الحياة بقدر ما فيها من عطاء؛ لا تسقينا السعادة صرفا واحدا أبدا، وإنما تمنحنا إياها جرعة بعد جرعة، وبين كل جرعة وأخرى لا تتوانى عن أن تصيبنا ببعض الخذلان، الألم، الفقد، الحرمان؛ يحدث هذا بطريقة لا يد للإنسان فيها.
وخلال رحلتنا للوصول للسعادة أو راحة البال نتعرض للكثير من النظريات التي تفسر السعادة وراحة البال بالنسبة لنا، فبعضنا يعتقد أنه سيجدها في المال، والبعض يعتقد أنه سيجدها في الحب. وبعضنا يعتقد أن السعادة موجودة في الراحة دون عمل، أو في العمل دون راحة.
بعضنا يجد سعادته في الذرية والأطفال، وآخرون يرون أنها تكمن في العيش والبقاء وحيدا بعيدا عن جميع الناس، بينما يعتقد آخرون أن السعادة هي في الحياة وسط الناس، كل الناس.
كثيرون يبحثون عن السعادة في المساجد والكنائس والمعابد، وكثيرون لا يؤمنون أنهم سيكونون سعداء ما داموا متعلقين بدين.
كثيرون يبحثون عن السعادة في المساجد والكنائس والمعابد، وكثيرون لا يؤمنون أنهم سيكونون سعداء ما داموا متعلقين بدين.
البعض يجد سعادته في سيجارة مخدرات، وآخر يبحث عنها في مجلة إباحية.
البعض يجدها في فراش وثير، وسيارة فارهة، وشهرة تملأ أركان الكون.
والبعض يجد تعاسته في الظهور علنا بين الناس، ويشعر بالشقاء، مر الشقاء في أن يمتلك مالا أو عقارا أو صديقا، فسرعان ما ينفق المال، ويبيع العقار،
البعض يجدها في فراش وثير، وسيارة فارهة، وشهرة تملأ أركان الكون.
والبعض يجد تعاسته في الظهور علنا بين الناس، ويشعر بالشقاء، مر الشقاء في أن يمتلك مالا أو عقارا أو صديقا، فسرعان ما ينفق المال، ويبيع العقار،
ويفارق الصديق، ثم يجلس يدخن سيجارة في ركن منزو بمقهي شعبي، ويبتسم بين نفسه ونفسه كأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها.
والسعادة لدى البعض زوجة حسناء أو زوجا وسيما، ولدى آخرين السعادة وراحة البال هي العذرية بلا انتهاء.
والسعادة لدى البعض زوجة حسناء أو زوجا وسيما، ولدى آخرين السعادة وراحة البال هي العذرية بلا انتهاء.
السعادة لدى البعض ساعات يقفها في جوف الليل يبتهل إلى الله ساعيا وراجيا ... وآخر يرى السعادة في صالة ديسكو يراقص هذه، ويطبع قبلة على خد تلك، ويلف ذراعه حول خصر هذه...
رغم اعتقادي أنني عشت طفولة بائسة بعض الشيء إلا أنني عرفت السعادة منذ نعومة أظفاري، ربما يكون من المضحك أن أقول أن سعادتي حين كنت طفلا في الخامسة من عمري كانت أن أجلس برفقة جدتي على هذا المقعد، أمام كشك كان يملكه جدي رحمه الله وسط أكبر ميادين بلدتنا وفي يدي كوب من الحليب الدافيء،
وأمامي تمر الحياة بكل مشاهدها، الذاهبون إلى أعمالهم وأشغالهم ومدارسهم أو مشاويرهم، والمسافرون من البلد إلى العاصمة والمحافظات الأخرى والقادمون منها، طلاب المدارس، والطالبات بزيهم الأزرق والأخضر، والفلاحات القادمات من القرى والبلدات المجاورة ليتسوقن او يبعن ما تجود به حقولهن،
وفي المواجهة مباشرة كان مقهى المعلم سيد عمارة (رحمه الله) والتي كانت قبلة العاملين في طائفة المعمار، الذين يفدون إلى المقهى مع ساعات الفجر لتناول الإفطار المعتاد المكون من طبق الفول بالزبدة البلدي، والسلطة التي تقطع فيها الطماطم شرائح كبيرة تزينها حبات الكمون،
والطعمية التي يتصاعد منها البخار، بالتوازي مع رائحتها المعهودة فيخلقان مزيجا متناغما من الاشتهاء ، ومزيدا من الرضا بهذه الوجبة التي لم يكن سعرها في هذا الوقت يتجاوز قروشا تعد على أصابع اليدين.
