشغول بحروبه الكثيرة، وسرعان ما عاد صدقيا للخضوع بعد دفعه للمزيد من الهدايا لنبوخذ، ثم عاد وتمرد مما أغضب نبوخذ فهجم
ودمر أورشليم مع الهيكل تدميراً كاملاً، وأخذ كنوز الهيكل، ونفى ثلث السكان بعد قتله الثلث وأبقى ثلثاً.
العودة من المنفى:
ظهر عدد من أنبياء بني إسرائيل في المنفى منهم: دانيال صاحب الحظوة لدى نبوخذنصر، ولما مات نبوخذ تولى بعده بيلشاصر وكان دانيال أيضاً صاحب حظوة عنده، وعندما ظهرت
دولة الفرس تحول ولاء اليهود لهم وأمدوهم بأسرار الدولة البابلية الآيلة إلى السقوط حتى تكون لهم حظوة، وكان بالفعل إذ كان لهم مكانة عند الملك الفارسي دارا (داريوس الأول).
وقد أعاد قورش اليهود لفلسطين، وأعاد بناء الهيكل، وأمدهم بالمال وطلب من رعاياه المساعدة لبناء الهيكل، ويذكر سِفر
عزرا ونحميا العودة وكيفية بناء الهيكل.
يبدأ بقصة العودة من السبي بناء على أمر قورش ابن الملك احشويروش وهو ربيب محظية الملك وهي يهودية، وقد أقنعت احشويروش بقتل وزيره هامان عدو اليهود، وجميع رجاله، وتربى قورش على يدها، ثم مات قورش وجاء احشويروش الثاني وكتب له أهل السامرة يشكون
اليهود وينبهونه على خطرهم ومكرهم وتمردهم، فأمر الملك بإيقاف البناء، لكن بعد موته تولى داريوس الثاني الذي سمح لليهود بإكمال البناء، وتتالت عودتهم بقيادة عزرا ونحميا وزربابل، حتى كمل البناء، وإن كان أقل من السابق.
اليهود في العهد اليوناني:
رغم تعاطف الفرس مع اليهود، وإعادتهم لفلسطين ومساعدتهم لبناء الهيكل إلا أنهم خانوهم، ومالوا للقوة الجديدة التي ظهرت على يد الاسكندر المقدوني، وعندما احتل الإسكندر فلسطين استطاع شمعون بن حونيو أن ينال ثقة الإسكندر بما قدمه من معلومات عن الفرس، لذلك حصل
اليهود وهيكلهم على رعاية الإسكندر، وبعد موت الإسكندر خلفه قواده على دولته وكلٌّ أخذ جزءاً منها، وكانت مصر وفلسطين -على مر التاريخ كانت قوة مصر هي قوة فلسطين ومصيرهما مرتبط ببعض- من نصيب البطالسة، وفي عهد أول حكامها بطليموس الأول تمرد اليهود في فلسطين، فسار لهم وهزمهم وساق معه مئة
ألف أسير يهودي لمصر، ثم تولى بعده بطليموس الثاني، فتقرب منه اليهود فسمح لهم بالعودة لفلسطين فعاد الكثير منهم.
قلت: بطليموس الثاني هذا كان مثقفاً وهو مؤسس مكتبة الإسكندرية المشهورة، وقيل: أنه في عهده ترجمت التوراة لليونانية بواسطة ٧٢ حبراً من اليهود في ٧٠ يوماً، لذا تُسمى
الترجمة السبعينية على أن كثير من الباحثين يشككون بهذه القصة، وتجعلها من الأساطير؛ لأن الترجمة اليونيانية تمت على مراحل متعددة، وقد ضاع النص العبري بأكمله.
تنافس البطالسة والسلوقيين:
تولى بطليموس الثالث الحكم وحاول اليهود التمرد، وماطلوا بالدفع له لسنوات، فهددهم عامل بطليموس
على فلسطين بالطرد، فأرسلوا وفداً لبطليموس وبكوا وادعوا الفقر، فعفا عن السنوات الماضية، وتعهدوا بالدفع، ثم تولى بطليموس الرابع، وفي عهده زحف السلوقيون -وهم من قواد الإسكندر- بقيادة ملكهم أنطخيوس على فلسطين واحتلها، لكن استعادها القائد البطليموس سكوباس، ثم عاد السلوقيون وبقيت تحت
حكمهم زمناً طويلاً، وكعادة اليهود ساعدوا كل قوة جديدة ففتحوا القلعة في أورشليم ليدخل السلوقيون، وبسبب ذلك خفف عنهم الضرائب، واهتم بعمارة الهيكل، والحصن، ثم تمردوا فزحف عليهم السلوقيون وذبحوا الكثير منهم.
{ضُرِبَتْ عليهم الذِّلَّةُ أين ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ الله وحبلٍ مِّنَ الناس وَبَاءُوا بِغضبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عليهم الْمَسْكَنَةُ ۚ ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأنبياء بغيرِ حَقٍّ ۚ ذَٰلِكَ بِما عصَوا وَّكانُوا يَعْتدُون}
ثورة المكابيين:
هجم أحد قواد ملك السلوقيين على أورشليم بسبب تمردهم وأكثر القتل فيهم، وخرّب الهيكل، وقام بأعمال كثير بالهيكل، فثار أحد أحبار اليهود وهو متتباهو المكابي وأولاده الخمسة، واستطاع جمع اليهود، وقام ابنه بطرد السلوقيين من الهيكل وجزء من أورشليم، واستطاع شمعون المكابي
من أن يسيطر على كل أورشليم، لكن السلوقيين استطاعوا العودة بقيادة أنطوخيوس السابع في عهد يوحنا هيرقانوس المكابي، وقدم له الأخير الهدايا والذهب لاسترضائه، وفقد الموكابيون السيطرة وصاروا حكام يتبعون السلوقيين، وكانت المعارك بين المكابيين اليهود على أشدها، فقد كان هناك عدة معارك بين
الأخوين هركانوس وأرسطوبولوس -لاحظ تأثرهم باليونانيين حتى بالأسماء.
أورشليم والدولة الرومانية:
استولت الدولة الرومانية على أملاك اليونانيين منها فلسطين، فذهب هركانوس وأخوه أرسطوبولوس لدمشق لتقديم الهدايا والطاعة للقائد الروماني بومبيوس، لكن أرسطوبولوس أحس أن الروماني يميل لأخيه
فسارع لأورشليم وتحصن بها، مما أدى ببومبيوس لغزوه واستسلم أرسطو، فأخذه أسيراً لدمشق ومات في هذه الحرب آلاف اليهود، وقد كان اليهود يخربون المدينة بأيديهم ويحرقونها، ثم تولى بعد ذلك هيرودس الذي استولى على أورشليم فأقره القيصر عليها حاكماً، فاهتم بإعمار المدينة وسورها وسمح لليهود
ببناء الهيكل، وقد تهود بعض القواد، وسكنوا المدينة وبنوا قصورهم ومقابرهم، وهذا أغاظ القيصر كلوديوس فأمر بوضع تماثيل للرومان داخل الهيكل.
وخلال حكمهم للمدينة كان هناك اضطرابات من حين لآخر مما دفع بحاكم سوريا الروماني لوقيانوس كراسوس للهجوم على المدينة ونهب مابقي من كنوزها.
وقد وُلد عيسى عليهم السلام أثناء حكم الرومان للمدينة مع إعطائهم لليهود صلاحيات الحكم المحلي، وكان هيرودس الحاكم من قبل الرومان.
ويذكر الإنجيل أنه بعد مولد عيسى عليه السلام جاء مجوس من المشرق يسألون عن المولود ملك اليهود، وأنهم رأوا نجمة في المشرق وأتوا للسجود له فلما سمع هيرودس
هذا اضطرب وجمع رؤساء الكهنة وسأل أين يولد المسيح، فقالوا في بيت لحم، فبعث هيرودس المجوس ليتأكد من ذلك وقد عزم على قتله، لكن المجوس بعد أن تأكدوا لم يرجعوا له.
وقد قام اليهود وأحبارهم بسب عيسى وأمه الطاهرة رغماً عنهم عليهما السلام، والذي مازال مستمراً حتى اليوم رغم تعامي النصارى
عن ذلك خصوصاً الغربيون منهم، ويذكر الإنجيل كيف دخل عيسى الهيكل وأخرج من به، وقال أنهم جعلوه مغارة للصوص -ربما بسبب تعاملهم بالربا داخل الهيكل-، وقال أنه أراد جمعهم كما تجمع الدجاجة فراخها، ولم يريدوا، وأنه يُترك خراباً ولا يبقى حجر على حجر إلا وينقض.
وقد ذكر الإنجيل أنه يُنزع ملكوت الله منهم ويُعطى لأمة تعمل أثماره، وهنا تعليق جيد حول الموضوع:
alukah.net
الطرد الأخير لليهود:
في عهد الإمبراطور إيليوس هدريان كان قائد اليهود رجل تلقب باسم باركوكبا -أي ابن الكوكب-، وادعى أنه المسيح المنتظر، واستطاع احتلال مناطق من فلسطين فأرسل هدريان جيشاً فقتله، وعدداً كبيراً من اليهود، وطرد من بقي منهم، وجاء للهيكل ووضع تمثالاً مشابهاً لتمثال
جوپيتر -كبير آلهتهم-، وغير اسم أورشليم إلى إيليا كپيتولينا، ومنع اليهود من دخول القدس، ثم سُمح لهم يوماً واحداً في السنة بشرط ألا يبيتوا في القدس، وبقي هذا الأمر حتى الفتح الإسلامي، أي لمدة ٥٠٠ عام، ويستثنى من ذلك ١٠ سنوات عندما دخل الفرس فلسطين حيث انضم اليهود مع الفرس، وأشعلوا
النار في كنيسة القيامة وباقي الكنائس، لما استعادها الرومان بقيادة هرقل، قُتل اليهود المتعاونون إلا من استطاع الفرار.
