نواف بلجهر
نواف بلجهر

@Nbaljahar

47 تغريدة 1,418 قراءة Apr 11, 2020
ثريد - حدثوني عن مريم
مريم التي رأيتها كلها... ولم أشبع !
مريم رساله مغزاها أن نتذكر حقيقة الدنيا.
علّها أن تذكرنا سوياً بحقيقة الرحلة وأن علينا العمل لها ولما بعدها ولكن دون أن ننسى أنها مجرد رحلة !!
أيها الكرام .. إليكم مريم !
سافر ذلك التاجر الحضرمي الى منطقة من مناطق اليمن ذات الخضرة الجذابه للتجاره.. ارضها الخضراء تمتد معك مدى البصر بها أنواع من الفواكه ولا أبالغ أن عددا من مزارع تلك المنطقه كانت جنات عن يمين وشمال تتدلى منها الفواكه من كل مكان بتنوع في الالوان.
رأى التاجر في جولاته وجهاً حسن فقد تميز اهل المنطقه بجمالهم الخلاب .. فجمالهم طاغي من بياض بشرة الى شعور شقراء وأعينٍ زرقاء ولكنهم متلفعون برداء الفقر وضيق العيش حتى يكاد لثام الفقر أن يسرق تلك الالوان الجذابه منهم.
جاء التاجر الى أهل تلك الفاتنه المشقره وطلب يدها للزواج وبعد مشاورات تم قبول طلبه.
تزوجها ذلك التاجر وأنجب منها مريم.
هذا التاجر كان يعيش في احدى الدول وكانت مريم تعيش مع أمها في تلك المدينة الخضراء.
مضت السنين وكانت حياتهم بها من العناء الكثير مع تواصي والدها بها وعدم انقطاعه عنهم ولكن ظروف الحياة كانت أصعب.
قرر والد مريم أن يعود هو وزوجته ومريم الى مدينته ولكن اهل زوجته رفضوا أن تتركهم ابنتهم خشية الطريق وبعد المسافه انذاك فحصل الخلاف بين الزوجين.
انفصل الزوجين وأخذ الزوج ابنته مريم رغبة منه أن تعيش حياة كريمة بلاتعب وأمها لم تعارضه وهي تتألم.
مريم هنا في ذهول وصمت ولاتتكلم وأمها تبكي وهي برفقة والدها الى مدينته.
وصلت مريم الى مدينة والدها وهي في صمت فمريم تحب اباها وأيضا تُحب أمها ولكن ليس بيدها أي شيء فهي ضعيفة مكسورة الجناح.
عاشت مريم مع والدها واخوانها واخواتها الغير أشقاء وحقيقة كانت معززة مكرمه ولم يبخل عليها والدها بشيء بل كانت عزيزة في بيت والدها الكريم
متأدبة بتربيته الراقيه وحكمته في التعامل.
في يوم من الايام بلغ مريم خطابا من أهل والدتها بأن أمها ماتت. هنا فعلاً انكسر قلب مريم وبكت بكاءً شديدا وهي تنشد بعض الابيات التي كانت والدتها تنشدها بذلك اللحن اليمني الحزين.
كبرت مريم حتى بدأت تتخطفها الأنظار فقد كانت جميله وجميله جدا.
وفي يوم من الايام جاء شابا ليزور احدى خالاته في بيتها وبالصدفة رأى مريم وقد كانت ذات جمال فلم يتردد بالسؤال عن والدها وطلب يدها.
وبعد مناوشات كثيرة مع والدها وأخذ ورد وافق الوالد وكان الشاب في غاية السعادة.
كان لمريم عددا كبيرا من الاخوة والاخوات الغير أشقاء وجميعهم يحبونها ويرأفون بها بشكل كبير فقد كانت أصغرهم سنا وهذا أيضا من حكمة الوالد وتربيته لأبناءه دون تفرقه.
تزوجت مريم ذلك الشاب الذي كانت الاموال تجري على يديه بلاحساب.
