عندما نتحدث عن قضية المرأة، فنحن نتحدث عن تاريخ طويل حافل بالمتغيرات، ومراحل عديدة مرت على البشرية اوصلتها لهذه المرحلة من الحضارة، تبدلت الأخلاقيات من خلالها وتغيرت المبادئ، وماكان أخلاقياً في السابق أصبح الآن من الموبقات.
في عالمنا العربي تعيش المرأة حالياً صراعاً مع كل ما يظلمها وكل ما يقيّد حريتها ويحط من مكانتها، وللأسف أن ذكور العرب وعلى مر التاريخ قد استخدموا الدين لإضفاء القدسية على عاداتهم، ليجعلوا رفضها وانتقادها وكأنه رفض وانتقاد للأوامر الإلهية!
ولقد أدى ذلك الخلط بين الدين والعادات الى نفور نسبة ليست بالقليلة من النساء عن الدين، بحجة أنهم يرون في تشريعاته ظلماً لهن وانتقاصاً من مكانتهن في المجتمع، فهل ظلم الدين النساء حقاً أم أننا يجب أن نفهم الأمور بطريقة أكثر موضوعية؟!
لست هنا لأقول كلاماً مستهلكاً، أو أعيد ما تم تكراره مراراً للرد على من يشككون بعدل الدين، بل أريد أن أقول ما أراه الأقرب للحقيقة ولو لم يعجب اتباع السلف أو المجددين، ولن يموت الحق بالتأكيد وسيعلو ولو بعد حين.
قبل أن نقع في المغالطة التي تقول بأن الإسلام قد ظلم المرأة وأهانها، علينا أن نعود لفترة ما قبل الإسلام، وفي مجتمع النبي تحديداً، وننظر عما اذا كانت المرأة عزيزة بها ثم أهينت من الدين أم أن العكس هو الصحيح؟ سنأخذ مثالاً واحداً لكي لا نطيل، وعلى الباحث عن الحقيقة أن يكمل المسير.
من أهم التشريعات التي يستنكرها النساء ويحتجون بها على تفرقة الإسلام بين الجنسين هي قسمة الميراث: "للذكر مثل حظ الأنثيين"، ولو رجعنا لما قبل الإسلام سنجد أن المرأة لم تكن ترث من الأساس، فجاء الإسلام وأعطاها نصف نصيب الذكر في بعض الحالات وأعطاها مثل نصيبه تماماً في بعضها.
وكما قلنا سابقاً، لو كانت المرأة ترث كما يرث الرجل تماماً في فترة ماقبل الإسلام ثم جاء الإسلام لينقص حصتها من الميراث الى النصف فهنا يكون قد ظلمها بكل تأكيد ولا أحد يمكنه إنكار ذلك، لكنه تسبب لها بنقلة نوعية لم تتمكن أن تصل إليها في ذلك الزمن الا بفضل الدين.
لكن لماذا لم يساوي الدين المرأة تماماً مع الرجل؟ والجواب أن الدين لم يكن بإمكانه أن يقلب اوضاع المرأة بتلك السهولة، فهناك نظام اجتماعي قائم سيختل في حال حدث انقلاب كامل به، فالإسلام رفع من شأنها بعض الشيء، وترك البقية على الزمن والحضارة الإنسانية.
ولذلك لم يحرم الإسلام العبودية، والحرب الأهلية التي حدثت بسبب تحرير العبيد في الولايات المتحدة عام 1861م أكبر دليل على وجوب التدرج في أي تغيير لأي نظام اجتماعي.
ثم إن مسؤولية العمل والإنفاق كانت من واجبات الرجل آنذاك، فهل من العدل أن ترث المرأة كما يرث الرجل تماماً في جميع الحالات؟!
أما الآن وقد أصبحت المرأة شريكة في الإنفاق فقد أصبح من حقها أن ترث مثلما يرث الرجل تماماً، ولا يتعارض ذلك مع الشريعة، وقد جاء النصف كفريضة في القرآن ليس لكي نتقيد به حرفياً، ولكن لكي لا يتم حرمانها من الميراث بالكامل، وبإمكاننا أن نزيد من حصتها ونجعلها مساوية لحصة الرجل بالقانون.
أما بالنسبة لضرب المرأة فأنا لست مع من يقول بأن الضرب يأتي بمعنى الإضراب، أي الإبتعاد والهجران، وذلك في نظري مجرد "ترقيع" بائس لاطائل منه، فكلمة "واضربوهن" لاتعني بأي شكل من الأشكال بأن نبتعد عنهن، وكان من المفترض أن تُكتب "واضربوا عنهن" إن أريد بها ذلك، وليس اضربوهن!