وقد حكم السنهدرين -المحكمة العليا اليهودية- بقتل عيسى عليه السلام بزعم أنه أثار الفتنة وادعى النبوة، وبما أنهم لا يستطيعون تنفيذ الحكم دون موافقة الحاكم
الروماني بيلاطس، فإنهم ذهبوا إليه ليصلب المسيح ، لكن بيلاطس رفض وقال لهم كما في الإنجيل :"إني بريء من دم هذا البار أبصروا أنتم، فأجاب جميع الشعب وقالوا: دمه علينا وعلى أولادنا".
وقد أصدر بيلاطس حكم الصلب دون قناعة بعد أن هدده اليهود برفع الأمر للإمبراطور،
واتهامه بأنه برأ عيسى عليهم السلام وقد ادعى أنه ملك، وهي تهمه لا يغفل عنها في الدولة الرومانية.
برغم اعتراف اليهود بذلك -أنهم قتلوا المسيح حسب زعمهم-، وذكر الأناجيل لهذا الأمر، فإن الكنائس وعلى رأسها الفاتيكان قاموا بتبرئة اليهود من دم عيسى عليهم السلام، ورغم أن الأناجيل تؤكد
أنهم وضعوا على رأسه إكليل شوك وقصبة بيمينه سخريةً منه -لأنه ادعى أنه المسيحي الذي سيأتي آخر الزمان ويملك-، وبصقوا عليه وضربوا رأسه ثم صلبوه، وصلبوا معه لصّان واحد عن يمينه والآخر يساره.
بالطبع هذا بحسب اعتقاد النصارى وأناجيلهم، ومع ذلك سامحوا من يتهمونهم بأنهم قتلوا نبيهم، بكل
بساطة رغم العداء المتواصل لقرون بينهم، وهذا من أعجب ما رأيت في حياتي، ولا أظن أنني سأرى أعجب منه.
وكما قرأنا هنا فاليهود يذكرون الأنبياء بأقبح الأوصاف، والنصارى مثلهم وسامحوا من يعتقدون أنهم قتلوا نبيهم، فلذلك هذا دليل آخر بأننا أحق بالأنبياء منهم، فنحن نوقرهم
ونرفع من شأنهم بعكس أهل الكتاب.
وقد جاء في الإنجيل إنذار عيسى بخراب أورشليم والهيكل عندما قال له تلميذه انظر لهذه الأبنية، فقال أتنظر لهذه الأبنية، لا يُترك حجر على حجر لاينقض.
تيطس يخرب الهيكل وأورشليم:
وهكذا كان، فقد قام القائد الروماني بتخريب المدينة والهيكل، وأجلى اليهود جميعهم وهو السبي الثاني، وأصدر قانوناً بأن أي يهودي يدخل المدينة يُعدم، ثم جاء خلفاؤه وسمحوا لهم بيوم واحد في السنة.
ومع ملاحظة أن كل ما نقلته عن أهل الكتاب نقف منه موقف
عدم التكذيب أو التصديق.
والنبي ﷺ أذن بالتحديث عن بني إسرائيل ، دون تصديق أو تكذيب ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم :" بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعدَهُ منَ النَّارِ.
أخرجه البخاري (3461) ، وكما في قوله صلى الله عليه وسلم :" إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ ، وَقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ، فَإِنْ كَانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهُمْ ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا لَمْ تُصَدِّقُوهُمْ ".
أخرجه أبو داود في "سننه" (3644) ، وقد حسنه الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (2800)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (13/366) :" وَلَكِنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الإسرائيلية تُذْكَرُ لِلِاسْتِشْهَادِ لَا لِلِاعْتِقَادِ ؛ فَإِنَّهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا : مَا عَلِمْنَا صِحَّتَهُ مِمَّا بِأَيْدِينَا مِمَّا يَشْهَدُ لَهُ بِالصِّدْقِ : فَذَاكَ صَحِيحٌ. و"الثَّانِي" : مَا عَلِمْنَا كَذِبَهُ ، بِمَا عِنْدَنَا مِمَّا يُخَالِفُهُ. و" الثَّالِثُ ": مَا هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ ، لَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَلَا
مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ ؛ فَلَا نُؤْمِنُ بِهِ وَلَا نُكَذِّبُهُ ، وَتَجُوزُ حِكَايَتُهُ لِمَا تَقَدَّمَ ".
القدس في العصر الإسلامي:
ومن هنا نبدأ بأفضل عصور القدس -باستثناء عصر حكم الأنبياء-، فالعدل والعيش بأمان لأهل الكتاب يبدأ في هذا العصر، وهذا موجود بكتبنا وبشهادة أهل الكتاب
أنفسهم، وأيضاً نضع خلفنا الأسماء الغريبة عنا هدريان وبطليموس وغيرها.
فتح القدس (الفتح العمري):
كانت معركة أجنادين من المعارك الفاصلة بين المسلمين والروم زعزعت ثقة الروم، ثم تلتها اليرموك، ثم بدأ تضييق المسلمين الحصار على بيت المقدس، وأصبح كل ما حولها مفتوحاً عدا قيسارية فكتب
أرطبون الروم لعمرو بن العاص يقول: "إنك صديقي ونظيري، أنت في قومك مثلي في قومي، والله لا تفتح من فلسطين شيئاً بعد أجنادين ، فارجع ولا تُغره فتلقي مالقي الذين قبلك من الهزيمة"، فكتب عمرو يقول: إنه "صاحب فتح هذه البلاد"، ثم أرسله وطلب من الرسول أن ينقل له رد الأرطبون، فلما قرأ ضحك
مما في الرسالة وقال إن صاحب فتح بيت المقدس هو رجل اسمه عمر، فنقل الرسول لعمرو قوله، فأرسل عمرو لعمر بما قال وطلب من القدوم، فخرج الخليفة بعد الاستشارة أشار عثمان بعدم خروجه وعلي بالخروج، فخرج واستخلف علي على المدينة، فجاء فصالحهم، وهناك ما يُعرف بالعهدة العمرية وهو ما يقال أنه
صلح لإيلياء، وأضع هذا الرابط الذي ناقش هذه العهدة:
ar.islamway.netالعهدة-العمرية-النصوص-الواردة-ومناقشتها
وعندما دخل الخليفة بيت المقدس، وبينما هو في كنيسة القمامة -القيامة- حانت الصلاة، فسأل عن مكان للصلاة، فأشار صفرونيوس بطريرك القدس الصلاة في الكنيسة، فرفض خشية أن يأتي المسلمون ويقولون: هنا صلى أمير المؤمنين، ويغلبون عليها.
هل سمعنا قبله هذا أو بعده لدى الأمم الأخرى؟
هل هناك أعدل من هذا؟
أولئك آبائي فجئني بمثلهم *** إذا جمعتنا يا جرير المجامع
وهنا صحابة شدوا الرحال بيت المقدس:
ar.islamway.netصحابة-شدوا-الرحال-إلى-بيت-المقدس
القدس في العهد الأموي:
لقيت القدس اهتماماً من بني أمية خصوصاً من عبدالملك بن مروان وابنه الوليد، فهما
من بنيا مسجد قبة الصخرة، وخصوصاً الوليد الذي بالغ بتزيينه، حتى قال مجيد الدين صاحب كتاب الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل: أن الوليد رصد خراج مصر سبع سنوات لبناء المسجد الأقصى.
القدس في العصر العباسي الأول:
كنا قد ذكرنا أنه حدث زلزال للأقصى أواخر الدولة الأمية، لكن مع انشغال
الدولة بالاضطرابات لم يتم إصلاحه، وعندما زار الخليفة العباسي المنصور القدس سنة ١٤١ طلب الأهالي إصلاحه، فأمر بقلع الصفائح الذهبية والفضية التي كانت على المسجد وضُربت نقوداً فبنى بها المسجد، ثم زلزال آخر سنة ١٥٨ وبناه المهدي، ثم ثالث سنة ٢١٦.
القدس في ضعف الدولة العباسية وظهور العبيديين:
في سنة ٣٥٩ احتل العبيديون الشام، وظل القدس ضمن حكمهم ووقع زلزال عام ٤٠٧ فبناه الظاهر، ثم زلزال آخر وبناه الظاهر وحذف أروقة من كل جانب، وقد استطاع السلاجقة إعادة القدس للدولة العباسية عام ٤٦٣، وعادت الخطبة للخليفة العباسي، لكن عاد
العبيديون عام ٤٨٩ حتى احتله الصليبيون.
الصليبيون والقدس:
لقد كانت الدولة العباسية تعاني من الضعف والتفكك حتى كان الحال أن كل شخص حكم منطقة مهما بلغت الصغر يستقل عنهم ويتبع العباسيين اسماً فقط، ومنها الشام التي تحولت لدويلات صغيرة تحارب بعضها بعضاً مما ساعد على ضعفها، وفي الوقت
الذي نجدهم يتقاتلون فيما بينهم تكونت ثلاث إمارات صليبية في الشام في وقت متقارب فظهرت إمارتا الرها وأنطاكية عام ٤٩١ ومملكة أورشليم عام٤٩٢، وقد بدأت أول حملة صليبية عام ٤٨٩ ضمت ٧٠ ألف مقاتل، وكان بينها كما يقول إدوارد جيبون "أحط الطبقات وأجهلها"،
ويقول رينسمان عن احتلال القدس كما
نقل عنه غوستاف لوبون: "انطلق الصليبيون في شوارع المدينة وإلى الدور والمساجد يقتلون كل من يصادفهم من الرجال والنساء والأطفال دون تمييز، واستمرت المذبحة طوال الليل، ولم يكن المسجد عاصماً للمسلمين، ففي الصابح اقتحموا المسجد وقتلوا على كل من فيه وقد قدر عددهم ٧٠ ألفا، وعندما توجه
ريموند أغيل في الضحى لزيارة ساحة المعبد أخذ يتلمس طريقه بين الجثث والدماء التي بلغت ركبتيه".
ويقول غوستاف: "وكان سلوك الصليبيين غير سلوك الخليفة الكريم عمر بن الخطاب نحو النصارى. قال كاهن مدينك لوبري: عندما استولى قومنا على القدس وبروجها فقط قطعت الرؤوس، فكان أقل مايصيبهم وبقرت
بطون بعضهم، وحُرق بعضهم فكان يموت بعد ذلك بعذاب طويل، وكان لا يُرى في سوارع القدس ومادينها سوى أكداس من رؤوس العرب وأيديهم وأرجلهم، فلا يمر المرء إلا على جثث قتلاهم، لكن هذا لم يكن سوى بعض مانالوا منهم".
