سليم البلوي
سليم البلوي

@SaleemAlhuraim

42 تغريدة 148 قراءة Apr 19, 2020
اسمي جون آدامز ،أنا الوحيد الباقي على قيد الحياة ممن تبحثون عنهم"
تلك كانت خاتمة قصة من أغرب القصص في التاريخ
"التمرد على متن السفينة باونتي Mutiny on the Bounty”
سلسة تغريدات
#تاريخ
عندما قرر تسعة رجال بحارة التمرد على قبطانهم المتسلط ويليام بلاي ، آملين بحكاية جميلة ونهاية سعيدة ، لكن رحلتهم تحولت إلى قصة عجيبة من التيه والتخفي في غياهب المحيط الهاديء استمرت 19 عاماً وتلطخت فصولها بالقتل والاغتيال والخيانة والخطف والاستعباد
-2
أبحرت السفينة باونتي من ميناء سبتهيد البريطاني عام 1787م يقودها القبطان الخبير والمعروف بصرامته وحدته ، ويليام بلاي وتضم في طاقمها بحاراً شاباً عمره 25 سنةً من عائلة من النبلاء فضل حياة البحر على دراسة القانون والعمل كمحامٍ كما أرادت عائلته ، اسمه فلتشر كريستيان
-3
كانت الرحلة تستهدف جمع محصول فاكهة الخبز Breadfruit من جزر تاهيتي ونقله إلى جزر الهندالغربية في المحيط الأطلسي لدعم المستعمرات البريطانية هناك .
كان ويليام بلاي قبطاناً خبيراً اكتسب من عمله تحت إشراف البحار الشهير جيمس كوك "مكتشف هاواي وأستراليا ونيوزيلاندا" خبرة واسعة -4
وسمعة كبيرة أهلته للترقي بسرعة في مراتب البحرية الملكية البريطانية .
انضم كريستيان لطاقم السفينة باونتي بتوصية من القبطان بلاي والذي سبق ان عمل معه في رحلتين سابقتين لجزر الهند الغربية ، كان كريستيان من "شبان البحرية النبلاء Young Gentelmen"
-5
وهم مجموعة من البحارة المنتمين لعائلات ثرية او متنفذة يعملون دون أجر على متن السفن لاكتساب الخبرة قبل ترقيتهم لرتبة ضابط بحري . وعادة ما كان يتم التعامل معهم بطريقة استثنائية نظرًا لموقعهم الاجتماعي
-6
انطلقت السفينة من ميناء سبتهيد الإنجليزي في 23 ديسمبر 1787 م وعلى متنها 44 بحاراً وعالمان في النباتات متجهة عبر المحيط الأطلسي جنوباً وعابرة رأس الرجاء الصالح نحو المحيط الهندي بدلاً من رأس هورن بعد أن منحته البحرية البريطانية قبل انطلاقه من بريطانيا تصريحاً بذلك
-7
نظرا لخطورة الملاحة عبر المحيط الهاديء في تلك الأشهر.
أذكر هنا أن تسمية المحيط الهاديءPacific Ocean بواسطة البحار الشهير فرناندو ماجلان كانت نتاج رحلته المحظوظة بالهدوء وسط المحيط رغم ان أغلبية البحارة من بعده أدركوا ان المحيط الهاديء على وجه التحديد يشهد بعضاً من أقسى العواصف
-8
بجانب احتوائه على أحزمة بركانية ضخمة تحدث زلازل كبيرة وموجات تسونامي ضخمة .
وصلت السفينة باونتي إلى رأس الرجاء الصالح بعد أربعة أشهر من مغادرتها بريطانيا ، وبعد راحة استمرت خمسة أسابيع انطلقت السفينة بداية يوليو 1788 م في سيرها شرقاً نحو جزيرة تسمانيا "جنوب استراليا" -9
حيث التوقف الثاني لها ووصلت منتصف اغسطس قبل أن تصل في اكتوبر إلى وجهتها النهائية جزيرة تاهيتي في المحيط الهاديء .
أمضت السفينة 6 أشهر فيها جزيرة تاهيتي ، تقابل خلالها القبطان بلاي مع ملك تاهيتي بيوماري الأول ، وكان القبطان قد سبق له زيارة الجزيرة مع كوك قبل 15 عاماً -10
، تم خلال تلك الفترة جمع محصول كبير من فاكهة الخبز وحملها على السفينة للإقلاع مجددًا.