فالكلمة هنا لغوياً ومنطقياً وبحسب السياق يستحيل أن يُقصد بها غير الضرب الجسدي المتعارف عليه، ولنا في حديث الصلاة: "واضربوهم عليها لعشر" أكبر مثال على معنى الضرب في ذلك الزمان، فهل كان معناه أن نبتعد عنهم ونهجرهم عند وصولهم لعمر العشر سنوات؟ كونوا واقعيين أرجوكم!
والرأي الذي أميل إليه هو أن ضرب المرأة كان أمراً عادياً في ذلك الزمان، وأن النسوة لم يكونوا يشعرن بتلك الإهانة العظيمة كما نتخيلها نحن اليوم!
فقد روى الطبري في "تهذيب الآثار" بسند صحيح عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر قالت : " كنت رابع أربع نسوة تحت الزبير ، فكان إذا عَتِبَ على إحدانا ، فكَّ عوداً من عيدان المِشْجَب، فضربها به حتى يكسره عليها".
وتلك الرواية وغيرها الكثير إنما تدلنا على أن الضرب كان موجوداً وسائداً في ذلك المجتمع وفي تلك الحقبة من الزمان، ولم يأتِ الإسلام بجديد ومزيد من الإهانة للنساء عندما أباح الضرب، لكنه بإباحته قد أراد أن يقضي عليه بالتدريج، فكيف كان ذلك؟! سنجيب في التغريدات القادمة.
بعد أن هاجر النبي وصحابته الى المدينة قال حديثه المعروف: "لا تضربوا إماء الله"، وقد كان ذلك قبل نزول آية "واضربوهن"، فنشز الكثير من النساء على أزواجهن بعد ذلك عندما علموا بأنهن في مأمن من الضرب.
فأتى عمر ابن الخطاب الى النبي يشكي من نشوز بعض نساء المجتمع على أزواجهن وكان ذلك بعد عامين تقريباً من منع الرسول للضرب؛ قائلاً: "ذئرن النساء على أزواجهن يارسول الله"، فنزلت هذه الآية: "واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا"
ولو لاحظتم أن الآية قد وضعت عدة حلول يجب على الرجل اتخاذها قبل الوصول لحل الضرب، والحكمة من اباحة الضرب في هذه الآية هي أن لا يشعر النساء بالمأمن من الضرب فينشزن ويستكبرن عن أزواجهن
وأيضاً أن لا يبدأ الرجال بالضرب "كعادتهم" كحلّ أولي لعقاب المرأة الناشز، ولكن بأن يتدرجوا في جميع المراحل التي ذكرتها الآية، والحكمة من ذلك بأن لا يصلوا لمرحلة الضرب في أغلب الأحوال إلا وقد رجعت المرأة عن النشوز.
إذاً فالإسلام هنا قد حاول حماية المرأة من الضرب في المرة الأولى عندما تم منعه من النبي، وعندما تسبب المنع بمشكلة في النظام الإجتماعي جاء الأمر الرباني بإباحة الضرب لحل تلك المشكلة، وأيضاً للقضاء على مسألة الضرب بعد ذلك بشكل تدريجي وبصورة غير مباشرة.
وقد قال النبي في حق من يضربون أزواجهن بعد نزول آية الضرب: "إنهم ليسوا بخياركم"، أي أنه قد أبدى احتقاره لمن يلجأ لضرب زوجته حتى بعد نزول تلك الآية، لأنه يعلم بأن الآية لا تأمر بالضرب، بل تبيحه وتقيّده وتضيّق من استخدامه.
فهل هذه الآية صالحة لكل زمان ومكان؟! بالتأكيد "لا"، وبحسب المعطيات التي صاحبت نزول هذه الآية فهي خاصة بزمان ومكان محددين ولظروف معينة، وفي حال النشوز فقط؛ والنشوز من الإرتفاع، أي تكبر المرأة على زوجها وعدم التزامها بحقوقه عليها بينما هو ملتزم بحقها عليه بالإنفاق والقوامة.
لذلك يجب علينا دائماً لنكون موضوعيين في أحكامنا بأن لا نقارن ما توصلنا إليه اليوم من أخلاقيات ومبادئ وأعراف اجتماعية بما كان متعارفاً عليه قبل ١٤٠٠ سنة، فهم لهم زمانهم وعاداتهم وأحكامهم الخاصة والمناسبة لظروفهم في ذلك الوقت.