ولم يكتفوا بذلك بل اجتمعوا وقرروا إبادة من بقي من سكان القدس وعددهم ٦٠ ألفاً، ففعلوه في ثمانية أيام.
وقد ذكر ابن الأثير وضع القدس: كانت بيد تاج الدولة تتش السلجوقي الذي أقطعها لأحد قواده وهو سقمان بن أرتق، وقد استولى الصليبيون على أنطاكية من السلاجقة مما أضعفهم، فاستغل العبيديون
ذلك وهاجموا بقيادة الأفضل القدس فاستسلم سقمان ومن معه، ثم اتجه الأفضل لدمشق وترك بالقدس افتخار الدولة، واستغل الصليبيون الفرصة فبعد فشلهم باحتلال عكا اتجهوا للقدس بعد خلوها من الجيش العبيدي، وقاومت القدس ٤٠ يوما ثم سقطت من شمالها الجمعة يوم٢٣ ٤٩٢، وركب الناسَ السيفُ، واحتمى جماعة
بمحراب داود وظلوا يقاتلون ثلاثة أيام فبذل الإفرنج الأمان لهم، فلما استسلموا غدروا بهم.
ورغم بلغوا الخبر الخليفة العباسي ببغداد، والحاكم العبيدي بمصر، إلا أن أياً منهما لم ينقذ القدس للضعف والانشقاق وهو يشابه وضعنا اليوم، واكتفوا بالبكاء والعويل، وتبارى الشعراء في وصف الفاجعة كما
نتبارى اليوم، وقد أخذ النصارى كل ما بالأقصى حتى قال ابن الأثير أنهم غنموا مالا يقع عليه الإحصاء، ولم يراعِ الصليبيون حرمة المسجد كما فعل المسلمون، بل غيروا معالمه فاتخذوا جزءاً منه كنيسة، وجزء مسكناً، ومستودعاً للأسلحة، واصطبلاً، ووضعوا التماثيل والصلبان،
ووضعوا فوق قبة الصخرة صليباً وظل هذا الأمر حتى طهره جيش صلاح الدين.
استرداد القدس وتطهيرها:
بدأت بوادر الصحوة الإسلامية بظهور علماء يدعون للعودة للدين، والالتزام بالشريعة، فكانت لدعوتهم أثر كبير عمّت الناس، وقيّض الله أتابك يدعى زنكي بن آمن سنقر الذي تولى حكم الموصل عام ٥٢١ الذي تطلع لتوحيد الإمارات الصغيرة تحت حكمه، فضم حلب وحماة وحمص، واسترد
الرها من الصليبيين عام ٥٣٩، وهي أول هزيمة لهم، وكان لها مكانة عند المسلمين لأنها على الحدود مع الدولة البيزنطية ومكانة عند الصليبيين بكنائسها، وكان وقع فتحها على النصارى عظماً مما دفعهم للتخطيط لقتل زنكي، فاتفقوا مع فرقة باطنية -الحشاشون- وقتلوه وهو نائم في خيمته، لكن كما يقال
(من خلف ما مات) فقد خلف ابنه نور الدين وكان على تدين ويحمل همّ المسلمين مثل والده، وهمه تطهير القدس، وكان شهماً لدرجة غريبة فعندما مات بولدوين الثالث قائد الصليبيين في القدس، حضّ بعض القواد نور الدين على مهاجمة القدس لانشغال الكفار بملكهم، لكنه رفض لأنه ليس من الشهامة ولا يليق
أن يباغت العدو وهم في حزن وشغل بالوفاة هل سمعنا بأمة غير أمتنا مثل هذا؟، تولى عموري الأول بعد أخيه فهجم على مصر عندما رأى ضعف العبيديين، فاستنجد حاكم العبيديين بنور الدين الذي أرسل له حملة بقيادة أسد الدين ومعه ابن أخيه صلاح الدين، فخاف وزير الحاكم من جند الشام بأنهم سيطمعون بمصر
ويمتلكونها، فحاول الوزير إبعادهم لكنه فشل، وقد هاجم نور الدين الصليبيين في الشام ليخفف عن مصر الهجوم الصليبي وحليفهم الوزير، وبالفعل استطاع ذلك وأيضاً أسد الدين وصلاح الدين تمكنوا من فك الحصار، ثم بدأ صلاح الدين يرتب الأمور بعدما صار هو وزير الحاكم العبيدي وقام بإبعاد الحرس
ووضع حرس موالين، حتى مات الحاكم وليس له إلا طفل صغير وبذلك انتهى حكم هؤلاء الشرذمة في مصر وبدأ عهد جديد، ثم بدأت انتصارات المسلمين على الكفار حتى طلب بلدوين الرابع هدنة لمدة سنتين، لكن دوشاتيون نقضها.
وفي عام ٥٧٦ غادر صلاح الدين -حين صار حاكما مستقلاً بعد موت نور الدين- مصر للشام
للقضاء على الاحتلال، وفي آخر هذا العام
قام رينالد سايتون بمهاجمة قافلة حجاج وقتلهم وأخذ ما معهم رغم الهدنة بينه وبين صلاح الدين بعدم التعرض للحجاج، فكان هذا العمل الدافع لتعجيل الانتقام وسارع بوقوع معركة عظيمة هي معركة حطين ٥٨٣.
وقد وصف ابن كثير معركة حطين:
وكان جيش صلاح الدين اثني عشر ألفاً غير المتطوعة، وتجمع الكفار ومعه صليبهم قيل عددهم خمسون ألفاً، وقيل ثلاث وستون، منهم حاكم الكرك الذي قتل الحجاج، وقد استطاع صلاح الدين فتح طبرية وحاز البحيرة كلها ومنع العدو منها فصاروا عطشى، وتقاتل الجيشان عند قرية
حطين -تقع غرب طبرية وتتبع الجليل وهي الآن مهجورة بسبب المحتل- بدأت المعركة يوم السبت لخميس بقين من ربيع الآخر سنة ٥٨٣، فقتل منهم ٣٠ ألفاً وأُسر مثله، وأُسر ملوكهم فتم قتل أرياط الذي قتل الحجاج، وقتل جنود الداوية والأسبارتية لكثرة سبهم الرسول ﷺ وقتلهم بالمسلمين، ثم سار لعكا
وفتحها صلحاً فوجد بها أربعة آلاف أسير وكذلك صيدا وبيروت وغزة وعسقلان ونابلس وبيسان والغور، وبعث من يفتح الرملة وبيت لحم والخليل وغيرها من البلدان المحتلة، واحتشد الكفار في القدس للدفاع عنها، فلم يجد مكاناً مناسباً للهجوم إلا من الشمال، وفي العشرين من رجب نشب القتال ورماهم
المسلمون بالمنجنيق مما اضطر الكفار لطلب الأمان وتسليم القدس، وذلك في ٢٧ رجب، وشرط عليهم صلاح الدين أن يؤخذ من الرجال ١٠ دنانير، والمرأة ٥، والطفل ٢، وخرج البطريرك ومعه أموال كثيرة، لكن لم يدفع إلا ١٠ دنانير، وسير معه رجال لحمايتهم للوصول لصور، وهذا تسامح عظيم من المسلمين، وإلا
فمعظم الأموال أخذوها من المسلمين عند احتلالهم القدس.
قلت: قارن هذا العمل بما عمله الكفار عند احتلالهم قتلوا وغدروا بعد أن أعطوا عهد الأمان وقد تكرر هذا منهم دائماً، وقد سمح لهم بزيارة كنائسهم، بالرغم من أنهم حولوا المسجد الأقصى عند احتلالهم لمسكن واصطبل وغيرهما.
وعندها قام بتجديد المدينة وتحصينها وفتح مدارس بها، ومن المدارس المدرسة الصلاحية وقد ظلت هذه المدرسة، ثم مع الزمن خربت وكان هناك محاولة لإعادتها، لكن توقفت، حتى قام الفرنسيون بطلبها من عبدالمجيد الثاني، مقابل مساعدتهم للعثمانيين في حرب القرم فأعطاهم فحولوها كنيسة -لا أجد تعلقاً
مناسباً لهذا العمل!-، ثم أعادها جمال باشا وحولها كلية إسلامية تحت اسم "كلية صلاح الدين الأيويي الإسلامية" بهدف إنشاء نخبة عربية إسلامية ذات توجه عثماني، وبذلك تكون أول مؤسسة للدراسات العليا في فلسطين، ثم بعد الحرب العالمية الأولى أعطتها بريطانيا للنصارى.
