بُسْتَانُ العِلم
بُسْتَانُ العِلم

@Taleb_Elm

31 تغريدة 343 قراءة Apr 13, 2020
سلسلة تغريدات عن:
" الإلــحــاد "
﴿خَلَق الْإنسَانَ من نُّطفَةٍ فإذا هو خَصِيمٌ مبين﴾
واعلم أن ذِكر جميع الأدلة يطول، وخير الكلام ما قلّ ودلّ، ولم يطل فيُمَل
أسأل الله العظيم ﷻ أن ينفع بها، ويجعلها خالصة لوجهه الكريم، ولا يحرمنا أجرها
وجزى الله الخير من قرأها وساهم بنشرها
١- الحمدلله القائل: ﴿إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا ۗأفمن يُلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة﴾ والصلاة والسلام على نبينا ﷺ القائل: (ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى، إنهم يجعلون له ندا، ويجعلون له ولدا، وهو مع ذلك يرزقهم ويعافيهم ويعطيهم) رواه مسلم
٢- الإلحاد لغة: هو الميل عن القصد، والعدول عن الشيء.
فترى الأئمة والعلماء يطلقون صفة الإلحاد على من أشرك في العبادة، أو جحد النبوة لأي نبي، أو أنكر السّنة، أو جحد شيء من الغيبيات، أو عطّل بعض الأسماء والصفات، وغيرها، حتى وإن كان مؤمناً بالله ﷻ وإطلاقها على الكفار والزنادقة أشهر
٣- الإلحاد اصطلاحاً: هو عدم الإيمان بوجود إلـٰه، وهو مذهب فكري ينفي وجود خالق للكون.
واشتقت تسمية الإلحاد من اللغة الإغريقية (ذاثيزموس αθεϊσμός) وتُرجمت إلى اللغة الإنجليزية لتصبح (ايثيِزم Atheism)
ومن ينتمي لهذا الفكر يسمى (أثيوس Αθεος) وبالإنجليزية (ايثيِست Atheist) أي: مُلحد
٤- والبشر تجاه مبدأ وجود الله ﷻ أربعة أقسام:
- الإلحاد (Atheism): ينكرون وجود خالق
- اللاأدري (Agnosticism): لا يؤمنون بوجود خالق ولا يؤمنون بعدم وجوده، ويقولون لا ندري
- الربوبية (Deism): يؤمنون بوجود خالق خلق العالم ثم تركه
- المؤمنون (Theism): يؤمنون بالخالق والوحي والرسل
٥- ومن الأمور التي تتأسس عليها الفكرة الإلحادية مبدأ الصدفة. إذ أنها بإنكارها لوجود الخالق لجأت إلى الصدفة والاحتمالات العشوائية كمفسر لحدوث كثير من الظواهر المعقدة، وهو ما يتكرر في حججهم ومناقشاتهم:
كيف حدث الكون؟ بالصدفة
كيف ابتدأت الحياة؟ بالصدفة
كيف انضبطت هذه السنن؟ بالصدفة
٦- وقولهم هذا شبيه بمن يقول: أن هناك إعصار ضرب ساحة مليئة بالخرداوات فاجتمعت مع بعضها البعض "بالصدفة" وكوّنت لنا طائرة "بوينغ ٧٤٧" قابلة للطيران!
وهذا القول لا شك أنه مستحيل الحدوث لدى أصحاب الفِطَر السليمة، ولكن الملاحدة إنطلاقاً من مبدأ "الصدفة" فإنهم يؤمنون بإمكانية حدوث ذلك!
٧- فأي شيء يمكن حساب إمكانية حدوثه إحصائياً ولو كانت النسبة ضئيلة جداً جداً جداً أو كما نسميها -مستحيلة- فإنه بالنسبة لهم ممكن الحدوث !
ولكي تتضح النظرة لهذه المسألة:
فإن الملاحدة -إحصائياً- يؤمنون أن البقرة قد تستطيع -بعد مليارات المحاولات- أن تصل إلى سطح القمر من قفزة واحدة !
٨- وهذه الأقوال ما خرجت من عقول سليمة أبرزت حقائق، بل من عقول شكاكة انغمست في كثرة التفكير حتى توّلد لديها حالة اضطرابية أشبه بالمرض انتجت وساوس مغلفة بقالب العلم والأدلة.
وهي بحاجة إلى إعادة تأهيل لتعود إليها الثقة في الحقائق والمبادئ الفكرية، وتتفاعل مرة أخرى مع حقائق الإيمان.
٩- فليست مشكلة الملحد في قوة أدلة وجود الله ﷻ مشكلته أنه أغلق جميع منافذ عقله الواسع وترك منفذ صغير جداً كثقب الإبرة ويريد إدخال الأدلة الكبيرة منه!