أخذها وطار بها متجولا أنحاء العالم.
تلك المرأة البسيطة التي جاءت من القرية الخضراء البسيطة
تهبط طائرتها في لندن ومن ثم روما الى باريس وهي محافظةعلى سمتها ووقارها وتربيتها ولم تتظاهر بفرحة المحروم فقد تربت على أيدي حكماء أفاضل.
عاشت مريم حياتها بين أمرين وهنا تقادير الله لها، كانت سريرة مريم عجيبه نعم لديها سريرة عجيبه مع الله. ولكنها كانت لاتعرف كثيرًا عن أمور الدين وواجباته وماالى ذلك ولم يكن الوعي الديني العام بالقدر الكافي في ذلك الزمن.
انجبت مريم عددا من البنات والاولاد وبدأت مرحلة التربيه ... هنا وهنا فقط ولعله بسبب نقاء سريرتها ارسل الله لها أختا فاضله سأذكر اسم عائلتها لانهم عائلة كريمه اتصفت بالعلم و الدين وهي عائلة نصيف.
بدأت هذه الاخت الفاضلة بتعليم مريم تعاليم الدين الصحيح وكيف تتقرب من الله وكيف تنال محبته.
هنا اترك المجال ليتكلم عن مريم ابنها الاصغر -
يقول كبرت انا على حنانها فلم أرى في حياتي أحن من أمي. قلب أبيض كبير يسع كل الناس حتى أن بيتنا لم يكن يخلو من الزوار الذين ليس لهم حاجة سوى أن يزوروها وتستقبلهم ببشاشتها الأنيقة.
أمي ومن مثل أمي ، تلك الجميله الرزينه ذات السمت والوقار والادب الرفيع.
تلك الصوامة القوامة التي لم تعتد أذني على شيء أكثر من إعتيادي على أصوات " طقطقة ركبتيها " وهي تقوم الليل في مجلس الضيوف وهو اخر غرف البيت حيث لاأحد يراها ، وقد كنت اتصنت عليها واستمع الى بكائها وأنينها وهي تبث أشواقها لله عزوجل.
كنت انتظرها واترقبها وانا أشعر بالأمان النفسي الذي لاأعلم من اين مصدره!!
حتى اذا انتهت جاءتني بذلك الوجه الابيض المضيء الذي يشع نورا من الله لتبتسم في وجهي وهي تحاول اخفاء اثار البكاء من وجهها الابيض. ولكن هيهات !!
كانت لاتجيد القراءة جيدا ولكنها كانت تحب أن تستمع الى سورة يونس باستمرار ...
لاأعلم ماسر حبها لهذه السوره !!
كنت في صغري كثيرا ما ابحث عن حضنها لانام عليه ولا أنسى فقد كانت دومًا تقول لي ياولدي قول " ربي إني لما انزلت الي من خير فقير "
دائما قولها حتلاقي خير كثير.
ذات يوم انحرقت رجلي بعد ان انسكب عليها بالخطأ ماء ساخن ، أذكر أنها نامت بجواري وكنت اشعر بها وهي تضع لي مرهم الحروق دون أن توقظني ثم تقبلني في جبيني وانا اشعر بها وسعيد بلحظات الدفء والامان تلك.... من مثل أمي.
كانت لاتفتأ بأن تتذكر أهل والدتها دوما وتسأل عنهم وتتعاهدهم باستمرار بما يعينهم على الحياة بل وتوصينا عليهم وتحكي لنا عنهم كثيرا وقد كانت تطلب طلبا عجيبا وتقول هكذا
" لاتنسوا بأن تدعوا لاخويا خالكم عمر لانه مات وماعنده ذريه،ادعو له كثير" وفاء حتى في التفاصيل!