القدس بعد صلاح الدين:
عند ذكر تحرير القدس على يد جيش صلاح الدين يظن الكثير أنه ظل بيد المسلمين حتى احتلته بريطانيا، وهذا غير صحيح، كان في ذلك الزمن هناك مشكلة الحكم لدى المسلمين هذه المشكلة منتشرة خصوصاً في الشام والعراق وما وراءه، وهي أن الشخص يؤسس دولة وتكون دولة قوية، لكن
بمجرد موته تتحول لدويلات إذ لم يكن هناك آلية لانتقال الحكم لمن بعده، فمن يؤسس دولة يبدأ بإعطاء أقاربه وقواده مناطق ليحكموها تحت سلطته، لكن عند موته يستقل كل شخص بما تحت يده ثم يتقاتلون فيما بينهم، حتى يتمكن شخص منهم من السيطرة على كل شيء أو تأتي قوة من الخارج لتسيطر على ملكهم،
وغالباً يكون ملك هؤلاء قد ضعف لكثر القتال فيما بينهم، ولم تكن الدولة الأيوبية بعد صلاح الدين عن هذا ببعيد حيث تحولت هذه الدولة الفتية ومحررة القدس بعد أول حكامها صلاح الدين لدويلات وكل حزب بما لديهم فرحون، فأصبحوا يتقاتلون فيما بينهم وكانت القدس من نصيب
الملك الأفضل علي بن يوسف -صلاح الدين- الذي أنشأ المدرسة الأفضلية ورباطاً للمغاربة اعترافاً لجهودهم في الحرب ضد الصليبيين، حيث أرسل أبو يوسف يعقوب الموحدي ١٨٠ سفينة لمنع وصول الأساطيل الصليبية لنجدة الكفار، ثم بعد الأفضل تولى الملك المعظم عيسى بن أحمد بن أيوب، وقد قام هذا الأحمق
بتدمير سور القدس الذي أجهد المسلمون أنفسهم لبنائه بزعم أن المدينة يحميها السيف وليس السور، ثم جاء بعده أخوه الملك الكامل ولا كمال فيه، بل النقص والخيانة أعطى هذا الملك القدس للإمبراطور فردريك الثاني ملك الكفار على أن يبقى الأقصى بيد المسلمين مقابل أن يعاونه على قتال إخوته وأبناء
عمومته، وألا يبنوا فيها شيء، لكن عندما رأى الكفار انشغال المسلمين بقتال بعضهم بنوا قلعة ونقضوا العهد وهذه عادتهم، وتم تسليمها للكفار عام ٦٢٢ أي بعد ٣٩ سنة فقط من تحريرها على يد جيش صلاح الدين وبقيت محتلة حتى ٦٣٧ عندما استردها الملك الناصر ابن أخ الملك الكامل، لكن عام ٦٤١ سلمها
للكفار مقابل معاونته على قتال ابن عمه ملك مصر نجم الدين، وتمكن نجم الدين سنة ٦٤٢ من تحريرها، ثم ظلت بيد المسلمين حتى سقوط العثمانيين.
أما قصة صراع بني أيوب بين بعضهم:
فقد نشب صراع بين الصالح إسماعيل صاحب دمشق والناصر داود صاحب الكرك وطلب الصالح إسماعيل من الصليبيين مساعدته في مقابل تسليمهم جميع ما فتحه صلاح الدين الايوبي، ثم تطور ذاك الصراع إلى إقامة حلف مناهض للصالح أيوب في مصر، وكان من ضمن ذلك الحلف الناصر
داود صاحب الكرك والصالح إسماعيل صاحب دمشق والملك المنصور إبراهيم صاحب حمص. وإلى هذا الحلف انضم الصليبيون الذين وعدهم الملوك المتحالفون معهم بتسليمهم جزء من مصر بعد هزيمة الصالح أيوب ومنح الصالح إسماعيل الصليبيين صفد وشقيف ونصف صيدا وطبرية وسائر بلاد الساحل، كما سمح لهم بدخول دمشق
وشراء السلاح منها، مما أغضب المسلمين، فأفتى الشيخ عز الدين بن عبد السلام -الملقب بسلطان العلماء، وبائع السلاطين- بتحريم بيع السلاح للصليبيين وقطع الدعاء للصالح إسماعيل في جامع دمشق فعزله الصالح إسماعيل فسار إلى مصر حيث ولاه الصالح أيوب الخطابة بـجامع عمرو بن العاص وقلده قضاء مصر.
وفي سنة 641 هـ تسلم الصليبيون طبرية وعسقلان من الحلف المناهض للصالح أيوب، وتمكنوا من الصخرة بالقدس وجلسوا فوقها يحتسون الخمر وعلقوا جرس على المسجد الأقصى عندئذ كاتب السلطان الصالح أيوب الخوارزمية في بلاد الشرق وطلب منهم الحضور إلى مصر لمعاونته في محاربة الملوك الذين تحالفوا مع
الصليبيين وسلموهم أراضي المسلمين.
وجهز الصالح أيوب جيشاً تحت قيادة الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري أحد مماليكه -هذا غير السلطان المملوكي- وخرج الجيش بقيادة بيبرس إلى غزة حيث انضم للخوارزمية. أما في الشام فقد جهز الصالح إسماعيل عسكر دمشق يقودهم الملك المنصور صاحب حمص. وانضمت
إليه قوات من الكرك والعربان يقودها الظهير بن سنقر الحلبي والوزيري، والقوات الصليبية القادمة من عكا والتي كانت تضم فرسان المعبد (الداوية) والاسباترية وفرسان التيوتون الألمان وفرسان القديس لازاروس وجيش بيت المقدس بقيادة "والتر الرابع" و"ارماند دو بريجورد" و"فيليب منوتفورت"، ورفع
الصليبيون الصلبان فوق رؤوس عسكر الشام وساروا جميعاً بحلفهم نحو مصر والقساوسة يباركونهم
جماد الأولى 642 هـ اصطدم الجمعان في شمال شرقي غزة في معركة هربيا، وكان الصليبيون في ميمنة جيش الشام بأكبر جيش دفعوا به إلى ميدان القتال منذ معركة حطين ، وفي الميسرة عسكر الكرك والعربان، وفي
القلب المنصور صاحب حماة. وهجم الخوارزمية علي العسكر الشامي بينما تصدى المصريون للصليبيين، وانهزم المنصور وفر الوزيري وأسر الظهير الحلبي، واحيط بالصليبيين الذين حصر جيشهم بين الخوارزمية والمصريين ولم يفلت منهم أحداً إلا من تمكن من الفرار، وقدر عدد القتلى من الصليبيين بأكثر من
5000 قتيل ، من بينهم مقدم الداوية ورئيس أساقفة صور وأسقف الرملة، وانهزم الحلف هزيمة منكرة خلال عدة ساعات فقط ، وفر المنصور إلى دمشق. ووصلت بشارة النصر إلى الملك الصالح أيوب في 15 جمادي الأول فزينت القاهرة وقلعتي الجبل والروضة، وسيق الأسرى إلى القاهرة، وكان من بينهم كونت يافا
ومقدم الاسباترية ، وطيف بهم في الشوارع وهم محملين على الجمال. واستخدم الصالح أيوب الأسرى الصليبيين في إكمال تشييد جزيرة الروضة.
أما بيبرس فقد انطلق إلى عسقلان التي حوصرت عن طريقه براً وعن طريق السفن المصرية من البحر ، ودخلت القوات القدس وحررتها- ولم يتمكن الصليبيون منذ ذاك اليوم
الاستيلاء على القدس مرة آخرى، حتى سقطت الدولة العثمانية-كما ضم الخليل وبيت جبرين والأغوار.
القدي في العهد المملوكي:
عند موت نجم الدين الأيوبي تولى بعده ابنه توران لكن حكمه لم يدم إلا ٤٠ يوماً حيث قُتل، ثم جاء عهد المماليك وقد كان حكمهم في فترة حرجة من تاريخ الإسلام فصليبيون
يحاولون السيطرة على مصر والتوسع، ومغول آتين من الشرق لكن بفضل الله قضوا على هذين العدوين، وقد اهتموا بالقدس وأصافوا للأقصى عدة أروقة، وتم ترخيم المسجد والحائط الجنوبي، وجددوا تذهيب قبة الصخرة، وعمروا قناطر الميازين، ومئذنة الأسباط وجددوا منبر برهان الدين، وبنوا عدداً من المدارس،
منها: التنكزية، ودار الحديث، والكريمية، والجاولية، وسُبلا للمياه، وغيرها، وقد حكموا من ٦٥١ إلى ٩٢٣ عندما انهزموا في معركة مرج دابق أمام العثمانيين.
الدولة العثمانية والقدس:
كانت الدولة العثمانية آخر الدول التركية وقد كان الأتراك هم من حكم معظم العالم الإسلامي وتمكنوا منه عندما أتى بهم الخليفة المعتصم بالله وحكمت هذه الدول تقريباً ١٠ قرون، من الدولة الطولونية حتى الدولة العثمانية، وكان بداية ضم القدس في عهد سليم الأول الذي
أنهى حكم المماليك، وقد تصدت للهجمات الصليبية، وقد قسموا الشام ولايات منها ولاية دمشق وتتبعها القدس، ثم تحولت القدس إلى متصرفية يتبعها عدة أقضية كغزة وعسقلان، وارتبطت مباشرة بإسطنبول، وبُني سور لها في عهد سليمان القانوني وهو الذي مازال يحيط بالقدس القديمة، وبُنيت سبل مياه
وجدد قبة الصخرة، وبنوا عدداً من القباب والمحاريب، ورُمم في عهد عبدالمجيد ودام العمل لسنوات، وتم اكتمل البناء في عهد عبدالعزيز الذي قام بأعمال كبيرة لم تعرف منذ عهد الوليد بن عبدالملك، وفي عهد عبدالحميد جُدد السبيل الذي بناه قايتباي وزُود المسجد بالسجاد والثريا، وكُتبت سورة يس في
مسجد قبة الصخرة ووُضع هلال فوق قبة الصخرة ولايزال حتى اليوم، وقد ظلت تحكمه حتى ١٣٣٤.
القدس في عهد عبدالحميد:
موقف السلطان عبدالحميد عن القدس مشهور جداً عندما رفض اغراءات اليهود بمساعدة دولته المثقلة بالديون مقابل السماح لليهود بالإقامة بفلسطين لكنه رفض، وقد أرسل رسالة
لشيخه أبي الشامات بالمجمل يتكلم عن تعرضه لضغوط من جمعية الاتحاد والترقي لقبول وطن لليهود في فلسطين وعندما رفض قرروا خلعه -ومازلت أتسأل لماذا لم يصطدم معهم عندما جاؤوا من سالونيك رغم أن موقفه كان أقوى-، وهذه الرسالة:
ومما يؤخذ عليه أنه عندما زار إمبراطور ألمانيا القدس أعطاه أرضاً فبنى عليها كنيسة.
وقد حدد عبدالحميد لليهود إقامة محددة بالقدس لا تزيد عن ٣ أشهر، وواجه ضغوطات بسبب هذا القرار إلا أنه أصر على إمضائه ، لكن للأسف كان اليهود يبقون أكثر مما حدد لهم بسبب الرشاوى،
وقد تمكن اليهود من التوسع بالقدس بالرشاوى وبسبب الامتيازات للدولة الغربية داخل الدولة العثمانية.