خلال فترة وجودهم في تاهيتي “اكتوبر 1788-ابريل 1789” ، تدهورت العلاقة بين القبطان بلاي وعدد من أفراد الطاقم على رأسهم كريستيان ، فنتيجة لسلوكيات بعض البحارة من جهة كما دون بلاي ومنها إهمالهم
-11
للعمل وانغماسهم في الملذات وتضييعهم لبعض المعدات البحرية المهمة بجانب اصابتهم بأمراض جنسية متنقلة ، أدى ذلك لعدد من المواجهات بينه وبين الطاقم ، ما دفع بلاي لإيقاع عقوبات جسيمة في حق البعض منهم ومنها الجلد بالسوط بجانب التقريع والإهانة حتى أمام السكان الأصليين لتاهيتي ما تسبب-12
في تعميق حجم الجفوة والخلاف . وكان لطبيب السفينة نصيبه من العقوبات بعد أن توفي أحد البحارة نتيجة مضاعفات مرض الربو متهماً "أي بلاي" الطبيب بالتسبب في وفاته . ومما فعله القبطان بلاي اجبار جميع البحارة على الكشف جسديًا لتبيان مدى اصابتهم بمرض الزهري .
-13
يذكر القبطان في مذكراته في تلك الفترة وقبل حصول التمرد أن "هذه السفينة تحمل على متنها عددا من البحارة المستهترين والكسولين أكثر من أي سفينة بريطانية أخرى"
تدهورت الأمور بشكل أكبر حين وصولهم للجزر الصديقة "تونجا حالياً" في 22 ابريل 1789 م حين أمر بلاي عددا من البحارة
-14
ومن بينهم كريستيان بالنزول للجزيرة للتموين وجلب المياه دون حمل أسلحة ، ما عرضهم لإصابات من طرف السكان المحليين ، وأتت القشة التي قصمت ظهر البعير حين اتهم بلاي كريستيان بسرقة جوز الهند من خزانة القبطان الخاصة . أثار الاتهام بالسرقة حفيظة كريستيان وعدد من رفاقه البحارة النبلاء-15
النبلاء "Young Gentelmen” وهم جورج ستيوارت وإدوارد يونج ، خصوصا مع معاقبتهم بتخفيض حصصهم من الغذاء والكحول إلى النصف.
قرر كريستيان ورفاقه التحرك ليلة 28 ابريل ،بعد ان انضم اليه عدد من البحارة اثر نقاشات سرية مسبقة استقطب من خلالها البحارة الذين ابدوا امتعاضا من سلوكيات القبطان-16
وكانوا يشكلون تقريبا نصف عدد البحارة الكلي،تم في ظلام الليل الاستيلاء على غرفة الأسلحة واعتقال القبطان من غرفته مع معاونيه وتقييدهم على سطح السفينة وسط ذهول النصف الآخر من بحارة السفينة .
قرر كريستيان مع رفاقه إنزال أكبر قوارب السفينة للبحر وإنزال القبطان ومعاونيه مع من يؤيدهم-17
على ظهر ذلك المركب وتحت تهديد السلاح ، مع السماح لهم بأخذ متعلقاتهم الشخصية وخريطة وبوصلة ومؤونة خمسة أيام من الغذاء والماء ، استثنى كريستيان ثلاثة بحارة من أنصار القبطان وأجبرهم على البقاء معه نظرا لكونهم مختصين في النجارة والحدادة .مجموعة كريستيان اصبح قوامها 25 فرداً مقابل-18
مقابل 19 شخصا تم إجبارهم على النزول للقارب وعلى رأسهم القبطان بلاي .
توجه القبطان بلاي ورفاقه إلى جزيرة تونجاتابو طلباً للمؤونة ، لكن هجوم السكان المحليين ومقتل أحد البحارة أجبر بلاي ورفاقه على الهرب سريعاً ، اتفق الجميع على تجنب تكرار ذلك في بيئة معادية من السكان المحليين-19
والتوجه مباشرة نحو مستعمرة توبانغ الهولندية في جزيرة تيمور على بعد 6500 كم ، الثمن كان باهظاًً ويحمل مخاطرة جسيمة ولكن متفقاً عليه بجميع الأصوات : تخفيض الحصص الغذائية لتكون 30 غراماً من الخبز و ربع بانت من المياه "130 مللتر" لكل فرد يومياً .