كبرت قليلا، وتحولت السعادة إلى لحظات أسرقها من الزمن، ومن أمي
كبرت قليلا، وتحولت السعادة إلى لحظات أسرقها من الزمن، ومن أمي
وزوجها الحاج حمدي الذي أصر على أن أتعلم صنعة الحلاقة منذ صغري، فكنت أخرج من المدرسة بداية من الصف الثاني الإبتدائي إلى صالون الحلاقة الذي يملكه، فإذا عرض له مشوار بعيد أو سفر أو غيره، كنت أخرج ما إدخرته من قروش واذهب إلى محل عمي كامل غريب، أستأجر دراجة (بسكليتة)،
ظللت لأشهر عديدة استأجر البسكليتة وأمسك مقودها بكلتا يدي وأسير إلى جانبها، وإذا أخذني الحماس قليلا كنت أجري إلى جوارها، قبل أن يصيبني اليأس والإحباط لأنني لم أتعلم قيادتها بعد، فأتركها لبعض الأطفال يلعبون بها حتى نهاية الساعة التي أستأجرها،
وبعد مرور أكثر من عشرة أشهر على هذا الحال، كنت قد أنفقت مثل ثمن دراجة، ولم أتعلم بعد، حتى صادفني طفل يكبرني بعامين أو ثلاثة في ملعب الساحة الشعبية، طمع أن يحظي بعدة دقائق للعب مجانا على الدراجة، فتبرع أن يرشدني إلى طريقة قيادتها، وخلال نصف ساعة كنت أقود العجلة بكلتا يدي ببراعة،
غير أنّي كنت أنظر دائما إلى الأرض فارتطم بالمشاة وأعمدة الإنارة وبعض السيارات، يؤلمني حتى اليوم أنني لم أمنح هذا الطفل الوقت الذي أراد للعب على الدراجة، رغم أنه الوحيد الذي ساعدني على تعلم قيادتها.
كبرت أكثر، وتعلمت قراءة الكتب وكرة القدم، فأصبحا مصدر سعادتي، وأصبحت أعطيهما جل وقتي وتفكيري ضاربا عرض الحائط بكل القيود التي تربطني بالمدرسة وبصالون الحلاقة وبالبيت، وفي المقابل كان يومي ينتهي إلى البيت الذي لا يخلو دائما من علقة ساخنة، أو كدمة في الوجه،
أو أن يكتسي جلدي باللون الأزرق المائل إلى الحمرة من قرصة في ذراعي أو صدري أو أذني، وكم من ليلة كنت أبيتها متيقظا أبكي في حرقة وصمت، أنظر إلى سقف الغرفة، وأخطط في صمت كيف سأسعد نفسي غدا ؟
كنت مولعا بالقراءة؛ وكان الحاج حمدي يراها مضيعة للوقت والمال، وأن ساعات أنفقها في تعلم صنعة أو عمل ما، خير بكثير من بضعة ورقات كان يظن أنها تدخل من أذن وتخرج من الأذن الأخرى، وكان هذا مصدر أكبر خلافاتنا اليومية رغم قوة علاقتنا عندما كنت في المرحلة الابتدائية والإعدادية.
ثم انتقلت إلى الجامعة وظللت أبحث عن السعادة أقصد عن حبيبة هنا في القاهرة، ولسنوات طوال عرفت أكثر من حبيبة، لكنه كان حبا مبتسرا، مخاض لم يكتمل أبدا، فحبيبتي التي أرجوها ليست ككل النساء، واستغرقت هذه الرحلة مني نحو عشرة أعوام حتى وجدتها، وتزوجتها،
ولو سألتني لقلت لك أن هذه هي المرة الأولى في حياتي التي أشعر فيها بالسعادة الحقيقية، ولو سألتني: وماذا عن الحب الأول ؟ وسهر الليالي ؟ وقصائد الشعر؟وسمعتك كعاشق التي فاقت الأقطار؟ فسأقول لك، وبصراحة، متحملا ما قد يسببه ذلك لي من تبعات،
أنني بعد خمسة وعشرين عاما من أول قصة حب أردت أن أعيشها اكتشفت أن الحب الأول هو الحب الأخير ... حبك الحقيقي هو تلك المرأة التي تأتيها، وقد أرهقتك الحياة، وأعيتك التجارب التي لا تنتهي أبدا، فتمنحك من حياتها حياة أخرى، تطفيء عذاباتك، وتداوي جراحك، وتهدئ من روعك،
فيعود فؤادك كما ولد خاليا إلا منها، وينتقل الماضي بكل ما فيه لمنطقة الظل العاطفي، ولا يبقى منه إلا ذكرى نكتبها لنخبر المحبين الجدد، بما آل إليه مصير المحبين القدامي، بأن القادم ربما يكون أفضل، وأن ما تنحتون الصخر من أجله اليوم قد لا يكون يوما لكم مهما بالغتم في حبه أو قربه.