تلخيص لموقف العثمانيين في فلسطين:
١-في عهد سليمان القانوني تم السماح لليهود المطرودين من الأندلس المحتلة الإقامة في الدولة ما عدا فلسطين وسيناء لمعرفته بأهداف اليهود.
٢-عندما هجم نابليون على عكا صده والي عكا، وقد أصدر نابليون بياناً يدعو اليهود للهجرة لفلسطين، وأن يعيدوا مملكتهم المزعومة، وطلب دعمهم.
٣-رفض عبدالمجيد الثاني مشروعاً وضعه اليهودي البريطاني إيرل أوف شافتسبري، وقام بتقديمه للسلطان وزير خارجية بريطانيا.
٤-وأيضاً رفض عبدالمجيد الثاني مشروعاً لتوطين اليهود في فلسطين، وضعه البريطاني لورنس أوليڤييت، وتدخلت أمريكا وضغطت على السلطان لكنه رفض.
٥-في عهد عبدالحميد جرت عدة محاولات لتوطين اليهود في فلسطين، منها:
أ-عندما طرد قيصر روسيا اليهود بسبب مؤمراتهم ضده وضد دولته، تقدم اليهود عبر
منظمة أحياء صهيون بطلب للسلطان للسماح لهم بالهجرة لفلسطين، فأخبرهم بالسماح للإقامة في أي مكان من الدولة ما عدا فلسطين، وعندما تحدث معه سفير أمريكا قال: إنني لن أسمح لليهود بالاستقرار في فلسطين ما دامت الخلافة العثمانية.
لكن مع ذلك تكون أول مكان لليهود، وهي بتاح كفا،
وتكونت ريشون ليتسيون بعد هجرتهم من أوربا الشرقية و هاتان المغتصبتان من أكبر تجمعات اليهود في فلسطين اليوم، ثم صدر قرار عثماني وحدد مكوث اليهود لأغراض دينية ثلاثة أشهر ثم عليهم المغادرة.
ب-ثم جاءت مجموعة يهود ألمان بقيادة فريدمان واستقروا في الساحل الشرقي لخليج العقبة في المويلح
والوجه التابعة لمصر في عهد الخديوي عباس حلمي، ولما علم عبدالحميد أصدر قراراً بإعادة المنطقة للسيادة العثمانية، وأرسل قوة أجبرت اليهود للعودة من حيث أتوا، وأصدر قراراً بمنع بيع الأراضي في فلسطين لليهود غير العثمانيين.
ج-حاول هرتزل مقابلة السلطان عبدالحميد وتوسط لذلك جاويد بك -من مسلمي يهود الدونمة- وعرض عشرين مليون جنيه ذهباً كمنحة فورية، لكن السلطان رفض المنحة ورفض مقابلة هرتزل.
د-عندما نشبت الحرب العثمانية اليونانية كانت خزينة الدولة تعاني من عجز،فعرض هرتزل مبالغ ضخمة بواسطة السفير في فيينا
لكن السلطان رفض.
قرر هرتزل في مؤتمر بازل بسويسرا أن الهجرة لفلسطين لا يمكن أن تتم إلا في إحدى حالتين: الأولى: أن تتراجع الدولة العثمانية عن موقفها الرافض للهجرة.
الثاني: القضاء على الدولة العثمانية إذا استمرت في رفضها، وهذا ما حدث.
هـ-أصدر عبدالحميد قراراً جاء فيه "لا يسمح لليهودي الأجنبي من أية تابعية غير التابعية العثمانية بزيارة فلسطين إلا بقصد الزيارة الدينية فقط، شريطة أن لا تتعدى إقامته في فلسطين أكثر من ثلاثين يوماً، وكل من لا يغادر فلسطين بعد انقضاء هذه المدة فسيتم طرده بالقوة".
ز-حاول هرتزل مقابلة السلطان مرة أخرى فلما رفض عرض عليه تسديد ديون الدولة مقابل السماح لهم بالمجيء لفلسطين، لكنه رفض وقال مقولته المشهورة، ورغم ذلك بدأت الهجرة في عهده، بسبب صعف الدولة والرشوة.
آثار العثمانيين في القدس:
وقد وصفها أوليا شلبي في عام ١٠٨١: "القدس بلد عظيمة -ثم وصف الطبيعة وأجواءها وقال- إنها مهوى أفئدة الكثيرين من الناس، لا من حيث قدسيتها فحسب، بل من حيث اقتصادياتها ووفرة محصولاتها...".
وقدر سكانها بأنهم ٤٦ ألف أكثرهم من العرب، ووصف لبس الرجال وهو الخوج
والقنباز والجلالي والعباءة، ونساؤهم يلبسن على رؤوسهن طاقيات مصنوعة من الذهب أو الفضة، ويتلففن بالملايات البيض ويلبسن الجزم.
وأنها تحوي ستة حمامات عامة، وثمانية عشر سبيلاً للماء، وفيها صهاريج كثيرة لحفظ الماء، وسبع دور لعلم الحديث، وعشر للقرآن، وأربعين مدرسة، وسبعين تكية،
٢٥٤٠ دكاناً، ومسؤول السوق يسمى آغا، ومن واجباته يحفظ سجلاً بأسماء التجار وأصحاب الدكاكين، ويراقبهم حتى لا يقع الغش.
أعداد اليهود:
لقد كان عدد اليهود خلال قرون لايتجاوز المئات أقل من ٧٠٠، لكن بعد ضغوطات الغرب على العثمانيين تزايد عددهم حتى وصلوا عام ١٢٦٢
١٢ ألفاً، ثم عام ١٢٩٨ ١٤ ألفاً ، ثم وصلوا عام ١٣٠٧ ٤٧ ألفاً، ثم عام ١٣١٧ ٥٠ ألفاً، وعند عزل السلطان عبدالحميد تزايدوا حتى بلغوا عام ١٣٣١
٨٥ ألفاً، لكن مع الحرب العالمية تناقص عددهم حتى وصل ٥٦ ألفاً، ومع نهاية الحرب زاد عددهم عام ١٣٣٩ إلى ٨٣ ألفاً وساعدهم على ذلك وعد بلفور.
اختراق اليهود للكنيسة:
رغم ما يقول اليهود أنهم عما فعلوه بعيسى عليه السلام، ورغم ماهو موجود عند النصارى في الإنجيل مما فعل اليهود
بالمسيح عليه السلام إلا أن اليهود اخترقوا الكنيسة وتمكنوا منها، فنجد في التلمود: "يسوع المسيح ارتد عن دين اليهود وعبد الأوثان، وكل مسيحي لم يتهود فهو وثني عدو لله ولليهود".
وقالوا: "يسوع الناصري موجود في لجات الجحيم بين الزفت والقطران، وأمه مريم ****** -لعن الله اليهود-...
والكنائس المسيحية بمقام القاذورات، والواعظون فيها كلاب نابحة، والخارجون عن دين اليهود خنازير نجسة، وقتل النصارى من الأفعال التي يكافئ الله عليها، وإذا لم يتمكن اليهود من هلاكهم فواجب عليه أن يفعل ذلك في أي وقت وعلى أي وجه، وعلى اليهود أن يعاملوا النصارى كحيوانات دنيئة غير عاقلة".
رغم كل هذا فقد تسلل اليهود للكنيسة واستطاعوا تغيير معتقاداتهم حتى تحول كثير من البروستانت إلى متعصبين لليهود، وفرضوا على الكنيسة تبرئة اليهود من دم المسيح مناقضين ماجاء في إنجيل متى من أن دم المسيح عليهم -أي اليهود- وعلى أولادهم إلى أبد الأبدين.
كالڤن اليهودي
يتزعم الإصلاح الديني المسيحي:
فقد استطاع كالڤن التظاهر بالدخول في المسيحية، وأن يقوم بإصلاح ديني في هولندا وسويسرا ووسط أوربا، ثم أكمل العمل مارتن لوثر وكون المذهب البروستانتي ونشر كتابه "عيسى ولد يهودياً"، وقال فيه "إن الروح القدس أنزل كل أسفار الكتاب المقدس عن
طريق اليهود وحدهم، إن اليهود هم أبناء الله ، ونحن الضيوف الغرباء، لذلك علينا بأن نكون كالكلاب التي تأكل مما يتساقط من فتات مائدة أسيادها كالمرأة الكنعانية تماماً".
وقصة المرأة الكنعانية أنها جاءت للمسيح ليشفي ابنتها المجنونة فلم يرد عليها "فتقدم تلاميذه وطلبوا إليه قائلين:
اصرفها لأنها تصيح وراءنا فأجاب: لم أُرسل إلا لخراف بيت إسرائيل الضالة، فأتت وسجدت له قائلة: ياسيد أعني، قال: ليس حسناً أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب، فقالت: نعم ياسيد، والكلاب أيضاً تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها، حينئذٍ أجاب يسوع: يا امرأة عظيم إيمانك، ليكن لك
ماتريدين، فشفيت ابنتها من تلك الساعة.
ثم إن مارتن لوثر عرف كيد اليهود وكذبهم، فأصدر بعد ٢١ عاماً من صدور كتابه الأول كتاباً جديداً بعنوان "فيما يتعلق باليهود وأكاذيبهم" إلا أن هذا الكتاب الأخير لقي إهمالاً من قِبَل أنصاره واستمروا ينشرون كتابه الأول ويخفون كتابه الأخير، وقد
أصدرت الجماعات اللوثرية -المنتسبة لمارتن لوثر- إدانتها لكتابه الأخير وتبرؤها منه وتمسكها بالكتاب الأول، وقد لاقى هذا الكتاب عناية وطباعة لم يعرفه كتاب مثله عدا الكتاب المقدس، وقد أصدر الاتحاد العالم للوثريين القرن الماضي بياناً من استوكهولم جاء فيه عدم التزام اللوثريين بكل
ما أصدره لوثر بشأن اليهود، وفي نفس العام اجتمع رؤساء الكنائس اللوثرية الأمريكية في سانت لويس، وأعلنوا أسفهم للملاحظات المتطرفة التي أبداها لوثر نحو اليهود وتبرؤهم من تلك الملاحظات.
