ثريد .. بعنوان (ليلة نابغية) -- مقاربة بين ليلين!
#سفر_الخاطر
#سفر_الخاطر
١- تواردُ الشعراء على معنى واحد أو موضوع، أو حركتهم في فضاء واحد، يثري ملكة التحليل لدى القارىء والناقد معًا عند الموازنة، وهنا سأقارب بين ليلين: ليل امرىء القيس وليل النابغة في تناولهما لهذا الظرف الزمني الموقد لذاكرة الشعر.
٢- شُغِل الدارسون بليل امرىء القيس، على امتداده السرمدي، عن ليل النابغة، بنوعيه: المطارد الذي يعكس الرهبة في نفس الشاعر (فإنّك كالليل الذي هو مدركي)، والطويل القاسي بطيء الكواكب، وليس ليل النابغة في فرادته ببعيد عن ليل صاحبه امرىء القيس.
٣- بدأ ليل امرىء القيس بامتداده كموج البحر، وهو ليل المهموم لا ليل الخائف، فكان ليلا متحرّكا رغم أن حركته سرمدية ممتدة، تتلاحق فيه الظلمات كما تتلاحق أمواج البحر.
٤- ويلفتنا في ليل امرىء القيس الزمن النفسي حيث لم يعد ليلا طبيعيا له بداية ونهاية، إنما هو ليل متداخل يأتي آخره قبل أوّله،بحيث تتداخل أجزاؤه في مخيلة الشاعر، ولهذا جعله جاثما كالجمل الذي يبدأ بوسطه(صلبه) ثم آخره (أعجازه) ليعود من البدء(كلكله) في إشارة إلى هذا الامتداد السرمدي!
٥- وتبلغ ذروة الليل، عند الشاعر، في ثبات حركة الليل وتوقّفه عن المسير، حين تشدّ نجومه بجبل راسٍ لا يتزحزح:
فيا لك من ليلٍ كأنَّ نجومه
بكل مغار الفتل شدَّت بيذبل!
مع ذلك نلمح هنا وميض حركة بطيئة تشي بها النجوم في وميضها المشدود إلى الجبل.
فيا لك من ليلٍ كأنَّ نجومه
بكل مغار الفتل شدَّت بيذبل!
مع ذلك نلمح هنا وميض حركة بطيئة تشي بها النجوم في وميضها المشدود إلى الجبل.
٦- في المقابل نجد عند النابغة ليلا آخر شبيه بليل امرىء القيس، هو ليل همّه الذي استهلّ به بائيّته:
كليني لهمٍّ يا أُميمة ناصبِ
وليل أقاسيه بطىء الكواكب!
كليني لهمٍّ يا أُميمة ناصبِ
وليل أقاسيه بطىء الكواكب!
٧- يبدأ ليل النابغة بهذا البطء القاسي، حيث تتحرّك الكواكب باتجاه الصباح بطيئة، وقد هيَّأ الشاعر بهذا البطء لصورة بديعةٍ فارقة، أعترف أنّي لم أفطن لها إلا بعد تأمّل ومراجعة نظر، ثم تبيّن لي أنّ شرّاح ديوان النابغة أشاروا إليها!
pulpit.alwatanvoice.com
pulpit.alwatanvoice.com
٨- تلكم هي الصورة التي تطالعنا في البيت الثاني:
تطاول حتى قلتُ: ليس بمنقضٍ
وليس الذي يرعى النجومَ بآيب!
أين تكمن فرادة الصورة وسرياليّتها يا تُرى؟
تطاول حتى قلتُ: ليس بمنقضٍ
وليس الذي يرعى النجومَ بآيب!
أين تكمن فرادة الصورة وسرياليّتها يا تُرى؟
٩- قبل ذلك، أعترف أني كنت أقرأ هذا البيت في سياق تساؤل: متى ينتهي الصباح في نظر من يرعى النجوم؟ أي يرقبها بصبر نافد.