ومن العجيب أن الملحد يذم -بزعمه- أي تصرف عبثي بلا هدف، ويتجاهل أنه يؤمن بأن وجوده كله عبث!
قال ﷻ: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا﴾
١٠- والإلحاد تختلف أشكاله، فمنه:
* الإلحاد الفلسفي: وينتشر بين طلبة كليات الآداب والعلوم الإنسانية.
* الإلحاد العلمي: وهو المُمَجّد للعلم والمرتكز على نظرية داروين.
* الهاربين من الدين: وجدوا في الإلحاد هروباً من قيود الدين أو إثباتاً لذواتهم أو تحقيقاً لمصالح أخرى.
وغيرها..
١١- وهؤلاء الملاحدة الهاربين من الدين؛ الذين يتبنون الإلحاد لفك قيود الدين أو قيود الشهوات، إذا انفكت تلك القيود عنهم وذهبت تلك الشهوات؛ رجعت نفوسهم في صراع مع العقل. فإذا ركب العقل النفس اهتدى، وإذا ركبت النفس العقل غوى، وإما أن يتوب، أو يُكابر، أو يهرب من ذلك الصراع بالانتحار !
١٢- أما الملاحدة أصحاب الاغترار المادي الذي هو نواة الإلحاد فهم كالذي ﴿دخل جنته وهو ظَالِمٌ لنفسه قال مَا أظن أن تبيدَ هذه أبَداً ۝ وما أظن السّاعَةَ قائمة﴾ فاغترار الإنسان بعلمه المادي يورثه استكباراً عن الوحي، قال ﷻ: ﴿فلما جاءتهم رُسُلهم بالبيّنات فرحوا بما عندهم من العلم﴾
١٣- وإنك لتتعجب أشد العجب عندما ترى المُلحد يؤمن بيقين أن الدولة لا تصلح إلا برئيس يُدَبِّرها، ثم تراه يؤمن أن الكون بكواكبه وأفلاكه ومجراته يسير بانتظام تام بلا مدبّر !
﴿لَخَلْقُ السّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلَٰكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
١٤- والذين يتأملون في الكون ﴿ويَتَفَكّرُونَ في خَلْقِ السّمَاوَاتِ والأَرْض﴾ ويرون السنن والقوانين والثوابت المضبوطة بشكل دقيق جداً من أجل أن توجد الحياة، سيقولون ﴿رَبّنَا ما خَلَقْتَ هذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ لأن اختلال أي ثابت من تلك الثوابت ولو كان يسيراً سيؤدي لخراب عظيم!
١٦- يقول بول ديفيز المختص في مجال الفيزياء النظرية :
"الشيء المُدهِش فعلاً أن الحياة على الأرض ليست وحدها التي تبدو مُتّزنة جداً وكأنها على حافة سكين، بل الكون بأجمعه كذلك، ولو أن الثَوابِتَ الطبيعيّة في هذا الكون تغيّرت ولو على نحو يسير جداً لَغَرَقَ العَالَم في فَوضى عَارمة" !
١٦-ويقول الملحد الفيزيائي وينبرج:"الحياة كما نراها لم تكن لتوجد لولا وجود جملة من الثوابت الفيزيائية على النحو التي هي عليه وأنها لو تغيرت على نحو يسير جدا جدا لكان وجود الحياة مستحيلا"
{سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد}
١٧- فدِقة علوم المادة تدل على وجود الخالق لا على إنكاره، ولكن بعض العقول كلما تبحّرت في الاكتشافات اغترّت بعقلها، وغاب خلف الكِبْر أن العقل حاسّة إدراك له حدّ، كالسمع لا يميّز الهمس ولا يُطيق الضجيج، وكالبصر لا يرى الذرّة وتعميه الشمس، والعقل في الغيب يتخبّط وفي ما يشاهده يحتار !
١٨- والعقل يتيه في الأرض مع كثرة معالمها مع أنه يبصر فيها ويسمع، ثم يُريد أن يحسم أمر الغيب ولم يشهد من معالم الغيب شيئاً !
لذلك افتتح الله ﷻ القرآن بقوله: ﴿الٓمٓ ۝ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ۝ الذين يؤمنون بالغيب﴾
وهذه من أعظم الصفات التي يتميز بها المسلم من الكافر !