يتبع
يتبع
وأريد أن أشير هنا الى نقطة مهمة؛ لو كان الإسلام قد أهان المرأة في ذلك الوقت لماذا كان النساء يدخلن في دين جديد يتضمن اهانات لهم، سواء في زمن النبي أو بعد وفاته واكتمال الدين؟ لقد كانوا يعلمون بأنه قد رفع من مكانتهن التي كُنّ عليها في السابق، ولذلك اعتنقوه وآمنوا به.
ففي العهد اليوناني كانت آراء أرسطو تقرر بأن المرأة لا تصلح إلا للإنجاب وأنها لا يمكن أن تمارس الفضائل الأخلاقية مثل الرجل، فهي مجرد مخلوق مشوه أنتجته الطبيعة، أما أفلاطون فيرى المرأة أدنى من الرجل من حيث العقل والفضيلة، فكان يأسف لأنه ابن امرأة ويزدري أُمّه لأنها أنثى!
أما سقراط فكان يرى أن المرأة مثل الشجرة المسمومة التي يكون ظاهرها جميلاً لكن الطيور تموت عندما تأكل منها.
وبعد العصر اليوناني لم يختلف الأمر كثيراً بل استمرت النظرة الدونية في كتابات الفلاسفة، فمع فلاسفة الأنوار يرى جان جاك روسو أن المرأة لم تخلق لا للعلم ولا للحكمة، وإنما لإشباع غرائز الرجل وإقناعه بحسنها وجمالها!
ويرى إيمانويل كانط أن عقل المرأة لا يرقى إلى عقل الرجل، ونجد نيتشه يرى أن المرأة لا تزال في أفضل الأحوال حيوانا كالقطط والكلاب والأبقار وأنها تتآمر مع كل أشكال الانحلال ضد الرجال!
أما بالنسبة لداروين صاحب نظرية التطور فقد زاد من احتقار المرأة في نظريته، واعتبرها جنساً في مرتبة أدنى من سلم التطور، فالمرأة عند داوين عبارة عن شيء نحبه للَّعب -أفضل من كلب- !
ولو جئنا لعلماء النفس والأحياء لوجدنا أن كثيرين منهم قد أبدوا احتقارهم للمرأة بآراء علمية وليست مجرد آراء فلسفية، فالمرأة كانت محتقرة على أية حال وحتى لو لم تكن هناك أديان، ولذلك أقول بأن الأديان ليست مشكلة المرأة الوحيدة.
فالنساء، حسب تلك القوانين، كن ملكاً لأزواجهن أو آبائهن. إذ إن الزوج يملك أن يطلق زوجته بملء حريته، أو - إذا شاء - يعدُّها أمة له. والقانون يرغمها - بحكم كونها أمة - على طاعة زوجها. ولا يقتصر الأمر على هذا، بل يرغمها أيضا على طاعة أي من الخدم الأحرار في المنزل!
كما يملك الزوج أن يقدم زوجته لدائنيه ضماناً لديونه. ولم يكن القانون ليقتضيه أن يسدد ديونه، طالما كانت زوجته ضماناً لهذه الديون لمدة حددت بثلاث سنوات في بداية الأمر، ثم امتدت إلى أجل غير مسمى.
وقد أصبح نظام الاستدانة بضمان الزوجة نظاماً مربحاً للغاية في تجارة الرقيق. وكانت الحرائر يواجهن الموت عقاباً على خيانتهن لبعولتهن، بينما كان في وسع الأزواج ممارسة الزنا دون التعرض لأي عقاب.
لذلك لو نظرنا الى الإسلام بموضوعية لوجدنا أنه من أكثر الأنظمة التي أعزت المرأة ومهدت الطريق للتعامل معها "بإنسانية"، وأن المرأة تاريخياً قد ظُلمت أيضاً بالقوانين البشرية والتي لا علاقة لها بالأديان، ولذلك علينا أن نعقِل بأن الأديان لم تكن يوماً هي مشكلة المرأة الوحيدة.
وفي النهاية أود أن أقول بأننا لا يجب أن نجلب الماضي كما هو ونسقطه على واقعنا الحالي، لأننا سنراه بالغ القبح بالنسبة لحاضرنا، وعلينا أن نفهم بموضوعية كيف كانت حياة الأولين وعاداتهم وطريقة تفكيرهم قبل أن نحكم عليهم وعلى شرائعهم بالسوء أو الصلاح.
وأخيراً؛ ليس علينا أن نتقيد بالنصوص الدينية بشكل حرفي وأن نطبقها كما هي في زماننا هذا، بل علينا أن نفرق بين ماجاء لزمانهم فقط، وما قد جاء صالحاً لكل زمان ومكان، وأن نحاول فهم الغايات بدلاً من التقيد بالوسائل.
-انتهى.
-انتهى.
جاري تحميل الاقتراحات...