العقائد البروتستانتية:
وتؤكد عقائدهم على:
١-أن اليهود شعب الله المختار، وهم أبناؤه وأحباؤه.
٢-أن الله أعطى اليهود بواسطة آبائهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب عهداً أبدياً ثابتاً في أرض كنعان -فلسطين ومعلوم أنهم يقولون من النيل للفرات-.
٣-ويؤمنون أن المسيح لن يعود إلى الأرض مرة ثانية ليحكم الألفية السعيدة والأخيرة إلا بتحقيق ثلاثة شروط، هي: عودة بني إسرائيل لفلسطين، واستيلاؤهم عليها. والثاني: استيلاؤهم على أورشليم. والثالث:إعادة بناء الهيكل.
الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة والأرثروذكسية:
كانت هاتان الكنيستان تؤكدان على أن عهد الله مع بني إسرائيل انتهى؛ لأنهم رفضوا المسيح وكذبوه وقتلوه -حسب زعمهم-، وأن العهد الجديد هو لكل من آمن بالمسيح، وأن المسيح نفسه قد أكد خراب أورشليم، وهدم الهيكل، وطرد اليهود، عقوبة لهم على
مافعلوه من جرائم ، وأن النبوءات الموجودة في أسفار العهد القديم، مثل: حزقيال وأرميا ويوئيل، والتي تتحدث عن عودة اليهود لفلسطين وبناء الهيكل قد تحققت قبل زمن المسيح، وذلك بعودتهم من بابل على يد قورش، وبناء الهيكل الثاني، لذلك فإنهم أورشليم هي مدينة الله، ومدينة
المؤمنين -حسب زعمهم- بالمسيح المخلص، وأن فلسطين كلها إرث المسيحيين، وهو ما نشره القديس أوغسطين -وهو من كبار النصارى وممن تقدسه الكنائس-.
ولقد حاول البريطاني ماركس سايكس -نعم هو الكلب نفسه المرتبط اسمه مع بيكو- وقد كان كاثوليكياً متعصباً لليهود حاول أن يرتب مقابلة بين
البابا بيوس العاشر وهرتزل حتى يساند البابا اليهود لجعل فلسطين وطناً لهم، لكن البابا رفض بشدة، وأن فلسطين ليست لليهود لرفضهم المسيح، وقد استمر موقف الكنيسة حتى ماقبل نصف قرن تقريباً عندما تم تبرئة اليهود من صلب المسيح.
الإصلاح الديني يعيد لليهود دورهم شعب الله المختار:
لكن الإصلاح الديني على يد البروستانت غير هذه المفاهيم وتنكرت لها وقرروا أن اليهود هم شعب الله المختار، وأن عودتهم إلى أورشليم وفلسطين المذكورة في الأسفار القديمة ليست متعلقة بعودتهم من بابل، وإنما بعدوتهم اليوم لفلسطين، وأن هذه
العودة ضرورية لمجيء المسيح، وقيام مملكته الألفية الأخيرة السعيدة.
ولهذا صار العهد القديم المرجع الأعلى لفهم العقيدة المسيحية وبلورتها عند جميع الفرق البروستانتية، على عكس ما كانت تقوله الكاثوليكية والأرثوذكسية وجميع كنائس الشرق، بل وصل الأمر لدى البروستانت إلى اعتبار العبرية هي
اللغة المقدسة، وهي اللغة التي خاطب بها الله عبر أنبيائه شعبه المختار، ولذا صارت هي اللغة المعتمدة للدراسات الدينية، بل إن البروستانت الأوائل إلى أمريكا الشمالية أعطوا أبناءهم أسماء عبرية، وفرضوا تعلم العبرية في مدارسهم، وكانت أول درجة "دكتوراه" تمنح في جامعة هارڤارد
بعنوان "اللغة العبرية هي اللغة الأم" وأول كتاب صدر في أمريكا الشمالية سِفر المزامير، وأول مجلة كانت مجلة اليهودي، وكان هؤلاء البروستانت يتخيلون أنفسهم، وكأنهم من بني إسرائيل قي أمرهم الرب باحتلال أرض كنعان وإبادة سكانها، وأسقطوا ذلك على السكان الأصليين، وحسب دائرة المعارف
البريطانية فقد أبادوا على مدى قرنين أكثر من مئة مليون من الأمريكتين، وكان الحال في الشمال أشد مما هو في الوسط والجنوب حيث اعتمد الإسبان والبرتغال على سياسة التنصير بالقوة، فمن تنصر نجا، بعكس البروستانت الذين اعتمدوا على سياسة الإبادة بصرف النظر عن دينهم برغم من تنصر بعضهم.
مهاجمة الإنجيل وتسفيه كلام عيسى ضد اليهود:
كتب الفيلسوف الهولندي هوغر غروبتوس يدافع عن اليهود ويسفه ما ورد في الإنجيل على لسان عيسى من سب لليهود والفريسيين والكتبة، ونشر ذلك في كتابه "حقيقية الدين للمسيحي" وأبرز الجوامع المشتركة بين اليهودية والمسيحية الجديدة وعندما انفصل
هنري الثامن عن كنيسة روما بسبب تعدد زواجه، وقيام البابا بطرده وطرد نسله إلى الأبد من ملكوت الله ، تحولت إنجلترا
إلى البروستانتية، وتجذرت علاقة إنجلترا باليهود.
وأصدر عالم اللاهوت اليهودي البريطاني توماس برايتمان كتابه عن أحداث آخر الزمان، والتي سيظهر فيها مسيح الرب ويحكم العالم
لألف عام -يشير للأحداث التي وردت بشكل غامض في سِفر الرؤيا- وقال فيه: إن الله يريد عودة اليهود إلى فلسطين، وأن يحكموا أورشليم، ويعيدوا الهيكل حتى يتمكن مسيح الرب من الظهور ليصبح سيد العالم ويحكمه لمدة ألف عام.
وظهر بعد ذلك هنري فنش صاحب كتاب "العودة الكبرى للعالم" قال فيه:
ليس اليهود قلة مبعثرة، بل إنهم أمة، وستعود هذه الأمة إلى وطنها فلسطين وسيعيشون في وطنهم إلى الأبد.
قلت: هذان الكاتبان عاشا قبل ٥٠٠ عام وهذه الأفكار موجودة من ذلك الوقت، ثم يأتي من يظن أنه يمكن إخراج اليهود من فلسطين بالمفاوضات الورقية!.
وبالنسبة للمسيح: يعتقد اليهود أنه سيأتي
في آخر الزمان ويحكمون العالم به من عاصمتهم أورشليم، وأنه سيحكم بالحديد والنار ويقتل جميع أعدائه، وله سيف من ذهب وتاج مرصع بالجواهر، وأن عيسى عليه السلام كذاب ادعى أنه المسيح.
بينما يعتقد النصارى أن عيسى هو المخلص ابن الله ، وأنه رُفع إلى السماء بعد صلبه ودفنه -يسمى عندهم عيد القيامة أو الفصح- وأنه سوف يعود ويحكم العالم ويدين أعداء المسيح.
المتطهرون "البيروتانيون" يدعون لإقامة دولة اليهود قبل ٣٥٠ عام:
لقد صارت هذه الخزعبلات جزءاً من عقيدة البروستانت ومن جوهر طقوسها، وأدت لاستعمال اللغة العبرية لدى كثيرين في صلاتهم بالكنائس، وإلى تعميد الأطفال بأسماء عبرية، ووصل لمطالبة
مجموعة لفلرز -مجموعة بيروتانية بريطانية- الحكومة بأن تعلن التوراة دستوراً للبلاد.
وتقدم العالمان اللاهوتيان يوحنا وألينزر كارترايت بمذكرة للحكومة البريطانية، طالبا بأن يكون للشعب الإنجليزي والهولندي شرف حمل اليهود على متن سفنهم إلى الأرض التي وعد الله بها أجدادهم إبراهيم وإسحاق
ويعقوب. وذلك قبل أكثر من ٤٠٠ عام.
وعندما قامت ثورة كرومويل، وهي أول ثورة على الملكية في أوربا، وأعلن الجمهورية أعلن تمسكه الشديد بالمفاهيم البروستانتية التطهرية الجديدة -كان رئيساً للمحفل البيروتاني- ودعا في مؤتمر عقده في "الهوايت هول" لعودة اليهود إلى بريطانيا،
وإلغاء قانون الطرد الذي أصدر الملك إدوارد، وتم ذلك وكان كثير من مستشاريه يهود، وكان بجانبه اليهودي مناسخ بن إسرائيل الذي ربط مصالح الصهيونية بالمصالح البريطانية، واستطاع أن يقنع كرومويل بفكرة توطين اليهود في فلسطين؛ لأن ذلك تحقيق لوعد الرب ذاته، وتقريب لعودة المسيح، وفي نفس الوقت
تحقيق لمصالح بريطانيا الاستعمارية التوسعية.
الكالڤينية تغير خريطة أوربا وتُظهر دولاً جديدة:
ومنذ فترة مبكرة غزت الكالفينية ما يسمى بالأراضي الواطنة وسويسرا وأدى ذلك لتكوّن دولة هولنده بعد حروب بينها وبين بلجيكا الكاثوليكية، وتم فصل الدولة إلى دولتين متحاربتين بسبب اختلاف الدين
،وأدى قيام هولندة الكالفينية إلى انتشار البروتستانتية في أوربا، وإلى تغلغل اليهود في هذه المجتمعات وسيطرتهم.
والغريب تأثر فرنسا الكاثوليكية بالبروتستانتية، سبب ذلك حروباً مدمرة، وإلى ظهور عدد من الكتّاب والمفكرين مثل فيليب جنتيل دي لانجلير، والذي دعا لمقايضة السلطان العثماني
مدينة القدس بمدينة روما، تسهيلاً لتوطين اليهود في فلسطين.
وصدرت كتب على نفس التوجه في ألمانيا والسويد والدنمارك.