ذات مرة ذهبت أنا وأمي وأبي الى قرية أهل أمي وقد كنت صغيرا ولكني أتذكر حجم العاطفة الجياشة التي كانت عند أمي تجاههم فقد تجولت في المكان وهي تتذكر أمها وأخيها و تبكي ساعة وتتظاهر معهم الضحك ساعة أخرى.
في بداية محرم سنة 1413 هجريه وبعد زواج اثنتين من اخواتي ورؤية أمي لإثنين من احفادها بدأ ضوء في بيتنا يخفت !
بدأ صوت من أمي يظهر وكأنه انين ، كان عمرها انذاك 40 سنه. حقيقة كانت مازالت صغيرة !!
كانت تتألم وتئن من الالم واذا رأتنا تظاهرت بالصحه وكأن شيئًا لم يكن.
كان صوت الأنين يخالط اصوات طقطقة ركبتها وهي تقوم لربها في الليل مع حرصها على كتمان الانين في صلاتها حياءً من ربها ولكنها لاتستطيع ولم تستطيع!
نعم تكتم الصوت حياءً من الله فقد كانت راقيه!!
هنا كانت اصعب الايام فقد كنت في الصف الثالث الابتدائي وكنت متعلقا بها أشد التعلق ولكن في تلك السنه اصبح تواجد أمي في البيت قليل جداً فقد بدأت رحلات البحث عن مشكلة المرض التي بها وعلاجه.
تجولت أمي وأبي وأختي الكبيره في عدد من المستشفيات وأجرت الكثير من الفحوصات وبعد جهد وتعب وتشخيصات خاطئة وصلوا الى الفحص الدقيق لحالتها .. بأنها مصابة بورم سرطاني في البنكرياس.
انصدم الجميع !
ماعدا أمي فقد كانت امرأة لديها سريرة مع الله
كانت تأنس بالله حتى اذا ذُكر الله اجدها تلتفت الى مكان ذكره ... كانت حرفياً تحب لقاء الله، نعم أمي إمرأة كانت ترجو لقاء الله فقد كنت استمع الى بعض دعواتها وهي ساجده دون أن تعلم. لا أبالغ حين أقول انها كانت تدعو بصوتها الدافيء وكأنها ترى الله !!
دخلت أمي مستشفى الملك خالد للحرس الوطني ذلك الصرح الرائع. واستمرت فيه قرابة تسعة اشهر.
كان الورم السرطاني في موقع حساس جدا داخل البنكرياس ومن الصعب الوصول اليه وكان نشطا بشكل رهيب فبدأ ينتقل من البنكرياس الى الكبد وهنا الطبيب يشرح للوالد مساره ويقول له
" هي بين يد الرحمن " تلك الفترة كنت احيانا أرى الوالد امام التلفاز وعينه في مكان اخر من الهم فقد كانت تحركات السرطان وتنقلاته تصله من الطبيب أولا بأول وكان الوضع جدا صعب.
كان البرنامج اليومي وبعد العوده من المدرسه هو الذهاب عصراً للمستشفى عند أمي لمدة تسعة أشهر ، كانت أمي بوعيها وكنا اذا دخلنا عليها الغرفه تظاهرت بالنشاط ولكن هيهات ايتها العظيمه.
كانت أحيانا تستفرغ دمًا وقبل أن تستفرغ تغطي نفسها بطريقه حتى لايرى أحد منا الدم فينفجع.. من مثل أمي.
وذات يوم أخذنا والدي من وسط مباراة كرة قدم كنا نلعبها في رمضان وركبنا معه السياره، أول مرة أرى والدي يبكي... حقيقة ذلك اليوم كان اول يوم لي ارى والدي يبكي.
كنت في الصف الرابع الابتدائي حينها
ذهبنا الى المستشفى وانا يشوبني شيء من التوتر وعدم فهم الوضع. عند دخولنا للمستشفى رأيت أناسا من اقاربنا يخرجون فلما رأوني أقبلوا عليا يقبلوني وبعضهم يبكي !! حقيقة انا لم أفهم شيئا!