والسرّ كله، في نظري، يكمن في الفعل "يرعى"، ما دلالته في سياق البيت؟
والسرّ كله، في نظري، يكمن في الفعل "يرعى"، ما دلالته في سياق البيت؟
١٠- إن قلت: من الرعاية، فيحتمل مدبّر الكون الذي يتمنّى عليه الشاعر أن يقضي بنهاية الليل بأفول نجومه، كما يحتمل التجريد، أي أن الشاعر يتحدّث عن نفسه وهو يرعى النجوم: يرقبها بيأس أن يعود إلى الصباح، أي يؤوب إلى بدء يومه من جديد.
١١- تلكما كانتا قراءتين محتملتين وقريبتين من النظر، على الأقل بالنسبة لي، حين كنت أقرأ هذا البيت في عبور سريع وبنظرةٍ عجلى!
١٢- أما ما تجدّد لي بعد إعادة النظر في الفعل"يرعى" وربطه بالسياق الداخلي والخارجي للبيت، فهو أن هذه الصورة لا تبعد عن جماليّة صورة امرىء القيس الذي شدّ وثاق النجوم، وأراها أكثر حركة وأبعد منزعًا في التخييل الشعري.
١٣- فالفعل "يرعى" هنا من الرعي، لا الرعاية، وربط ذلك بالبيت الأول يعزز الصورة، حيث تبدو الكواكب بطيئة الحركة، وكأنما تسير في فضاء فسيح، شبيه بحركة الماشية في فضاء الصحراء، حركة تمضغ السأم!
١٤- بذلك تكون الصورة في البيت الثاني:
تطاول حتى قلت ليس بمنقضٍ
وليس الذي يرعى النجوم بآيب!
صورة راع يسوق النجوم في مرعى فسيح، فهي صورة بديعة تبدو فيها النجوم أشبه بقطيع لا ينوي راعيه العودة!
وليس بالضرورة تحديد الراعي هنا بأنه الصباح، كما ألمح ابن رشيق. المهم هو المشهد الماثل!
تطاول حتى قلت ليس بمنقضٍ
وليس الذي يرعى النجوم بآيب!
صورة راع يسوق النجوم في مرعى فسيح، فهي صورة بديعة تبدو فيها النجوم أشبه بقطيع لا ينوي راعيه العودة!
وليس بالضرورة تحديد الراعي هنا بأنه الصباح، كما ألمح ابن رشيق. المهم هو المشهد الماثل!
١٥- وعلى افتراض أنّ الراعي هو الصباح كما ألمح إلى ذلك ابن رشيق، فالنجوم هنا ماشية سائمة في الليل تنتظر راعيها الذي سيضعها في حظيرة النهار، فتزداد بذلك طرافة الصورة وفرادتها.
١٦- وهنا تظهر فرادة الصورة على هذا التأويل، الذي يكشف عن دلالة الفعل مع ربطه ببطء الكواكب وسير النجوم في السياق الداخلي، وحياة العرب وانتجاعهم الرعي في السياق الخارجي، مع التأكيد على أن الشاعر العربي قديما كان يرى في سمائه ظلال صحرائه.
١٧- وعود على البدء، يبقى ليل امرىء القيس هو الزمن الأوّل الذي يقبس الشعراء منه، إلى يومنا هذا، شجاهم وشجنهم، لتتحق نبوءته بصورة شعرية في أنّه ليل كموج البحر أرخى سدوله على عالم الشعراء بكل أنواع الهموم، وهو ما يؤكد وصف عمر رضي الله عنه له بأنّه خسف للشعراء عين الشعر.
١٨- *الليلة النابغية كناية عن طول الليل، ويبدو هنا أن هذه الكناية التي سارت على الألسنة أنصفت النابغة ومنحته اعتبارا في مقابل هيمنة امرىء القيس على الزمن الأوّل المعتبر في ذاكرة الشعر.
انتهى.
انتهى.
جاري تحميل الاقتراحات...