-20
الأخضر هو خط سيرهم
في طريقهم كان بلاي ورفاقه اول أوربيين في التاريخ يمرون عبر جزر فيجي ، وكانوا محظوظين حين جرفتهم الرياح العاتية نحو جزيرة نائية أقصى شمال استراليا حيث استطاعوا صيد المحار والرخويات قبل الهروب مجددا للبحر بعد أن لاحظهم بعض السكان الأصليين ، وكان لا يزال أمامهم حوالي 2000 كم -21
أمضى بلاي ورفاقه 8 أيام أخرى عابرين المضائق الفاصلة بين استراليا من جهة و بابوا غينيا وجزر الهند الشرقية "إندونيسيا حالياً" من جهة أخرى ، كانوا على وشك الانهيار قبل أن تأتيهم البشرى : طيور في السماء ! لا بد من برية قريبة ! وكانت جزيرة تيمور حيث وصلوا إلى ميناء كوبانغ هناك .
-22
لم تنته معاناتهم عند هذا الحد ، إذ داهمت الأمراض رفاق بلاي في ارتحالهم من تيمور إلى باتاڤيا "جاكرتا حالياً" ، فلم ينج الا القبطان بلاي وسكرتيره وخادمه الخاص حيث عادوا لبلادهم في مارس 1790 م ، في حين توفي البقية قبل أن تكتحل أعينهم برؤية وطنهم من جديد .
-23
نعود الان لكريستيان ورفاقه إثر استيلائهم على السفينة حيث
وضع كريستيان مخططه القائم على التالي :
- البحث عن مهرب بعيداً عن أنظار البحرية البريطانية
- تجنب استيطان جزيرة هايتي لعلاقتها بالبحرية البريطانية
- البحث عن جزيرة يمكن الدفاع عنها او لا تستدل بريطانيا عليها في الخرائط
-24
وقع الاختيار على جزيرة توبوا "830 كم جنوب تاهيتي" نظرًا لإحاطتها بخندق مرجاني ضخم يحميها من السفن ، وصل كريستيان ورفاقه إلى الجزيرة وأعجبهم موقعها ومواردها ووفرة مياهها ، لكن السكان الأصليين لم يرحبوا بهم ، وسرعان ما تحول التوتر لاشتباكات مسلحة -25
ما أدى إلى وقوع مذبحة أدت لمقتل 66 من السكان الأصليين على يد كريستيان ورفاقه الذين أحكموا تالياً سيطرتهم على الجزيرة بعد مهادنة ما بقي من سكانها . الخطوة التالية كانت بناء حصن منيع بالجزيرة ، لكن من أين تأتي المواد والعمالة ؟ الجواب هو تاهيتي !
-26
توجه كريستيان وعدد من رفاقه إلى تاهيتي ،ادعى أمام حاكم تاهيتي بأن هناك مشروعاً استيطانياً في جزيرة ايتواتاكي Aitutaki يرعاه القبطانان كوك وبلاي أيضا "علاقتهما كانت جيدة بالحاكم" وأنه منتدب منهما لتلقي المساعدات اللازمة ، وعاد كريستيان بحمولة كبيرة من المواد و 30 رجلاً وامرأة
-27
في توبوا كانت النار تستعر تحت رماد ما فعله كريستيان ورفاقه بالسكان الأصليين ، وما ان عاد حتى اندلعت مواجهات دموية شرسة معهم ،ما تسبب في حصول انشقاق في صفوف البحارة ، اذ اجتمعوا لتقرير مصيرهم ، فصوت 9 من بينهم كريستيان على مواصلة الهرب، في حين قرر ال16 المتبقون العودة لتاهيتي
-28
اذ قررت الأكثرية العودة وانهاء المغامرة ، انصاع كريستيان وأنصاره وأبحروا إلى تاهيتي لايصال زملائهم ال16 قبل ان يعاودوا البحث عن جزيرة أخرى . فوجيء البحارة بالاستقبال العدائي من قبل حاكمها والسكان ، اذ اكتشف الحاكم بعد زيارة سفينة بريطانية لجزيرته كذب كريستيان عليهم-29
بخصوص مشروع الاستيطان ، وان القبطان كوك قد توفي منذ 10سنوات "قُتل في هاواي” ، فبادر كريستيان ورفاقه بالهرب بعد إنزال رفاقهم واختطفوا معهم 20 ساكنًا من بينهم 14 امرأة تاهيتية .
كان ذلك في 22 سبتمبر 1789 م
-30
توجه كريستيان ورفاقه شرقاً وسط المحيط ، بحثاً عن جزيرة مجهولة لا يستدل عليها الأسطول البريطاني ، كان كريستيان قد سمع بجزيرة مجهولة الموقع تمت الإشارة اليها عام 1767 م عندما شاهدها بحارة بريطانيون عن بعد ، وفشل القبطان الشهير جيمس كوك في العثور عليها .