دخلنا المستشفى ووصلنا الى الغرفه فإذا بالغرفة ممتلئة بالزوار فدخلت مسرعا من بينهم الى أمي ، فقلت بصوت منخفض أمي أمي لعلها تجيب كالعاده، لم تجيبني هذه المره وقد كان يصدر منها صوت غريب وكأنه حشرجة في النفس وكل من حولها يقرأون القران ويبكون وينظرون بحزن
أنا لاأفهم ماالذي يحدث وماهذا الصوت !
أخذت المصحف ولم استطع أن اقرأ القران فقد انشغلت بنظرات الموجودين ولم افهم ماهذا ولماذا يبكون!!
مازلت لم افهم فسألت احدى اخواتي " اش فيها أمي " قالت لي " حيروح منها هذا الصوت وحتكون طيبه باذن الله " غمرتني سعاده عجيبه.
رجعنا الى البيت وكان ذلك ليلة25 رمضان قبل 28 سنه.
بدأ الزوار يأتون منزلنا صباحا يوم 25 رمضان والبيت يمتليء بالناس ، فذهبت الى اختي مرة اخرى وقلت لها " ليش الناس زحمه عندنا " قالت لي " أمي خلاص وقفت الصوت عشان كذا الناس جو عندنا"
تركتها وذهبت للبلكونه انتظر وصول أمي ظنا مني انها ستصل الى البيت وهؤلاء في استقبالها لانها وقفت الصوت .. حقيقةً لم افهم ... ولم تصل أمي !!
الجميع وقتها كان يعلم بحقيقة أمر أمي إلا أنا وقد كانت تدور حوارات ونقاشات بمن سيبلغني بأمرها ... أنا فقط انتظر وصولها للبيت فالحضور يبكون وانا استغرب من بكائهم !!
تصدر المشهد جدي وناداني ثم قال لي بلهجته الوقوره" اذا الله يحب أحد مننا تفرح ولاتزعل" قلت له " افرح " ،، فقال لي " طيب اذا الله يحب احد ويبغى ياخذه عنده تقول ايوا ولا لا " قلت ايوا اوافق ،قال لي حرفيا ولا انساها من 28 سنه " الله أخذ أمك عنده لانه يحبها "
لحظة صمت اصابتني جعلتني انام ٢٤ ساعه . جلست اتذكر ذلك الصوت الذي كان يصدر منها في المستشفى وقد كان صوت خروج الروح الطاهره التي فاضت الى ربها حبيبها في ليلة مباركه فجر يوم 25 من رمضان عام 1414هجريه
ثم تذكرت وفهمت أن الناس كانو يبكون لانها كانت في لحظاتها الاخيره وانا لم افهم حينها.
حقيقة شعرت بفراغ كبير وكبير جدا يقاطع حياتي بل ويتقاطع مع ذلك الامان النفسي الذي كنت أجده برائحتها... كيف ستكون الحياه بدون أمي ؟! كان هذا السؤال يداهم افكاري مرارا وتكرارا حتى عندما احاول كاذباً بالتهرب منه ولكن دون فائده.
رحل ذلك الوجه الوضيء الذي قبل أن يلفظ أنفاسه التفت الى يمينه ونطق الشهاده ثم ابتسم ومات.
رحلت تلك العابدة مريم ، نعم ذهبت الى من كانت تحبه واحسبه جل وعلا يحبها.
لم أنسى صوتها ولا رائحتها ...
بل إن مشروع حياتي أن أُحسن العمل حتى القاها في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
حقيقةً من أكثر مايعينني على عدم حمل هموم الدنيا .. ان هذه الدنيا لاتوجد بها أمي !
فقد انسحبت من رحلة الدنيا وبقينا بدونها ... علماً بأن هذه الرحله كلها انسحابات ولايتحملها الا المؤمن.
موعدنا الجنة يا مريم !
أمطروها بدعواتكم 🙏
رحم الله والدينا ووالديكم .

جاري تحميل الاقتراحات...