وقد دعا العالِم الدانماركي هولغر بولي دول أوربا للقيام بحملة صليبية ضد المسلمين وتخليص القدس من أيدي المسلمين -وهذا يفسر قول اللنبي عندما دخل القدس محتلاً-، لا لعودتها
إلى أوربا المسيحية كما كانت تدعو الحملات السابقة، وإنما لإسكان اليهود في أورشليم وفلسطين تحقيقاً لوعد الرب ذاته لإبراهيم وإسحاق ويعقوب، تلك العهود المؤلفة بدم الغرلة وبالمحارق الكثيرة التي قدمها هؤلاء الآباء للرب.
الفلاسفة والأدباء يتغنون بأورشليم اليهودية:
استطاعت الكنيسة الجديدة التغلغل في كافة المجتمع في الدول البروتستانتية، بل وحتى في بعض الدول الكاثوليكية، وبدأ الفلاسفة والأدباء في التغني بأورشليم، ومنهم ميلتون صاحب الفردوس المفقود "إن الله سيشق لليهود طريق البحر ليعودوا إلى وطنهم
فلسطين، كما شق لهم طريق البحر الأحمر ونهر الأردن عندما عاد آباؤهم إلى أرض الميعاد، إنني أتركهم لعناية الله ، وللوقت الذي يختاره من أجل عودتهم".
وهذا تغير واضح في أُربا، وإذا قارنا هذا الموقف بموقف شكسبير نجده مناقضاً له حيث وصف اليهودي شايلوك تاجر البندقية بأقذر الأوصاف، وهي
حقاً تمثل وصف ذلك اليهودي الجشع الذي يمتص دماء من يقرضهم ويحتاجون إليه.
وقد تبع ميلتون عدد كبير من الأدباء والشعراء مثل لورد بايرون، كولريدج، أكسندر پوب، وليم بليك، جين راسين، جاك بوسيه، جورج إليون الذي توقع توقع قيام الاحتلال في روايته دانيال ديروندا، واعتبرها
مثال العدالة والحرية والإخاء.
وتذكر ريجينا الشريف أن عدداً من الفلاسفة مثل باسكال وكانط كانوا يؤمنون بوجوب عودة اليهود إلى فلسطين، وكان إسحاق نيوتن يتحدث عن عودة اليهود إلى وطنهم فلسطين كما أن جاك روسو تحدث في كتابه "إميل" عن اليوم الذي سيملك في اليهود دولتهم الحرة في فلسطين.
نابليون يدعو لإقامة مملكة أورشليم القديمة:
عندما احتل نابليون مصر وجه نداءه إلى يهود العالم للقتال معه من أجل إعادة "مملكة أورشليم القديمة" وتحقيق نبوءات العهد القديم، وإعادة شعب الله المختار لأرض الميعاد، وقد هجم على فلسطين، ثم حاصر عكا، لكن أحسنت المدينة دفاعها ضده،
وفشل في مشروعه.
وبعده بسنوات قليلة تكونت جمعية "لندن لتعزيز العلاقة المسيحية اليهودية" وقام الرئيس الأمريكي جون آدامز بالدعوة لاستعادة اليهود وطنهم المزعوم وعودتهم لفلسطين وإقامة حكومة مستقلة لهم، وتبع بذلك واسطات أمريكية عند السلطان العثماني ليسمح بالعودة لفلسطين.
اللورد شافتسبري واللورد بالمرستون ودعم عودة اليهود إلى فلسطين:
وكانت أول قنصلية بريطانية في القدس قبل ١٨٢ عاماً لترعى شؤون اليهود -على قلتهم آنذاك وليسوا بريطانيين ولكن للتدخل في الدولة العثمانية، وإلا منذ متى والكفار يعلموننا حسن التعامل مع الأديان الأخرى!- وفي العام التالي قام
شافتسبري بدراسة طالب فيها بعودة اليهود إلى أرض الميعاد، وأن اليهود هم الأمل في تجديد الميسحية وعودة المسيح -مع أن إنجيلهم يقول إنهم هم من قتلوه صلباً- وأظهر شعار "وطن بلا شعب لشعب بلا وطن" لأول مرة في التاريخ.
وكان يدعمهم عدداً من السياسيين مثل دوق كنت السياسي غلادستون، وتم
التأكيد في هذه الفترة على الأفكار البروتستانتية التي تدعو إلى عودة اليهود، وإعادة الهيكل حتى تتم عودة المسيح المخلص ليقيم ألفيته الأخيرة السعيدة، وفي نفس الوقت أكد السياسييون أن وجود اليهود في فلسطين يدعم مصالح بريطانيا ويحمي درة التاج البريطاني "الهند"، ويضعف الدولة العثمانية،
ويمنع قيام دولة عربية إسلامية قوية.
وكان وزير الخارجية بالمرستون يؤمن إيماناً قوياً بأفكار شافتسبري، ويعي جيداً دعوة نابليون لليهود لإقامة وطنهم القومي.
ونجد كذلك لويس الرابع عشر قد فكر بهذا المشروع حيث وضع رئيس حكومته جين كولبير تفاصيل المشروع، وتكرر في عهد نابليون الثالث على
يد مستشاره إرنست لاهاران الذي ألّف كتاباً دعا إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وأبرز الجانب الديني والمكاسب الاقتصادية التي ستجنيها أُربا من هذا المشروع.
وعودة لقنصلية بريطانيا بالقدس فقد كان نائب القنصل وليم يونغ صهيونيا مسيحياً متعصباً، وقد كتب تقريراً عن حالتهم وأن عددهم
ضئيل ٩٦٩٠ يهوداً، وحالتهم متردية ويعيشون على المساعدات التي تأتيهم من الخارج.
وهذا الكلام دفع وزير البحرية البريطاني هنري إنس لدعوة أُربا الشمالية وأمريكا للاقتداء بقورش الفارسي، الذي أعاد اليهود من الأسر البابلي لفلسطين، وساعدهم على بناء الهيكل، وقد روّجت الصحافة هذه المذكرة
بعد أن أحالها وزير الخارجية لفكتوريا واستمرت في عرضها، والتعليق عليها والدعوة لها عاماً كاملاً، وبذلك اكتسبت تأيد عامة الشعب والبرلمان.
اليهود يرفضون العودة:
لكن رفض اليهود العودة لعدة أسباب، وهي:
١-لايزالون ضعفاء، ويخشون من ردة فعل المسلمين تجاه هذا العمل الاحتلالي.
٢-تعاليم التلمود تمنعهم من محاولة العودة لفلسطين، وخاصة بعد أن فشلت مجموعة من الثورات منذ عهد باركوبا الذي ادعى أنه المسيح المنتظر، واستطاع
احتلال مناطق عدة من فلسطين لخمس سنوات، حتى أرسل الإنبراطور هدريان جيشاً قضى عليه.
وتقول روث بلاو زوجة أحد كبار الحاخامات في القدس في كتابها "حراس المدينة": "إن الله أمر اليهود بعد نفيهم من أرض كنعان أن لايصعد إليها في جماعات بالقوة مرة أخرى، وأن لا يحاولوا تقصير مدة
الشتات "الدياسبورا" وأن لا يحاولوا العودة قبل مجيء مسيح اليهود، وإذا لم يحافظوا على هذا الإيمان فسوف أبيح صيدكم كما أبحت صيد الغزلان في الغابات... وأن الله سيسحق جميع الأُمم التي ستساعد اليهود على تمرده".
٣-كانت تعاليم أحبار اليهود في التلمود تؤكد أن الذي سيقوم بإعادة اليهود هو
نفسه ملك اليهود "المسيح".
وهذا يفسر الحماس لدى الصهيونية المسيحية لعودة اليهود لفلسطين، وعدم الحماس لدى الصهيونية اليهودية، حتى ظهر هرتزل عندما بدأت الظروف تنضج لهم، والدولة العثمانية تضعف، والمسلمون مشتتون، ورغم ذلك لم تلقَ دعوة هرتزل دعم كافة اليهود، بل ظلت مجموعة على تخوفها من
الحرب والمذابح، ثم بدأوا بالاقتناع، وأنه لامشكلة من إيجاد الدولة قبل قدوم المسيح، فإذا جاء ملكوا العالم وحكموه من أورشليم.
وكان يهود غرب أربا ينعمون بحقوق كثيرة وفتحت لهم كافة الأبواب، حتى وصلوا إلى مناصب مهمة وحساسة،وسيطروا على مقدرات تلك الدول،وخاصة المال، وسيطروا على الإعلام.
بينما في شرق أُربا كانوا يعانون من الاضطهاد بسبب مؤمراتهم المتكررة على الدول، وبسبب فشلهم في اختراق الكنيسة الأرثوذكسية، مما جعلهم يغتالون قيصر روسيا الإسكندر الثاني، وثبوت ذلك عليهم، مما أدى لتشديد الخناق علهم، واضطرارهم للنزوح إلى أُربا الغربية وأمريكا.
لقد دبر اليهود محاولة اغتيال فشلت بواسطة إحدى اليهوديات، وتسبب الفشل بهجرة مليون ونصف يهودي خلال ١٢ سنة، وقيل أن ذلك من أهداف الحركة الصهيونية لتجبر اليهود على الهجرة لفلسطين، لكنهم هاجروا لغرب أُربا وأمريكا، لكن غرب أُربا أغلقت الباب أمامهم لتجبرهم للذهاب لفلسطين،
لكنهم ذهبوا لأمريكا، لهذا في العهد السوفيتي حصرت الحركة الصهيونة الهجرة لفلسطين فقط لاغير، مما تسبب بهجرة مليون يهودي لفلسطين.
السلطان عبدالحميد واليهود:
إن قصته معهم مشهورة عندما حاول هرتزل مقابلته وفشل، ثم قابله في المحاولة الثانية، وعندما عرض الذهب مقابل السماح لهم بالهجرة إلى فلسطين، وكان موقفه ثابتاً بالرفض، لكن استمرت الهجرة اليهودية لفلسطين دون علمه، وذلك بواسطة الرشاوي وغيرها كما مرّ ذكره.
وكانوا يأتون حجاجاً، ثم يمكثون في البلاد، ولذا أصدر السلطان قراراً بطرد كل من يتأخر في الإقامة أكثر من ثلاثة أشهر، ولعبت الرشوة والضغوط الأُربية لمصلحتهم.