-31
بعد اكثر من ثلاثة أشهر وقعت أعينهم على جزيرة بتكارن Pitcairn ، وجد البحارة اسمها في الخرائط البحرية البريطانية ، لكن احداثياتها كانت خاطئة بحيث ان موقعها الصحيح كان على بعد يتجاوز 348 كم شرقاً مما هو في الخرائط ! إذن هي الجزيرة المناسبة !
-32
خط سيرهم بالأصفر،
الأحمر قبل التمرد
كانت بتكارن جزيرة مهجورة غنية بالغذاء والماء والأراضي الخصبة الصالحة للزراعة ، ما ان نزل البحارة ومن معهم حتى أضرموا النار بالسفينة باونتي : هذه الجزيرة هي مستقرنا ونهاية الرحلة !
-33
تزاوج البحارة مع النساء التاهيتيات ، وانجبوا أطفالا متعددين ، ظل الجميع تحت سلطة كريستيان ، لكن مع مرور الوقت تزايد التوتر بين البحارة والتاهيتيين ، نتيجة ممارسات منها الإهانة والإجبار على العمل بجانب عدم توازن نسبة الرجال للنساء بالجزيرة وما قد يؤدي اليه ذلك -34
أيضاً تمكن احد البحارة من تحضير مشروب كحولي من نباتات الجزيرة فانتشر شرب الكحول .
في سبتمبر 1793 تدهورت الأمور بشكل خطير : تآمر التاهيتيون وقتلوا خمسة من البحارة التسعة ، كان كريستيان أحدهم . تطور الأمر لاحقًا بقتل التاهيتيين الستة المتبقين على يد بقية البحارة ، او زوجاتهم .
-35
بحلول 1794 م تبقى أربعة بحارة من بينهم جون آدامز الذي تولى القيادة ورفيقه يونج ، في حين كان البحاران الآخران يعانيان من ادمان الكحول ما أدى لانتحار أحدهما "ماكوي" عام 1798م في حين قُتل الآخر "كوينتال" 1799 م على يد آدامز ويونج نتيجة اعتدائاته المتكررة على النساء والأطفال .
-36
لم يطل الأمر فتوفي يونج في العام التالي 1800 م نتيجة مرض الربو وبقي جون آدامز وحيدا مع تسعة نساء و 19 طفلاً يدير أمورهم بسلام ويعلمهم المسيحية والقراءة والكتابة حتى ظهرت سفينة اميركية على شاطىء الجزيرة عام 1808 م ليذهل بحارتها مما وجدوه أمامهم في أكثر بقاع العالم انعزالًا.
-37
في مسار آخر للقصة ، وعندما بلغت أنباء عملية التمرد مسامع الحكومة البريطانية ، تم تشكيل محكمة عرفية 1790 م لمعاقبة المتمردين وأرسلت البحرية الفرقاطة باندورا Pandora للبحث عن السفينة باونتي والقبض على المتمردين . تم القبض على البحارة ال14 الموجودين في تاهيتي وسوقهم إلى بريطانيا -38
لكن السفينة في طريق عودتها اصطدمت بحاجز مرجاني شمال استراليا وغرق جزء من طاقمها مع أربعة من المتمردين المسجونين . عاد العشرة الباقون لبريطانيا حيث حوكموا وأعدم أربعة منهم في حين تم العفو عن اثنين وتبرئة الأربعة الآخرين
-39
ماذا عن القبطان بلاي ؟ عاد إلى عمله بالبحرية من جديد ، وترقى حتى اصبح حاكم مقاطعة نيو ساوث ويلز في استراليا 1806 م ، لم يطل به الأمر طويلا لتندلع في وجهه ثورة رَم Rum Rebellion ويُخلع من منصبه ليعود إلى بريطانيا حيث توفي 1817 م .
-40
يشكل نسل البحارة التسعة غالبية سكان جزيرة بتكارين والبقية الباقية لقلة من المهاجرين للجزيرة ، وهم لا زالوا يحملون نفس اسماء أجدادهم حتى يومنا ، وقاد جون حفيد كريستيان حملة معارضة للحكومة الاسترالية في محاولتها فرض نظام ضرائبي بالجزيرة
-41
alriyadh.com
تم العفو عن جون آدامز من قبل الحكومة البريطانية ، وقد توفي ودفن بالجزيرة 1829 م
تناولت القصة سلسلة طويلة من الأفلام السينمائية والوثائقيات
أشهرها فيلم Mutiny on the Bounty
انتج عام 1935 م وحاز جائزة الأوسكار لافضل فيلم
أحدث فيلم يعرضها أنتج عام 1984 من بطولة مل جبسون
-42
تمت

جاري تحميل الاقتراحات...