كبرت، وتجاوزت الثلاثين، وأصبحت أبا، فقدت أمي، وحصلت على عمل بالتلفزيون المصري، ثم حصلت على الماجستير ومن بعده الدكتوراة، وأصبحت معروفا في مجال عملي ودراستي ولا زلت أبحث عن السعادة، فالحب وحده لا يكفي .. ووجدت السعادة بعد التخرج من الجامعة في التعليم - أيوة، زي ما بقولك كدة -
لم أشعر بقيمة وحب الدراسة إلا بعد التخرج، لذا قررت الاستمرار وكلما تعلمت شيئا جديدا ازدادت سعادتي، تعلمت من الحياة أكثر مما تعلمته في المدرسة، ورغم حبي لعدم الظهور والعمل في صمت، إلا أنني أجد بداخلي شخصا يحلق فوق رأسي مثل طاووس يتباهي بألوانه، كلما وقعت في مطب وأسعفني الله بالحل.
كم كنت كريما معي يا الله ؟!
ورغم ما تمثله ثلاثية الحب والتعليم والعمل من مصدر للسعادة، إلا أنني أجدني اليوم وقد شارفت على نادي الأربعين موقنا أن مصدرا آخر للسعادة كان دائما معي، كان معي وأنا طفل صغير مات والده بعد أسبوعين من ولادته،
ورغم ما تمثله ثلاثية الحب والتعليم والعمل من مصدر للسعادة، إلا أنني أجدني اليوم وقد شارفت على نادي الأربعين موقنا أن مصدرا آخر للسعادة كان دائما معي، كان معي وأنا طفل صغير مات والده بعد أسبوعين من ولادته،
كان معي وقد أدخلت عصا خشبية في عيني بالخطأ واضطررت لإجراء جراحة بها وانا لا أزال في الخامسة من عمري، كان معي وأنا أسرق من درج صالون الحلاقة بعض القروش لأستأجر بها البسكليتة أو أشتري مجلة سمير أو ميكي، كان معي وأنا أبكي كل ليلة، ألما وقهرا ووجعا،
كان معي حين لم أجد لسنوات ما أسد به جوعي سوى لقيمات بسيطة، كان معي حين التقيت زوجتي للمرة الأولى، وكان معي حين واريت أمي الثري، وكان معي وأنا أرى رجال الإعلام والحقل الأكاديمي يتنازعون بينهم أيهما أولى بي، وأنا أشتري سيارتي، وأشتري شقتي الجديدة، وأنا أودع أبنائي في مدرسة خاصة،
وكان معي قبل عام حين خضعت لجراحة في الأنف وتأخر قلبي في العودة إلى الحياة فأودعت بالعناية المركزة، لأفيق وأرى زوجتي هناك في الناحية الأخرى من الزجاج تبكي، لم أقل لها حتى الآن أنني أعتقد أن دموعها هي من أعطى لقلبي القوة ليعود مجددا إلى الحياة.
كم كنت دائما معي يا الله ؟! وكم أنا سعيد بكل خطوة مشيتها في سبيلك، وبكل كلمة "يا رب" قلتها، كم أنا سعيد بكل ركعة وسجدة وصوم وكل آية من القرآن، أنا لا أخشى النار يا الله لأني أوقن أنك تسكن دائما في قلبي، وأنك من يحرك معظم أعمالي وتصرفاتي،
وأتألم كثيرا يا الله لأن قلبي هذا الذي يحبك حبا لا يحبه لأحد سواك، لا يقوى كثيرا على السير في طريقك؛ فيحيد عنه تارة ثم يعود، يتناسى أنك هنا وفي كل مكان فيخطيء فيجدك أكثر كرما وفضلا ورحمة. يقلقني كرمك يا الله، أخشى أن يكون مدا لطغياني، أو إمهالا ليوم ألقاك فيه، فاكتبنا من السعداء.
جاري تحميل الاقتراحات...