قلت: فقدان الدول بُعد النظر لكل مايشكل خطراً على وجودها سيتسبب بسقوطها، فنرى أُربا منذ ثلاثة قرون تدعوا لعودة اليهود لفلسطين
دون أن نرى ردة فعل عثمانية حيال الأمر رغم أن بداية ظهور هذه الدعوات كانت الدولة قوية، ويمكن أن تمنع من صعودها وكان يمكنها القضاء عليها في المهد، لكن لا أعلم هل سبب عدم محاربة هذه الدعوات استخفافاً بها أو عدم دراية، وأظنه عدم دراية، واستمرت الدعوات بالتوسع والقوة حتى كانت أحد
أسباب سقوط الدولة، وزاد الأمر سوءاً أنه عند طرد اليهود لم يكونوا يرجعون من حيث أتوا، بل يذهبون لأماكن قريبة من فلسطين خرجت من يد الدولة مثل مصر، وعلى ذكر مصر كانت لهم مكاتب فيها للدعاية لفكرة الوطن القومي وتشجيع يهود مصر على الهجرة، ومع ذلك لم تكن مصر تمنعهم، والسبب أنها لم تكن
ترى أنهم أخطر شيء على مصر، بل كانت ترى أن الشيوعية هي أخطر شيء على مصر -قصر نظر كما حصل للدولة العثمانية وهو مما تسبب بسقوط مصر الملكية- ولم يتم إغلاق مكاتبهم إلا في وقت متأخر جداً!
لذلك دائماً وأبداً يجب أن يكون "تنظيم الدولة اليهودية في فلسطين" هو العدو الأول بالنسبة لنا مع
عدم إغفال باقي الأخطار؛ لأنه رأس كل الشرور ومنبعها.
لاحظوا تجاهل مصر لليهود ومكاتبهم؛ لأنها ترى أن الشيوعية هي الأخطر ألا يذكركم بقصة مشابهة؟
أولئك الذين يرون أن إيران أخطر من اليهود.
قيل: التاريخ يعيد نفسه مرتين مرة على شكل مأساة، والثانية على شكل مهزلة.
جد تشرشل:
لقد كان جده من الداعمين لليهود، فقد كتب إلى رئيس المجلس اليهودي في لندن يحثه على قبول فكرة عودة اليهود لفلسطين "واستعادة اليهود لوجودهم كشعب في فلسطين أمر ميسور إذا توفر عاملان اثنان: ١-يتولى اليهود أنفسهم موضوع العودة على الصعيد العالمي.
٢-تبادر الدول الأُربية لدعمهم بكل الوسائل لتحقيق هذا الهدف النبيل.
ضعوا خطين تحت "بكل الوسائل".
لورنس أولفانت ومخططه للأراضي:
لقد وضع لورنس في كتابه "أرض جلعاد" مخططاً لشكل مخططات السكن لليهود تبدأ بشرق الأردن وتبلغ مساحتها مليون ونصف فدان، ثم تمتد بعد ذلك إلى فلسطين ذاتها،
أما بالنسبة للمسلمين بها فقد اقترح التخلص منهم بنفس الطريقة التي تم التخلص بها من سكان أمريكا الأصليين، وتجميع من سيبقى منهم في مناطق خاصة محدودة مثلما حدث للسكان الأصليين-وهذا ما يحاولون فعله بالضفة الغربية-، وقد عَهِد رئيس وزراء بريطانيا دزرائيلي -وهو يهودي- ووزير خارجيته إلى
سالزبري إلى ورنس -يهودي- من أجل أن يتفاوض مع السلطان العثماني لموافقته على توطين اليهود في فلسطين.
القس وليم هشلر وتنظيم الهجرة ومساعدة هرتزل:
كان القس وليم والملحق في سفارة بريطانية في النمسة ينظم عملية في ڤيينا من أجل تهجير اليهود الروس لفلسطين، واستمر بقوة بدعم عودة اليهود
على أساس ديني بروتستانتي، وفصّل ذلك في كتابه "عودة اليهود إلى فلسطين".
وقام وليم بترتيب لقاء بين هرتزل مع دوق بادن عم القيصر الألماني ولهلم الثاني، الذي يسّر لقاء هرتزل بالقيصر، وحاول هرتزل أن يقنع القيصر أنه هو قورش الذي أرسله الله لإنقاذ اليهود وإعادتهم لوطنهم، كما فعل
قورش الفارسي، وقد تعمد هرتزل مقابلة القيصر لعلاقته بالسلطان العثماني حتى يضغط عليه.
وهذا لا يقتصر على أُربا ففي أمريكا كانوا يقومون بذات العمل، وفي وقت مبكر اقترح الرئيس جيفرسون أن يكون شعار أمريكا "غيمة في النهار وعمود من نور في الليل" بدلاً من شعار النسر، وذلك توافقاً مع ما
جاء في التوراة في سِفر الخروج من أن الله كان يسير مع بني إسرائيل في التيه ليدلهم على الطريق على هيئة غيمة في النهار وعمود نور في الليل.
القس جريسون:
كانت أمريكا حريصة على احتلال اليهود لفلسطين، فقد قام القس جريسون بالعمل في قنصلية أمريكا في القدس مستشاراً ثم صار القنصل، ومن
فرط حماسة اعتنق اليهودية، وكان نشاطه يدور حول إقامة مكان لليهود في فلسطين، وبالفعل أقام مسرطنة زراعية، ووطَّن فيها مجموعة من اليهود الإنجيليين الصهاينة المتحمسين لفكرته، ثم توالت المسرطنات بتمويل رجال الأعمال في أمريكا منها جبل الأمل غرب يافا.
القس بلاكستون:
وكان بلاكستون قد نشر كتابه "المسيح آتٍ" دعا بقوة لعودة اليهود "حتى يتمكن المسيح المخلص من المجيء من السماء إلى الأرض ليحكمها ألف عام من أورشليم عاصمة الأرض كلها".
وأسس "البعثة العبرية من أجل الوطن" لدعم هذا التوجه، ولا زالت تعمل إلى اليوم
باسم "الزمالة المسيحيانية الأمريكية"، وعملت على جميع تواقيع الشخصيات الأمريكية البارزة لدعم فكرة الوطن اليهودي، وتم رفعها للرئيس الأمريكي بنجامين هاريسون، وأدى ذلك لتبني الحكومة لهذا المطلب، وخاصة أن هجرة اليهود الروس لأمريكا زادت عن حدها،فكان إيجاد وطن لهم يخفف عليها وعلى أُربا.
دور القسس والبعثات التبشيرية الأمريكية:
نشر القس سايروس سكوفيليد إنجيله الخاص الذي يقول فيه: إن دولة اليهود هي مملكة الله في الأرض والكنيسة المسيحية هي مملكة الله في السماء، وأكد على أحقية عودة اليهود إلى وطنهم فلسطين الأرض التي وعدها الله للآباء.
وقد كانت البعثات التبشيرية
الأمريكية منذ انطلاقها نحو المشرق تعمل بجد من أجل التمهيد لتوطين اليهود في فلسطين.
وقد صرح القس ومؤسس جمعية "فلسطين الأمريكية المسيحية" بقوله: إن الإيمان بإقامة مملكة الله على أرض فلسطين بواسطة اليهود هو السمة المميزة للمسيحية الأمريكية عن بقية بلدان العالم"، وبالتالي يجب أن
تتماهى الشخصية الأمريكية البروتستانتية بالشخصية اليهودية العبرانية التي وضحتها تعاليم الكتاب المقدس في أسفار العهد القديم ابتداءً من سِفر التكوين والخروج واللاويين والعدد والتثنية، وانتهاء بسفر حجي وزكريا وملاخي، ومروراً بالقضاة وصموئيل الأول والثاني، وأسفار الملوك...
ويقول الباحث هرتزل فيشمان: "إن الغالبية العظمى من البروتستانتيين الأمريكيين يؤمنون بقدس جديدة تكون على الأرض، وإن الإرساليين البروتستانتيين الذي عملوا في فلسطين كانوا يؤمنون ويبشرون بأن عودة اليهود إلى الوطن القومي وأرض الميعاد تشتمل إقامة دولة يهودية ذات سيادة في فلسطين".
ويقول الأسقف دونالد واجنر: "إن الأصولية المسيحية البريطانية هي المصدر الذي وجد لنفسه موطن قدم في أمريكا، وأن بريطانيا هي مكان نشوء وتطور التماهي مع دولة اليهود التوراتية على مدى القرون الماضية".
ظهور هرتزل:
كان كل ما سبق أشبه ما تكون بالتمهيد لظهور شخصية تيودور هرتزل الهنغاري بنشاطه اليهودي الواسع، الذي عقد في سويسرا مؤتمراً، وفيه تم إنشاء المنظمة الصهيونية التي قررت إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين شاملة شرق الأردن، وقد زاد الضغط على الدولة العثمانية وعملت الرشوة لتهجير
اليهود لفلسطين.
ولقد حدد الؤتمر هدفه الأول بإقامة وطن ودولة للشعب اليهودي في فلسطين يضمنه القانون الدولي-ومازال هناك من يثقو بما يسمى القانون الدولي-، وذلك بإنشاء مستوطنات زراعية وعمالية في فلسطين، وتنظيم الهجرة اليهودية بواسطة المنظمة الصهيونية العالمية، وربط هذه المنظمة
بمجموعات من المنظمات الصهيونية المحلية والدولية التي تتلاءم مع القوانين المتبعة في كل بلد، وتنمية الوعي القومي اليهودي وأخذ موافقة الدول الكبرى لتحقيق إقامة الوطن والدولة.
وقال هرتزل: "إن جوهر المشروع الصهيوني
ومفتاحه الرئيس يتمثل في الاستيلاء على الأرض من أهلها وإعطائها للمهاجرين اليهود".
وكان بن غوريون يقول: إذا لم نوسع مساحة استيطاننا فإن جهودنا السياسية مع بريطانيا بغض النظر عن مدى تأثيرها سوف تقودنا إلى لا شيء.
إن خلق الأمر الواقع هو القوة السياسية الأكثر تأثيراً دائماً".

جاري تحميل الاقتراحات...