١٩- فليس الشأن في الإيمان بالأشياء المشاهدة بالحس، إنما الشأن في الإيمان بالغيب، الذي لم نره ولم نشاهده، ونؤمن به لخبر الله ﷻ ورسوله ﷺ ﴿وما كان الله لِيُطْلِعَكُمْ على الغيب ولكن الله يَجْتَبِي من رسله مَن يشاء ۖ فآمنوا بالله ورسله ۚ وإن تُؤْمِنُوا وتتقوا فلكم أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾
٢٠- فاقتضت حكمة الله ﷻ أن يخفي أمور الغيب عن عباده ﴿حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطّيّبِ﴾ وحتى يكون الامتحان لمن آمن ومن ﴿انقَلَبَ عَلَى وجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا والآخِرَة﴾
قال تعالى: ﴿إن نّشَأْ نُنَزِّلْ عَليْهِم مِن السّمَاءِ آيةً فَظَلّتْ أعْنَاقُهُمْ لها خَاضِعِينَ﴾
٢١- ومن يقول:
"لا أؤمن إلا بما أراه"
مُتّبِعاً مقولة:
"I believe it when I see it"
هو في حقيقته لم يستخدم عقله -كما يزعم- بل عطّل عقله، وأصبح يتبع قاعدة البهائم التي لا تبدي ردة فعل إلا لِمَا تراه، وأما الإنسان فإنه يبني فعله وتصرفاته على ما يدركه بعقله ويفهمه لا ما يراه فقط!
٢٢- فلو كنت في أحد الفنادق، واحترقت أحد الغرف، واشتغل جرس الإنذار وقيل في مكبرات الصوت:
"نرجوا إخلاء الفندق لوجود حريق"
هل ستخرج؟ أم ستقول لا أؤمن إلا بما أراه؟
ستخرج بلا شك لأنك أدركت وجود الخطر
ولكن إن كانت هناك هِرة، هل ستخرج؟
لا، لأنها لا تدرك، فهي ستخرج عندما ترى الحريق
٢٣- فعندما تبني أفعالك ومعتقداتك على ما تراه فأنت تتصرف كالبهائم، بل البهائم خير منك، فكل حواس الإنسان الخمس تتفوق فيها عليه البهائم لكنه يتغلب عليها جميعها بواحد ألا وهو العقل، فإن ضيعه غلبته البهائم، لذلك وصف الله ﷻ الكافرين بقوله: ﴿أُولَٰئِكَ كالْأنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ﴾!
٢٤- وقد أنزل الله ﷻ القرآن حجة وبراهن ومعجزة باقية إلى قيام الساعة فقال ﷻ: ﴿كِتَابٌ أنزَلْنَاهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ﴾
وقال ﷻ: ﴿لّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أن يَأتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأتُونَ بِمِثْلِهِ﴾
٢٥- ومن تدبّر القرآن تيّقن أنه كلام الله ﷻ لذلك قال تعالى: ﴿كتاب أنزلناه إليك مباركٌ ليدّبروا آياته﴾ وقال: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾
وأكثر الناس يقرأون الأقوال ولا يتدبرون ويتأملون فيُحرمون الحق بسبب عجلة المرور على الحجج، وبهذا ضل المشركون فعاتبهم الله: ﴿أفلم يدّبّروا القول﴾
٢٦- فمن الذي أخبر النبي ﷺ وأوحى إليه في ذلك الزمن أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففُتِقَت؟ وأن السماء كانت دخان؟ وأن الجبال رواسي للأرض وشبهها بالأوتاد؟ وأنه جعل من الماء كل شيء حي؟ ومراحل خلق الإنسان في بطن أمه أنها نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظام ثم تُكسى لحماً؟
وغيرها الكثير ..
٢٧- ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جعل اللهُ عليكم اللّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إلَٰهٌ غَيرُ اللهِ يَأتِيكُم بِضِيَاءٍ﴾ ؟
﴿قُلْ أرأيْتُمْ إن جعل اللهُ عليكم النّهَارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إلَٰهٌ غَيرُ اللهِ يَأتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ ؟
٢٨- ومن أعظم المشكلات التي يعانيها شبابنا (الثقة العمياء بالنفس - والاغترار المعرفي بما لديه من علم) فتجد الواحد منهم ينفتح على أي فكرة عَقَدِيّة مخالفة، مستشعراً أنه قادر على مناظرة مخالفيه والتعرض لشبهاتهم وأفكارهم ونقدها، وأنه ليس ثمة ما يمكن أن يزلزل كيانه الإيماني والعَقَدي!
٢٩- فينكشف جهله مع بداية ما اطّلع عليه من الشبهات وتبدأ تراوده الشكوك شيئا فشيئا حتى يؤمن بها!
وعندما يتم التحذير من التعرض للشبهات، ليس معنى ذلك أننا نخشى على الإسلام وأن شبهات هؤلاء المخالفين صحيحة، بل خوفاً عليك لضعف حصيلتك الشرعية بأن يقذفوا بقلبك شبهة تخطفك فتهوي بك في جهنم
٣٠- فالتعرّض للفتن بحضور مجالسها، أو قراءة كتبها، أو تصفّح مواقعها، أو مشاهدة قنواتها، بحجة الثقة بالنفس، مخاطرة لا تؤمن عواقبها، وكم تمنى الخلاص من مصيدتها أسير في شبهة!
قال ﷺ:
(من سمع بالدجال فلينْأ عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات)

جاري تحميل الاقتراحات...